الشهودمن اختيارنا

النصّ التوراتي وحقيقة الدبلوماسية الأمريكية المتدينة:

من وعد أسطوري إلى شرعنة احتلال ما بعد فلسطين

تقديم
ليست المشكلة في أن يستدعي السفير الأمريكي في الدولة المحتلة لفلسطين نصا دينيا في المجال العام، فالدين كان دائما أحد روافد الوعي الحضاري للأمم، لكن الانكشاف حصل في الجهر بالموافقة على تحويل نص ديني عمره يتجاوز الأربعة آلاف سنة، إلى مرجعية زمنية مباشرة لصناعة الخرائط والحدود والسياسات المعاصرة.
المقابلة التي أجراها الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى “إسرائيل” ، مايك هاكابي ، أعادت هذا السؤال إلى الواجهة بقوة، عندما طُرح الحديث عن نص من “سفر التكوين” يتحدث عن أرض “من النيل إلى الفرات” ، وجاء رد السفير بأن “سيكون من الجيد لو أخذوا كل الأرض” !
إن الكلمات حين تصدر في سياق مشحون بالاحتلال والإبادة والعُلو، لا تبقى في حدود التأويل النظري، بل تتحول إلى إشارات ذات دلالات استراتيجية، ترتبط بسيطرة النظرة المشيحانية/المسيحانية اليهودية/البروتستانتية على صناعة القرار الدبلوماسي الأمريكي، ولا يمكن اعتباره بأي حال تفسيرا دينيا شخصيا، بل موقفا سياسيا مؤسسيا مباشرا.

أولا؛ بين هوس لاهوت الاحتلال ومطالب تفجير خرائط سايكس بيكو:

إن استدعاء نص ديني قديم من طرف دبلوماسي بدرجة سفير لتأسيس شرعية مطالب جغرافية حديثة، لا يطرح إشكالا عميقا فقط، بل يكشف حقيقة المنطق اللاهوتي المهيمن على تاريخ ومستقبل تدبير احتلال فلسطين. إن هذا الاحتلال لا يدار بمنطق القانون الدولي وسيادة الدول المعاصرة، بل بمنطق العهد الديني وتعاليم النصوص المقدسة. فالعالم بعد الحربين العالميتين بنى نظامه – بكل ما فيه من أعطاب – على مبدأ سيادة الدول وحدودها المعترف بها (بما فيها قرار تقسيم فلسطين سنة 1947والاعتراف بدولة للشعب الفلسطيني)، لا على وعود لاهوتية قابلة للتأويلات الأساطيرية. فعندما يُستحضر نص من العهد القديم لتوسيع أفق المطالبة بجغرافية مرشحة لاحتلال ما بعد فلسطين، فإن الأمر يتجاوز النقاش الديني الداخلي إلى تكريس الطابع اللاهوتي لاحتلال فلسطين، وبرمجة تفجير كل التوازنات الإقليمية وتفكيك كل الحدود القائمة.
إن المحاولات اللاحقة لتخفيف البعد السياسي للتصريح لا يمكن أن تخفي جذوره العقائدية، أو تُضعِف قوة أثره المعنوي والرمزي، لأن المزج بين العقيدة والقرار السيادي يكشف حقيقة خطيرة: إننا لسنا أمام خطاب إيماني شخصي، بل أمام ذهنية سياسية أمريكية ترى في النص التوراتي مصدرا للشرعية الجغرافية، وخريطة طريق لإلغاء سيادة الهوية الدينية للملايين من شعوب المنطقة ودولها، عبر برمجة إخضاعها لاحتلال ديني وعسكري يأتمران بلاهوت مشيحاني/مسيحاني مدجج بالأساطير وبالقوة الغاشمة لا الشرعية التاريخية أو القانونية الدولية.

ثانيا؛ السياسة الأمريكية بين المصلحة والالتزام العقائدي:
في المقابلة نفسها، انتقل النقاش إلى سؤال الأولويات. سأل كارلسون السفير المتدين هاكابي : هل تخدم السياسة الأمريكية مصالح مواطنيها أولا أم تمنح إسرائيل موقعا استثنائيا في حساباتها؟
كارلسون طرح أسئلة مباشرة حول الدعم العسكري، وحول كلفة السياسات في غزة، وحول صورة الولايات المتحدة في العالم. ورد هاكابي بأن المساعدات جزء من “أمن مشترك” ، وأنها لا تمول برامج اجتماعية إسرائيلية، مؤكداً ولاءه لواشنطن أولا.
غير أن الإشكال لا يكمن في تفاصيل بنود المساعدة، بل في طبيعة العلاقة ذاتها: حين تصبح دولة حليفة محورا ثابتا في الاستراتيجية الأمريكية، بحيث تبدو خارج منطق المراجعة النقدية، يتاكد الانطباع العالمي والإسلامي بأن السياسة الأمريكية لا تُدار بميزان المصالح المتغيرة، بل بمرجعية تتجاوز البراغماتية إلى ما يصبح في مستوى الالتزام العقائدي. هنا تتاكد حقيقة تقاطع الدعم السياسي الأمريكي اللامحدود مع خطاب ديني يمنح العدوان على فلسطين والشعوب العربية والإسلامية بعدا لاهوتيا خلاصيا لا غبار عليه.

ثالثا؛ من توريث “المسألة اليهودية” إلى مأزق الالتزام الأمريكي العقائدي:
نشأت “المسألة اليهودية” تاريخيا في السياق الأوروبي، حيث عانى اليهود لقرون من استحالة التعايش مع المسيحيين، انتهت بكارثة “الحل النهائي النازي” الذي جسده الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية. لكن غرس “إسرائيل” في فلسطين نقل مركز الثقل من مأساة أوروبية خالصة إلى عقدة جيوسياسية في قلب الحوض الحضاري الإسلامي، ذات امتداد عالمي. المفكر الفرنسي إدغار موران لفت إلى هذا التحول حين اعتبر أن المشكلة التي كانت أوروبية خالصة، أصبحت باحتلال فلسطين ذات تداعيات كونية.
اليوم، كل تصريح أمريكي يربط النص الديني بالسيادة الإقليمية لليهود، يؤكد توريط الولايات المتحدة في مأزق توريثها كلفة “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”، والتي تخلصت منها أوروبا بكلفة فادحة (المحرقة والابتزاز الناشئ عنها) .
من جهة أخرى، فإن المأزق الأمريكي مرشح للتفاقم لأنه يصدطم بقوة ذاكرة الوعي العربي والإسلامي، لأن الأمر يُفهم بوصفه إعادة تدوير لحل صهيوني مازوم وفاشل في قلب الجغرافية الإسلامية، لا مجرد نقاش لاهوتي عابر. ومن هنا جاء الاستياء الشعبي والرسمي في عواصم متعددة، حيث اعتُبر كلام السفير المتدين استفزازا يؤكد ولاءه الديني الأعمى لسردية الاحتلال المؤسطرة.

رابعا؛ “أمن مشترك” أم سردية زائفة مغلفة بثوب القداسة؟
المهم في هذا المشهد ليس التصريح الدبلوماسي العقائدي وحده، بل البيئة الجيوستراتيجبة التي تجعله قابلا للتصديق بلا تردد. فعندما تتداخل السردية الدينية المغلقة، مع التحالف الاستراتيجي بين “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، يصبح من المستحيل التمييز بين ما هو إيمان شخصي وما هو مخطط استراتيجي كامن. فالصراع بات مؤطرا بشكل صريح بلغة “الوعد” و”الحق التاريخي” ، لا بلغة الشرعية الدولية التي تقر للشعب الفلسطيني المحتل بحقوقه التاريخية على أرضه؛ أو تلك التي تلاحق قادة الكيان بسبب جريمة الإبادة التي تورطوا فيها.
إن تحويل جرائم الاستيطان والاحتلال والإبادة – التي لم تتوقف منذ قرن – إلى امتداد تأويلي لنص مقدس، يؤكد أن الصراع ذو طابعهد وجودي واستئصالي، لأن النص بطبيعته مطلق ومُغلق، ولا يحتمل غير ما يعتقده معتنقه الغارق في مواجيد تزمته.

خاتمة:
تكشف هذه المقابلة التاريخية عن جذور الأزمة العميقة التي تتخبط فيها القوى المهيمنة على تدبير شؤون النظام الدولي المعاصر : هناك تناقض بنيوي بين الصورة المعلنة للدولة الحديثة، وبين جوهرها الباطني المرتهن للنص الديني الخلاصي؛ بين مظاهر الانتماء لمؤسسات القانون الدولي وجمعياتها العامة ومؤتمراتها، ودهاليز تشكيل وعي صناع القرار بالسرديات المقدسة؛ بين ضجيج البراغماتية السياسية، وعبودية الالتزامات العقائدية. إن الخطاب الذي كشف به السفير الأصولي هاكابي فهمه لسيادة الدول العربية والإسلامية، المعنية بتفجير حدودها وخرائطها على أساس تأويل لاهوتي موغل في التزمت العقائدي، يفضح
فهم الدبلوماسية الدينية الأمريكية لسيادة هذه الدول، للعالم الإسلامي الذي تم توطين “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية” في قلبه: إن حدود الدول يرسمها “الكتاب المقدس”، والخرائط تُرسم بلغة “الوعد”، والاحتلال المبرمج لشعوب المنطقة بشارة دينية، والاستراتيجية الصحيحة للامبريالية الغربية هي التي يحرسها النص المقدس، ويعصمها من غواية العقلانية، والحداثة، والقيم الإنسانية، التي يصدقها المغفلون أو الغافلون عن الطابع المقدس للحروب الاستعمارية الجديدة !

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى