الترسيم السياسي للرمز اليهودي
من 1909 إلى 2026
من ترسيم الوعد “الأخلاقي” إلى تفعيل الانخراط العضوي
-الحلقة الرابعة-
سلسلة: تحولات الرمز اليهودي في المخيال المسيحي الغربي

- ملخص الحلقات الثلاثة الأولى:
عادة ما يتم اختزال العلاقة بين اليهودي عموما والأيديولوجية الصهيونية خصوصا، وبين الغرب المسيحي إما ضمن روائز دينية صرفة أو جيوسياسية صرفة.
في هذه السلسلة التاريخية السيميائية، والتي نرصد فيها تحولات الرمز اليهودي في المخيال المسيحي الغربي، حاولنا الابتعاد عن ذلك التبسيط المزدوج، لنسهم في تشكيل أدوات موضوعية لتشخيص تلك العلاقة بين الطرفين، في سبيل فهم التحولات الجارية اليوم داخل أروقة القرار السياسي والديني الأمريكي والأوروبي كليهما.
وقد أشرنا في الحلقات الثلاث الأولى إلى مسار واحد متصل تشكّل فيه موقع الرمز اليهودي داخل المخيال الغربي عبر تحولات تدريجية في بنية المعنى، لا عبر قرارات سياسية مباشرة. ففي الحلقة الأولى استقر هذا الرمز داخل نظام لاهوتي–اجتماعي–ثقافي متماسك، حيث أُدرج اليهود بوصفهم جزءًا من سردية الخلاص المسيحية وفي الوقت نفسه «الآخر الضروري» الذي تُعرّف من خلاله الهوية الدينية ذاتها. ثم جاءت الحلقة الثانية لتكشف لحظة التصدّع التأويلي، عندما كسر الإصلاح البروتستانتي احتكار التفسير وفتح المجال لقراءات جديدة أعادت إدراج اليهود داخل تصور مستقبلي للتاريخ، لا باعتبارهم بقايا الماضي بل عنصرًا في زمن نبوئي لم يتحقق بعد. أما الحلقة الثالثة فمثلت لحظة مختلفة نوعيًا، إذ لم يعد التحول مجرد إعادة قراءة، بل أصبح إعادة تنظيم كاملة للشبكة التأويلية نفسها مع ظهور التدبيرية في القرن التاسع عشر، التي صاغت تصورًا منهجيًا للتاريخ يفصل بين مسار الكنيسة ومسار إسرائيل ويجعل لليهود دورًا مستقبليًا مستقلًا داخل الخطة الإلهية، ثم حوّل هذا التصور إلى نظام قراءة واسع الانتشار مع صدور الإنجيل المرجعي لسكوفيلد سنة 1909، حيث رُبطت النبوءة بالتاريخ والجغرافيا معًا، وأُدرجت فلسطين بوصفها عنصرًا مركزيًا في تحقق الأحداث المنتظرة.
وعند هذه النقطة لم يعد الرمز يعمل بوصفه علامة داخل الخطاب الديني فحسب، بل أصبح جزءًا من تصور متكامل للتاريخ يمكن أن يوجّه الفعل في الواقع، وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة التالية، حين ينتقل هذا التموضع من المجال التأويلي إلى المجال الجيوسياسي، وتتحول الرؤية النبوئية إلى ترتيبات سياسية تعيد رسم الخريطة منذ عام 1917 وحتى اليوم.
- مقدمة الحلقة الرابعة:
عند هذه النقطة من المسار، نكون قد وصلنا إلى لحظة مفصلية: اللحظة التي تصبح فيها البنية التأويلية التي تشكلت عبر قرون قابلة لأن تترجم إلى فعل سياسي. فالأفكار التي أعادت إدراج اليهود داخل الزمن النبوئي، ثم ربطتهم بجغرافيا محددة داخل التصور التدبيري للتاريخ، لم تبقَ محصورة داخل المجال اللاهوتي أو الثقافي. بل بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تلتقي مع التحولات الكبرى في النظام الدولي الأوروبي.
في هذا السياق تبرز لحظة عام 1917 بوصفها محطة رمزية مركزية، مع صدور وعد بلفور Balfour Declaration عن الحكومة البريطانية. غير أن أهمية هذه اللحظة لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في كونها تمثل أول نقطة يلتقي فيها التموضع التأويلي الطويل للرمز اليهودي داخل المخيال الأنغلوساكسوني مع قرار سياسي صادر عن دولة كبرى. وقد تحركت بعض النخب السياسية البريطانية في مطلع القرن العشرين داخل أفق ثقافي تشكل جزئيًا تحت تأثير التراث الكتابي الراسخ في الثقافة الإنجليزية. فالنصوص التوراتية وتاريخ إسرائيل القديم لم يكونا مجرد موضوع ديني، بل كانا جزءًا من الذاكرة الثقافية التي أثرت في طريقة فهم بعض السياسيين البريطانيين للمسألة اليهودية. ويشير جيمس رينتون إلى أن تصور عدد من هذه النخب لليهود بوصفهم أمة مرتبطة بالصهيونية ارتبط إلى حد ما بالحضور القوي للكتاب المقدس في الثقافة البريطانية، وهو حضور أسهم في جعل فكرة الوطن اليهودي تبدو متسقة مع تصورات تاريخية متجذرة في المخيال الثقافي الإنجليزي.[1] وعلى هذا النحو تداخلت الخلفية الدينية والثقافية مع الحسابات السياسية في تشكيل مواقف بعض النخب البريطانية من المشروع الصهيوني.
لكن هذا الانتقال لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة مباشرة لعامل ديني واحد. فالحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطوريات القديمة، وصعود السياسات الإمبراطورية الحديثة، كلها عوامل أسهمت في تحويل تلك الخلفية الرمزية إلى عنصر يمكن توظيفه داخل الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى. ولم يكن قرار بريطانيا دعم مشروع قومي يهودي في فلسطين نتيجة دافع واحد بسيط، بل جاء ثمرة تفاعل معقد بين اعتبارات استراتيجية وثقافية وسياسية. فقد تداخلت الحسابات المرتبطة بالحرب العالمية الأولى مع الاعتبارات السياسية داخل بريطانيا وخارجها، إضافة إلى حضور تعاطفات ثقافية ودينية مع المشروع الصهيوني داخل بعض الأوساط البريطانية. ويشير المؤرخ الأمريكي المعاصر جوناثان شناير Jonathan Schneer المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط، إلى أن وعد بلفور نفسه كان نتاج «مزيج معقد من الدوافع»، حيث اجتمعت الحسابات الاستراتيجية في زمن الحرب مع الاعتبارات السياسية والثقافية في تشكيل القرار البريطاني بدعم المشروع الصهيوني.[2] وعلى هذا الأساس يمكن فهم الوعد بوصفه نقطة التقاء بين طبقات متعددة من المصالح والتصورات التي تشكلت داخل السياسة البريطانية في تلك المرحلة.
من هذا المنظور، تمثل هذه المرحلة انتقالًا من التموضع التأويلي إلى التموضع الجيوسياسي. فالرمز الذي أعيد إدراجه تدريجيًا داخل شبكة المعاني الدينية والثقافية في الغرب أصبح الآن جزءًا من ترتيبات سياسية ملموسة. ولم يعد الحديث يدور فقط حول معنى اليهود داخل المخيال الأوروبي، بل حول موقعهم داخل النظام الدولي الناشئ في القرن العشرين.
ولهذا فإن القسم التالي سيتتبع الكيفية التي تجسد بها هذا الانتقال عبر محطات أساسية منذ 1917 حتى الزمن المعاصر، بهدف فهم كيف تحولت إعادة التموضع التأويلي التي تشكلت في المخيال الغربي إلى واقع سياسي أعاد تشكيل الجغرافيا والتوازنات في الشرق الأوسط والعالم.
1. وعد بلفور: التقاء الطبقات (إمبراطورية / رمزية / سياسية):
عندما أصدرت الحكومة البريطانية في 2 نوفمبر 1917 وعد بلفور، والتي وجهها وزير الخارجية آرثر جيمس بلفور Arthur James Balfour إلى اللورد ليونيل روتشيلد Lionel Walter Rothschild، لم يكن الحدث مجرد بيان دبلوماسي عابر في سياق الحرب العالمية الأولى. بل كان لحظة تلاقت فيها عدة طبقات تاريخية وثقافية وسياسية، جعلت من القرار أكثر تعقيدًا من مجرد خطوة تكتيكية في السياسة الإمبراطورية.
على المستوى الإمبراطوري، كانت بريطانيا تسعى إلى إعادة ترتيب موقعها في الشرق الأوسط مع اقتراب انهيار الدولة العثمانية. فقد رأت بعض الدوائر السياسية البريطانية أن دعم مشروع قومي لليهود في فلسطين قد يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. فقد ارتبط هذا التصور بحسابات جيوسياسية تتعلق بتعزيز النفوذ البريطاني في شرق البحر المتوسط وتأمين الطريق الإمبراطوري إلى الهند، إضافة إلى اعتبارات سياسية تتعلق بكسب تعاطف بعض الجماعات اليهودية المؤثرة في الدول الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى. ويشير جوناثان شناير إلى أن عددًا من القادة البريطانيين اعتقدوا أن دعم وطن يهودي في فلسطين قد يعزز موقع بريطانيا الاستراتيجي في المنطقة، وفي الوقت نفسه يساعد على استقطاب دعم جماعات يهودية مؤثرة في بلدان مثل الولايات المتحدة وروسيا.[3] وعلى هذا النحو تداخلت الاعتبارات الجيوسياسية مع الحسابات الدبلوماسية في تشكيل الموقف البريطاني من المشروع الصهيوني.
غير أن الاقتصار على هذا البعد الاستراتيجي لا يفسر كامل الظاهرة. فبعض الشخصيات المؤثرة في القرار البريطاني كانت تتحرك أيضًا داخل أفق ثقافي تشكّل جزئيًا بفعل التراث البروتستانتي الإنجليزي الذي أعاد إدراج اليهود داخل السردية التاريخية للغرب منذ القرن السابع عشر. وقد لاحظ المؤرخ الكندي دونالد م. لويس Donald Lewis أن عددًا من الساسة البريطانيين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كانوا يتحركون داخل أفق ثقافي تأثر بقوة بالتراث الكتابي وبالتقاليد البروتستانتية الإنجليزية التي منحت تاريخ إسرائيل القديم مكانة خاصة داخل تصور التاريخ الديني. ويشير دونالد لويس إلى أن هذا المناخ الفكري والديني جعل فكرة عودة اليهود إلى فلسطين تبدو لبعض القادة السياسيين البريطانيين لا مجرد احتمال دبلوماسي، بل تطورًا منسجمًا مع القراءة الكتابية للتاريخ ومع تصور العناية الإلهية لمسار الأحداث.[4] وعلى هذا النحو تداخلت الخلفية الدينية والثقافية مع الحسابات السياسية في تشكيل بعض المواقف البريطانية تجاه المشروع الصهيوني.
أما الطبقة الثالثة فهي الطبقة السياسية المباشرة المرتبطة بصعود الحركة الصهيونية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خصوصًا بعد جهود شخصيات مثل تيودور هرتسل Theodor Herzl (1860–1904) وقيادات المنظمة الصهيونية العالمية. ومع تطور الحرب العالمية الأولى بدأ المشروع الصهيوني يتحول من حركة فكرية وسياسية محدودة إلى طرف فاعل داخل المجال الدبلوماسي الدولي. فقد أدركت القيادات الصهيونية أهمية اللحظة التاريخية التي خلقتها ظروف الحرب، وسعت إلى إدراج مشروعها داخل حسابات القوى الكبرى. ويشير جيمس رينتون إلى أن عدداً من أعضاء الحكومة البريطانية أصبحوا ميّالين إلى قبول فكرة دعم الصهيونية في سياق السياسات الدعائية المرتبطة بالحرب، غير أن هذا التوجه اعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القيادات الصهيونية على تقديم الحجج والدوافع التي تقنع صانعي القرار البريطانيين بجدوى تبني سياسة مؤيدة للصهيونية.[5] وعلى هذا النحو أصبح المشروع الصهيوني جزءًا من التفاعلات الدبلوماسية للحرب، وهو ما جعل التقاءه مع الحسابات البريطانية ممكنًا في تلك اللحظة التاريخية.
تكشف هذه العناصر مجتمعة أن وعد بلفور لم يكن نتيجة عامل واحد، بل لحظة التقاء بين بنية رمزية طويلة المدى تشكلت داخل الثقافة الأنغلوساكسونية، وحسابات إمبراطورية مرتبطة بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وفاعلين سياسييناستطاعوا تحويل الفكرة إلى مشروع دبلوماسي قابل للتنفيذ. ومن هذا المنظور تمثل هذه اللحظة مثالًا واضحًا على كيفية انتقال الرمز من موقعه داخل النظام التأويلي إلى موقع داخل النظام الجيوسياسي.
فما حدث عام 1917 لم يكن مجرد تبني فكرة جديدة، بل ترسيم سياسي لتحول رمزي طويل بدأ داخل المخيال الديني والثقافي قبل قرون، ثم وجد في لحظة تاريخية معينة الشروط التي سمحت بترجمته إلى قرار سياسي مؤثر في مجرى التاريخ الحديث.
2. الهولوكوست: لحظة التوتر القصوى في مسار إعادة تموضع الرمز:
إذا كان المسار الذي تتبعه هذه الدراسة قد أظهر أن الرمز اليهودي بدأ منذ القرن السابع عشر يدخل تدريجيًا في عملية إعادة إدراج داخل السردية الغربية—من خلال القراءات البروتستانتية النبوئية ثم عبر ترجمته السياسية في مشاريع استعادية وإمبراطورية—فإن القرن العشرين شهد لحظة بدت وكأنها تعصف بهذا المسار كله. فقد بلغت الشيطنة الحديثة لليهود ذروتها المأساوية في التجربة النازية التي انتهت إلى الإبادة الجماعية المعروفة بالهولوكوست. وهنا تظهر مفارقة تاريخية واضحة: ففي الوقت الذي كانت فيه بعض التيارات اللاهوتية والسياسية في الغرب تعيد إدراج اليهود داخل أفق تاريخي جديد، ظهرت في قلب أوروبا أيديولوجيا أعادت تعريفهم بوصفهم تهديدًا وجوديًا ينبغي استئصاله.
غير أن قراءة هذا الحدث ضمن الإطار التحليلي الذي تعتمده هذه الدراسة تكشف أن الهولوكوست لا تمثل قطيعة بسيطة مع المسار السابق بقدر ما تمثل لحظة التوتر القصوى داخله.
لم تُعد النازية إنتاج الشيطنة اللاهوتية الوسيطة لليهود في صورتها التقليدية، بل أعادت صياغتها ضمن لغة الحداثة الأيديولوجية، حيث جرى نقل صورة “الخطر اليهودي” من المجال الديني إلى المجال العرقي-البيولوجي. فاليهودي لم يعد يُقدَّم بوصفه خصمًا دينيًا فحسب، بل باعتباره عنصرًا مفسدًا يهدد صحة الأمة الأوروبية وبقاءها. وكما يوضح المؤرخ المؤرخ الصهيوني التشيكي الأصل شاؤول فريدلاندر Saul Friedländer: «لم تكن معاداة السامية النازية مجرد استمرار للعداء المسيحي التقليدي لليهود، بل حوّلت تلك العداوة الدينية إلى رؤية عرقية وبيولوجية يُنظر فيها إلى اليهودي بوصفه قوة مدمرة تهدد صحة الشعب الألماني وبقاءه».[6]
وبهذا المعنى لم تكن النازية مجرد تصعيد لعداء قديم، بل إعادة تعريف لطبيعته نفسها. فالرمز الذي كان يُدرج سابقًا داخل إطار لاهوتي يسمح—ولو نظريًا—بإمكان التحول الديني، أصبح يُدرج في خطاب عرقي مغلق لا يسمح بأي مخرج. في هذا الإطار تحولت الشيطنة إلى مشروع سياسي يسعى إلى “تنقية” المجتمع من عنصر يُنظر إليه باعتباره تهديدًا بنيويًا لكيانه. فاليهود لم يُقدَّموا في الأيديولوجيا النازية كأقلية دينية فحسب، بل كعدو عرقي يهدد وجود الأمة الألمانية ذاتها، وهو ما جعل الصراع ضدهم يُصاغ بوصفه عملية “تطهير عرقي”. وكما يوضح شاؤول أيضا: «كان اليهود في الأيديولوجيا النازية يُنظر إليهم لا باعتبارهم مجرد أقلية أو جماعة دينية، بل كعدو عرقي يهدد وجود الأمة الألمانية، ولذلك صوّر النظام صراعه ضدهم بوصفه عملية تطهير عرقي، وهو صراع قاد في نهاية المطاف إلى سياسة الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية».[7]
غير أن المفارقة الأعمق في هذا الحدث لا تكمن في عنفه غير المسبوق فحسب، بل في آثاره الرمزية اللاحقة. فقد أدت صدمة الإبادة إلى نشوء ذاكرة أخلاقية جديدة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة أعادت إدراج اليهود بوصفهم ضحية مركزية في سردية القرن العشرين. منذ ستينيات القرن الماضي أصبحت الهولوكوست عنصرًا مرجعيًا في الثقافة السياسية الغربية وذاكرتها العامة، وهو ما أسهم تدريجيًا في تثبيت التموضع الجديد للرمز اليهودي داخل النظام الدلالي والسياسي للغرب بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تحولت هذه التجربة إلى إطار أخلاقي يُستدعى لفهم قضايا العنف وحقوق الإنسان والمسؤولية التاريخية. وكما يوضح عالما الاجتماع الصهيوني المعاصران دانيال ليفي Daniel Levy) وناتان شنايدر Natan Sznaider: «أصبحت الهولوكوست نقطة مرجعية أخلاقية مركزية في الثقافة السياسية والذاكرة العامة في الغرب، حيث تعمل بشكل متزايد كرمز عالمي يُفسَّر من خلاله العنف وحقوق الإنسان والمسؤولية التاريخية» .[8]
ومن ثم فإن الهولوكوست، في ضوء هذا التحليل، لا يمكن فهمها بوصفها مجرد استمرار للعداء القديم لليهود، ولا بوصفها حدثًا منفصلًا عن المسار الذي أعاد إدراج هذا الرمز داخل المخيال الغربي، بل بوصفها لحظة التوتر القصوى في هذا المسار نفسه: اللحظة التي بلغ فيها منطق الشيطنة مداه الأقصى قبل أن ينفتح المجال أمام تثبيت تموضع رمزي جديد سيجد تعبيره السياسي الواضح في التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
3. ما بعد 1945: الذنب الأوروبي وانتقال المركز إلى أمريكا:
إذا كان وعد بلفور قد مثّل اللحظة الأولى التي التقت فيها الخلفية الرمزية بالقرار السياسي، فإن ما بعد الحرب العالمية الثانية مثّل مرحلة مختلفة تمامًا في مسار تموضع الرمز اليهودي داخل الغرب. ففي هذه المرحلة تداخل عاملان حاسمان: إعادة تشكيل الوعي الأوروبي بعد الهولوكوست، وانتقال مركز القوة في العالم الغربي من أوروبا إلى الولايات المتحدة.
- الصدمة الأخلاقية الأوروبية: وقد أدت المحرقة النازية إلى زلزال أخلاقي عميق داخل أوروبا الغربية. فبعد انكشاف حجم الإبادة التي تعرض لها يهود أوروبا بدأت قطاعات واسعة من النخب السياسية والفكرية تعيد النظر في تاريخ العلاقة بين أوروبا واليهود. ولم يعد الأمر يُفهم بوصفه حادثة تاريخية معزولة، بل بوصفه لحظة أخلاقية مفصلية في الوعي الأوروبي نفسه. ويشير دانيال ليفي وناتان شنايدر إلى أن ذكرى المحرقة تحولت تدريجيًا، في العقود التي تلت الحرب، من موضوع هامشي داخل السرديات الوطنية إلى مرجع أخلاقي مركزي داخل خطاب أوروبي عابر للحدود.[9] وعلى هذا النحو أصبحت المسألة اليهودية جزءًا من إعادة تعريف الضمير الأوروبي بعد الحرب.
لكن من المهم هنا التمييز بين أمرين:
- لم يبدأ دعم المشروع الصهيوني بعد الهولوكوست، إذ كان موجودًا قبل ذلك.
- إلا أن الشرعية الأخلاقية لهذا الدعم تغيرت جذريًا بعد 1945.
فإذا كان المشروع قبل الحرب مرتبطًا بمزيج من الحسابات الإمبراطورية والقراءات الدينية، فإنه بعد الحرب أصبح يُقدَّم أيضًا بوصفه استجابة تاريخية لمأساة أوروبية كبرى. وقد أسهمت المحرقة النازية في إعادة تشكيل الوعي الأوروبي تجاه اليهود بطريقة جعلت حضورهم جزءًا من الذاكرة المؤسسة لأوروبا الحديثة. فمع مرور العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية لم تعد المحرقة مجرد حدث تاريخي يُستحضر في الدراسات الأكاديمية، بل تحولت إلى مرجع أخلاقي مركزي داخل الثقافة السياسية الأوروبية. ويشير إنزو ترافرسو إلى أن ذكرى الهولوكوست أخذت تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه «دينًا مدنيًا» داخل الديمقراطيات الليبرالية الغربية، بحيث أصبح تاريخ اضطهاد اليهود معيارًا أخلاقيًا تقيس من خلاله هذه المجتمعات التزامها بالقيم الديمقراطية.[10] وعلى هذا الأساس غدا حضور اليهود في الوعي الأوروبي جزءًا من البنية الرمزية التي تؤسس لذاكرة أوروبا المعاصرة.
- انتقال مركز القرار إلى الولايات المتحدة: في الوقت نفسه كانت أوروبا الخارجة من الحرب تفقد موقعها بوصفها المركز السياسي للنظام الغربي. فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب قوةً مهيمنة اقتصاديًا وعسكريًا، وأصبحت تدريجيًا الفاعل الرئيسي في تحديد سياسات الغرب الدولية.
- وفي هذا السياق انتقلت أيضًا بعض الخلفيات الثقافية والدينية التي تشكلت في العالم البروتستانتي الأنغلوساكسوني إلى المجال السياسي الأمريكي. فقد كان للتيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة حضور مؤثر في تشكيل الرأي العام، إذ شكّل تصورها لدور إسرائيل في التاريخ جزءًا من الثقافة الدينية الواسعة داخل المجتمع الأمريكي. ففي كثير من الأوساط الإنجيلية لا تُفهم إسرائيل المعاصرة بوصفها مجرد دولة حديثة، بل تُقرأ ضمن إطار أوسع من التفسير النبوئي للتاريخ. ويشير تيموثي إلى أن عددًا كبيرًا من الإنجيليين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بوصفها عنصرًا مركزيًا في فهمهم لمسار التاريخ والنبوءة، وأن قيام الدولة الحديثة يُفسَّر في هذه الأوساط باعتباره علامة على استمرار العمل الإلهي في التاريخ ومرحلة مهمة في تحقق النبوءات الكتابية.[11] وعلى هذا النحو أصبح تصور دور إسرائيل جزءًا من المخيال الديني الذي يؤثر في الثقافة السياسية والاجتماعية الأمريكية.
مع تأسيس دولة الكيان الصهيوني عام 1948 ودخول العالم في سياق الحرب الباردة، بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور استراتيجي جديد. ففي ظل التنافس بين القوتين العظميين لم يعد الصراع العربي-الإسرائيلي يُنظر إليه بوصفه نزاعًا إقليميًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا باعتبارات جيوسياسية أوسع تتعلق باحتواء النفوذ السوفيتي وحماية المصالح الغربية في المنطقة. وفي هذا السياق أخذت إسرائيل تحتل تدريجيًا موقعًا داخل شبكة التحالفات الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط. وكما يوضح عالم السياسة الأمريكي ويليام ب. كواندت William B. Quandt: «مع بداية الحرب الباردة اكتسب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية جديدة للولايات المتحدة، وأصبح صناع القرار الأمريكيون ينظرون إلى تطورات المنطقة من خلال منظور التنافس بين القوى الكبرى، بحيث لم يعد الصراع العربي-الإسرائيلي مجرد نزاع إقليمي، بل ارتبط بقضايا جيوسياسية أوسع، وفي هذا الإطار بدأت إسرائيل تشغل دورًا داخل الإطار الاستراتيجي الغربي الأوسع في الشرق الأوسط» .[12]
- التقاء البنية الرمزية بالواقع الجيوسياسي: ما يهمنا في هذه المرحلة ليس فقط تغير موازين القوى، بل الطريقة التي تقاطعت بها طبقات متعددة من المعنى:
- ذاكرة أوروبية مثقلة بتاريخ طويل من العداء لليهود.
- ثقافة بروتستانتية أنغلوساكسونية أعادت إدراج اليهود داخل السردية الدينية للتاريخ.
- نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا التقاطع بدأ التموضع الجديد للرمز اليهودي يترسخ داخل الغرب. فلم يعد اليهود يُقرأون فقط بوصفهم موضوعًا دينيًا أو تاريخيًا، بل أصبح وجود إسرائيل جزءًا من النظام السياسي الغربي نفسه.
ومن منظور تحليلنا، تمثل هذه المرحلة انتقالًا حاسمًا من الترجمة السياسية الأولية التي ظهرت مع وعد بلفور إلى ترسيخ جيوسياسي طويل المدى أصبح أحد عناصر النظام الدولي بعد 1945. وهذا ما يفسر استمرار حضور هذه القضية في قلب السياسات الغربية حتى الزمن المعاصر.
4. استقرار التموضع الجديد في الغرب المعاصر: ذاكرة الهولوكوست – الإنجيليون والسياسة – مؤسسات إنتاج المعنى:
مع النصف الثاني من القرن العشرين بدأ التموضع الجديد للرمز اليهودي داخل الغرب يكتسب درجة من الاستقرار لم تكن متاحة في المراحل السابقة. ولم يتحقق هذا الاستقرار نتيجة عامل واحد، بل عبر تفاعل عدة آليات ثقافية وسياسية ومؤسساتية أعادت تثبيت موقع هذا الرمز داخل المخيال الغربي المعاصر.
– ذاكرة الهولوكوست في أوروبا: تحويل الحدث إلى مرجعية أخلاقية:
وفي أوروبا الغربية أصبح استحضار المحرقة تدريجيًا جزءًا من البنية الأخلاقية والسياسية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. فمع مرور الوقت لم يعد الهولوكوست مجرد حدث تاريخي يُذكر في سياق الحرب، بل تحول إلى مرجع أخلاقي أساسي في الوعي الأوروبي المعاصر. ويشير المؤرخ البريطاني الأمريكي توني جَدْت Tony Judt جدت إلى أن مصير اليهود لم يكن يحظى في السنوات الأولى بعد الحرب باهتمام خاص، إذ طغت على الذاكرة العامة آنذاك تجربة الحرب ومعاناة الشعوب الأوروبية عمومًا. غير أنه منذ ستينيات القرن العشرين بدأت المحرقة تحتل مكانة متزايدة في النقاش التاريخي وفي الذاكرة العامة، وأصبحت محورًا للتأمل التاريخي والإحياء التذكاري والنقاش الأخلاقي داخل المجتمعات الأوروبية.[13] وعلى هذا النحو غدا الهولوكوست عنصرًا مؤسسًا في بناء الذاكرة السياسية والأخلاقية لأوروبا الحديثة، وهو ما انعكس لاحقًا في المناهج التعليمية والمؤسسات التذكارية والتشريعات المرتبطة بإنكار المحرقة.
وقد لعبت هذه الذاكرة دورًا مهمًا في تثبيت موقع خاص لليهود داخل الوعي الأوروبي المعاصر، ليس فقط بوصفهم جماعة دينية أو قومية، بل بوصفهم عنصرًا مرتبطًا بتاريخ القارة نفسها وبالمسؤولية الأخلاقية المترتبة على ذلك التاريخ. فقد تحولت ذكرى المحرقة تدريجيًا إلى إطار مرجعي يعيد من خلاله الأوروبيون التفكير في ماضيهم وفي القيم التي ينبغي أن تؤسس لمستقبلهم. ويشير دانيال ليفي وناتان شنايدر إلى أن الهولوكوست أصبح مرجعًا أخلاقيًا عالميًا يساهم في تشكيل الطريقة التي يفهم بها الأوروبيون تاريخهم ومسؤوليتهم تجاه المستقبل، كما غدا عنصرًا مركزيًا في الهوية الأخلاقية والسياسية لأوروبا المعاصرة.[14] وعلى هذا الأساس أصبح حضور اليهود في الوعي الأوروبي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بذاكرة تاريخية تُعد جزءًا من تعريف أوروبا لذاتها في العصر الحديث.
– الولايات المتحدة: التقاء اللاهوت الشعبي بالسياسة: في الولايات المتحدة أخذ التموضع الجديد مسارًا مختلفًا جزئيًا. فبدل أن يكون مرتكزًا أساسًا على الذاكرة التاريخية الأوروبية، ارتبط بدرجة كبيرة بتأثير التيارات الإنجيلية داخل المجتمع الأمريكي. وقد حافظت قطاعات واسعة من المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة على القراءة التدبيرية التي تربط بين قيام إسرائيل وتحقيق النبوءات التوراتية. ففي هذا التصور تُفهم الأحداث السياسية المعاصرة، ولا سيما قيام دولة إسرائيل، ضمن إطار أوسع من التفسير النبوئي للتاريخ. ويشير القس الأنغليكاني البريطاني ستيفن سايزر Stephen Sizer وهو وباحث في اللاهوت السياسي، إلى أن الصهيونية المسيحية ذات الطابع التدبيري أصبحت اتجاهًا واسع الانتشار داخل عدد من الطوائف الإنجيلية والكاريزمية والمستقلة، بما في ذلك الكنائس الخمسينية والمعمدانية الجنوبية وعدد كبير من الكنائس الضخمة المستقلة. كما يقدّر بعض الباحثين عدد المسيحيين الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل بعشرات الملايين، وهو ما يمنح هذا الاتجاه حضورًا ملحوظًا داخل الثقافة الدينية والسياسية الأمريكية.[15] وعلى هذا الأساس أصبح دعم إسرائيل في بعض الأوساط الأمريكية مرتبطًا ليس فقط بالاعتبارات الجيوسياسية، بل أيضًا بخلفيات دينية وثقافية راسخة داخل جزء من الرأي العام.
وقد تفاعل العامل الديني مع اعتبارات سياسية واستراتيجية داخل الولايات المتحدة، ما جعل دعم إسرائيل يكتسب بعدًا داخليًا في السياسة الأمريكية، وليس مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية. فإلى جانب التأثير الذي تمارسه بعض التيارات الدينية المؤيدة لإسرائيل داخل الرأي العام، برزت أيضًا شبكات من جماعات الضغط التي تعمل داخل المجال السياسي الأمريكي للدفاع عن العلاقة الخاصة مع إسرائيل. ويشير عالما السياسة الأمريكيان جون ميرشايمر John J. Mearsheimer وستيفن والت Stephen M. Walt إلى أن ما يُعرف بـ”اللوبي المؤيد لإسرائيل” يتكون من ائتلاف واسع من الأفراد والمنظمات التي تسعى إلى التأثير في السياسة الأمريكية في اتجاه يدعم المصالح الإسرائيلية، وذلك عبر آليات العمل السياسي المشروعة داخل النظام الديمقراطي الأمريكي.[16] وعلى هذا النحو أصبح دعم إسرائيل نتاج تفاعل بين عوامل دينية وثقافية وسياسية داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
– مؤسسات تثبيت المعنى: الدولة والقانون والإعلام: إلى جانب هذين البعدين، لعبت المؤسسات الحديثة دورًا مهمًا في تثبيت التموضع الجديد. فالدول الغربية، والأنظمة القانونية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الأكاديمية، كلها أصبحت تشارك بدرجات مختلفة في إنتاج الخطاب الذي يحدد موقع اليهود وإسرائيل داخل المجال العام.
يتجلى ذلك في عدة مستويات:
- سياسات رسمية للدول الغربية تجاه إسرائيل.
- تشريعات مرتبطة بخطاب الكراهية ومعاداة السامية.
- حضور القضية داخل الإعلام والثقافة العامة.
- إنتاج معرفي واسع في الجامعات ومراكز الأبحاث.
ولا تعمل هذه المؤسسات بوصفها أدوات دعائية بسيطة، بل بوصفها آليات حديثة لإنتاج المعنى داخل المجتمعات. فالقوة الرمزية للخطاب لا تتحدد بالكلمات وحدها، بل بالبنية الاجتماعية التي تمنحه سلطة التأثير والقبول. وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu (1930-2002) في تحليله للسلطة الرمزية إلى أن فعالية القول لا تتحقق إلا داخل شبكة من العلاقات والمؤسسات التي تمنح بعض الفاعلين حق الكلام وتكسب خطابهم الاعتراف الاجتماعي. فالفعل الخطابي، كما يلاحظ بورديو، يفترض وجود إطار مؤسسي يخول المتكلم سلطة التعبير بطريقة يعترف بها الآخرون ويعدّونها مقبولة في سياقها الاجتماعي.[17] ومن هذا المنظور تصبح المؤسسات الثقافية والسياسية فضاءات أساسية لإنتاج التصورات الجماعية وتوجيهها داخل المجال العام.
تمثل هذه العناصر مجتمعة لحظة استقرار نسبي للتموضع الجديد للرمز اليهودي داخل الغرب المعاصر. فقد التقت الذاكرة التاريخية في أوروبا، والثقافة الدينية والسياسية في الولايات المتحدة، مع مؤسسات الدولة الحديثة، لتشكل شبكة معقدة تعيد إنتاج هذا التموضع وتثبته داخل المخيال الغربي.
غير أن هذا الاستقرار لا يعني نهاية التحول. فكما أظهرت مراحل التاريخ السابقة، فإن الرموز الحضارية قد تبقى حاضرة داخل الذاكرة الثقافية لفترات طويلة، بينما تستمر مواقعها في التحول تبعًا لتغير البنية التي تنظّم معانيها. وهو ما يفتح الباب أمام السؤال الاستشرافي الذي سيعالج في القسم الأخير من المقال.
5. أين يقف الكاثوليك والأرثوذكس؟: مصالحة كاثوليكية أخلاقية/لاهوتية – وتباينات أرثوذكسية قومية ودولية:
إذا كان التموضع الجديد للرمز اليهودي في الغرب قد تشكّل بدرجة كبيرة داخل الفضاء البروتستانتي الأنغلوساكسوني، فإن موقف الكنائس الأخرى – الكاثوليكية والأرثوذكسية – اتخذ مسارًا مختلفًا نسبيًا. فهاتان التقليدان لم تتبنيا القراءة التدبيرية التي ربطت قيام إسرائيل بالبنية النبوئية للتاريخ، بل أعادتا صياغة علاقتهما باليهودية ضمن أطر لاهوتية وتاريخية أخرى.
– الكاثوليكية: من لاهوت الاستبدال إلى مصالحة تاريخية: شهدت الكنيسة الكاثوليكية في القرن العشرين تحولًا مهمًا في مقاربتها لليهودية، خصوصًا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965): ففي الوثيقة الشهيرة نوسترا إيتاتي Nostra Aetate الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965 أعلنت الكنيسة الكاثوليكية أن اليهود لا يمكن تحميلهم مسؤولية جماعية عن صلب المسيح، وأكدت في الوقت نفسه على الروابط الدينية المشتركة بين المسيحية واليهودية. فقد جاء في نص الوثيقة أن ما جرى في آلام المسيح «لا يمكن تحميله لجميع اليهود دون تمييز، سواء الذين كانوا أحياء آنذاك أو اليهود في زمننا الحاضر»، كما شددت الكنيسة – وهي تستحضر «التراث المشترك الذي تتقاسمه مع اليهود» – على إدانتها لكل مظاهر الكراهية والاضطهاد ومعاداة السامية ضدهم في أي زمان ومن أي جهة.[18]
يمثل هذا التحول خطوة كبيرة مقارنة بالمواقف اللاهوتية الوسيطة التي سادت قرونًا طويلة. لكنه يختلف في طبيعته عن القراءة التدبيرية البروتستانتية. فالكنيسة الكاثوليكية لم تربط قيام إسرائيل بتحقق خطة نبوية ملزمة، بل ركزت على المصالحة الأخلاقية واللاهوتية مع اليهودية وعلى رفض معاداة السامية. وقد عبّر البابا يوحنا بولس الثاني John Paul II عن هذا التوجه حين وصف اليهود بأنهم «إخوتنا الأكبر في الإيمان» خلال زيارته لكنيس يهودي في روما عام 1986.
وفي العقود اللاحقة تطورت العلاقات الدبلوماسية بين الفاتيكان وإسرائيل، خاصة بعد إقامة العلاقات الرسمية عام 1993. غير أن الخطاب الكاثوليكي ظل حذرًا في تحويل العلاقة الدينية إلى قراءة نبوية للتاريخ على الطريقة التدبيرية.
- الأرثوذكسية: بين اللاهوت التقليدي والسياقات القومية: أما الكنائس الأرثوذكسية فقد تعاملت مع المسألة من زاوية مختلفة أيضًا. فالتقليد الأرثوذكسي ظل أقرب إلى الإرث اللاهوتي الكلاسيكي الذي يرى الكنيسة استمرارًا لإسرائيل الروحية، دون تبني القراءة التدبيرية التي تفصل بين مسار الكنيسة ومسار إسرائيل.
لكن الموقف الأرثوذكسي لم يكن موحدًا، بل تأثر إلى حد كبير بالسياقات القومية والسياسية التي تعيش فيها هذه الكنائس. ففي بعض البلدان الأرثوذكسية ارتبط الموقف من إسرائيل بعلاقات الدولة المعنية بالشرق الأوسط أو بالمجتمعات اليهودية المحلية. كما أن وجود بطريركيات أرثوذكسية تاريخية في القدس جعل المسألة مرتبطة أيضًا بالواقع السياسي والديني في المنطقة، حيث تتأثر مواقف هذه الكنائس بدرجة كبيرة بظروف المجتمعات المسيحية المحلية وبالعلاقات الدبلوماسية للدول التي ينتمي إليها المؤمنون الأرثوذكس. وكما يشير المؤرخ البريطاني الأمريكي المعاصر فيليب جنكنز Philip Jenkins: «إن البطريركيات المسيحية القديمة في الشرق الأوسط – وخاصة تلك الموجودة في القدس – تظل مندمجة بعمق في الواقعين السياسي والديني للمنطقة، وغالبًا ما تتشكل مواقفها من إسرائيل أقل من خلال اللاهوت المجرد وأكثر من خلال الاعتبارات العملية للمجتمعات المسيحية المحلية والعلاقات الدبلوماسية للدول التي يعيش فيها المؤمنون الأرثوذكس» .[19]
- موقع هذه الكنائس داخل التحول العام: تكشف مواقف الكاثوليك والأرثوذكس أن التحول في موقع الرمز اليهودي داخل الغرب لم يكن مسارًا واحدًا متجانسًا. فبينما لعب الفضاء البروتستانتي الأنغلوساكسوني دورًا مركزيًا في إعادة إدراج اليهود داخل السردية النبوئية للتاريخ، اختارت الكنيسة الكاثوليكية مسار المصالحة اللاهوتية والأخلاقية، في حين ظل العالم الأرثوذكسي أقرب إلى المواقف التقليدية مع تباينات مرتبطة بالسياسات الوطنية.
وبذلك يظهر أن التموضع الجديد للرمز اليهودي في الغرب المعاصر ليس نتيجة تحول لاهوتي موحد، بل نتيجة تداخل مسارات مختلفة: لاهوتية وثقافية وسياسية. وهذه التعددية نفسها ستؤثر في الطريقة التي يستمر بها هذا التموضع أو يتغير في المستقبل.
- الترسيم السياسي: من التموضع التأويلي إلى التموضع الجيوسياسي (1917-اليوم):
يتبين من المسار الذي جرى تتبعه في هذا القسم أن التحول الذي أصاب موقع الرمز اليهودي داخل المخيال الغربي لم يتوقف عند مستوى التأويل الديني أو الثقافي، بل بلغ في القرن العشرين مرحلة جديدة تم فيها ترسيم هذا التموضع داخل النظام السياسي الدولي. فقد شكّل وعد بلفور نقطة التقاء أولى بين الخلفية الرمزية التي تشكلت في العالم الأنغلوساكسوني وبين الحسابات الإمبراطورية لبريطانيا، قبل أن تأتي تحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية لتعيد تثبيت هذا المسار ضمن نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة.
في أوروبا الغربية لعبت ذاكرة الهولوكوست دورًا مهمًا في إعادة صياغة العلاقة مع اليهودية داخل الوعي العام، بينما أسهمت الثقافة الدينية والسياسية في الولايات المتحدة في ترسيخ حضور إسرائيل داخل المجال الاستراتيجي الغربي. ومع مرور الوقت شاركت مؤسسات الدولة والقانون والإعلام في إعادة إنتاج هذا التموضع وتثبيته داخل المجال العام. وفي الوقت نفسه احتفظت الكنائس غير البروتستانتية بمقاربات مختلفة، ما يعكس تعددية المسارات التي تشكل داخلها هذا التحول.
تكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تكشف كيف يمكن لمسار طويل من التحولات التأويلية أن ينتهي إلى تموضع جيوسياسي مستقر نسبيًا. فالرمز الذي أعيد إدراجه تدريجيًا داخل المخيال الغربي منذ القرن السابع عشر أصبح جزءًا من البنية السياسية للنظام الدولي في القرن العشرين. غير أن هذا الاستقرار لا ينبغي فهمه بوصفه نهاية التاريخ، بل بوصفه لحظة في مسار أطول من التحولات التي قد تستمر مع تغير التوازنات الدولية والثقافية.
ولهذا يفتح هذا التحليل الباب أمام السؤال الاستشرافي الذي يشكّل القسم الأخير من المقال: كيف يمكن أن يتحول موقع هذا الرمز مرة أخرى إذا تغيرت البنية التي تنظّم معانيه داخل العالم المعاصر؟
- الهوامش:
[1] James Renton, The Zionist Masquerade: The Birth of the Anglo-Zionist Alliance, 1914–1918 (Basingstoke – New York: Palgrave Macmillan, 2007), p. 12.
[2] Jonathan Schneer, The Balfour Declaration: The Origins of the Arab-Israeli Conflict (New York: Random House, 2010), p. 349.
[3] Schneer, The Balfour Declaration, p. 332.
[4] Lewis, The Origins of Christian Zionism, p. 23.
[5] Renton, The Zionist Masquerade, p. 6.
[6] Saul Friedländer, Nazi Germany and the Jews, Vol. I: The Years of Persecution, 1933–1939 (New York: HarperCollins, 1997), p. 73.
[7] Friedländer, Nazi Germany and the Jews, p. 73.
[8] Daniel Levy & Natan Sznaider, The Holocaust and Memory in the Global Age (Philadelphia: Temple University Press, 2006), p. 4.
[9] Levy & Sznaider, The Holocaust and Memory in the Global Age, p. 4.
[10] Enzo Traverso, The End of Jewish Modernity (London: Pluto Press, 2016), p. 3.
[11] Weber, On the Road to Armageddon, p. 15.
[12] William B. Quandt, Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict since 1967 (Washington D.C. – Berkeley: Brookings Institution Press / University of California Press, 2005), p. 12.
[13] Tony Judt, Postwar: A History of Europe Since 1945 (New York: Penguin Press, 2005), p. 803.
[14] Levy & Sznaider, The Holocaust and Memory in the Global Age, p. 4.
[15] Stephen R. Sizer, Christian Zionists: On the Road to Armageddon (Colorado Springs: Presence Ministries International, 2004), pp. 9–10.
[16] John J. Mearsheimer & Stephen M. Walt, The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2007), p. 5.
[17] Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power (Cambridge: Polity Press, 1991), p. 9.
[18] Second Vatican Council, “Nostra Aetate,” in Austin P. Flannery (ed.), Vatican Council II: The Conciliar and Post Conciliar Documents (Northport, NY: Costello Publishing, 1996), p. 743.
[19] Philip Jenkins, The Lost History of Christianity: The Thousand-Year Golden Age of the Church in the Middle East, Africa, and Asia – and How It Died (New York: HarperOne, 2008), p. 248.




