الشهودمن اختيارنا

تأملات قرآنية سننية (10)

في “قانون الاستبدال الإلهي”

تفكيك وهم “خطاب الهوية” المعطِّل ل”خطاب التدافع”

من وحي قوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ محمد/38

 أولًا؛ مدخل منهجي: من مركزية “خطاب الهوية” إلى مركزية “خطاب السنن”

احتلّ “خطاب الهوية” موقعًا مؤثرا في الفكر الإسلامي المعاصر، لا سيما في سياقات الصراع مع الاستعمار والهيمنة الثقافية، حيث جرى تقديمه بوصفه خط الدفاع الأول عن الذات الحضارية. غير أن هذا الخطاب نحت لنفسه، عبر الزمن، مسارًا انفصل به تدريجيًا عن روح “خطاب السنن القرآنية”.  وحين تحوّل من أداة وعي وإعمار فكري إلى ملاذ نفسي وتعويضي، أسهم – من حيث لا يشعر أصحابه – في تعطيل الفهم والتكليف ضمن إطار “قانون التدافع” ، وفي إفراغ الهوية نفسها من وظيفتها التحررية التاريخية. فالقرآن لا يمنح الهوية قيمة مستقلة عن الفعل، ولا يعترف بانتماء لا يُترجم إلى وعي وقيام بالتكليف، ولا يُحصِّن اي جماعة من قوانين السقوط والاستبدال لمجرد انتسابها العقدي أو الرمزي الهوياتي.

إن مركز الثقل في الرؤية القرآنية يقوم على توازن دقيق بين سؤال: ” من نحن؟ ” وسؤال: ” ماذا نفعل؟ ” ، أي بين مدى الانسجام مع المرجعية القيمية للإسلام، ومدى الوفاء بمقتضياتها في حركة التاريخ. وحين يضعف سؤال الفعل لصالح تضخم سؤال الهوية، تتحول هذه الأخيرة إلى خطاب معطِّل، يبرّر العجز، ويؤجل المواجهة مع الشروط الواقعية للنهوض، وعلى رأسها شروط التدافع، والعدل، والحرية.

 ثانيا؛ قانون الاستبدال الإلهي: المعنى والمقتضيات السننية

يُعدّ “قانون الاستبدال الإلهي” من أخطر القوانين القرآنية وأشدها حضورًا في منطق العمران والتاريخ، لأنه لا يتعلّق بالجزاء الأخروي فحسب، بل يحدّد مصير الجماعات والدول والأمم في الدنيا. فالآية الثامنة والثلاثون من سورة محمد تقرّر بوضوح أن التَّولِّي عن مقتضيات التكليف التاريخي لا يُنتج فراغًا، بل يستدعي فاعلًا آخر يحلّ محل المتخلّي، ويقوم بالدور الذي أُهمل. والاستبدال هنا لا يُربط بالكفر العقدي الصريح، بل بالتَّولِّي، أي الانسحاب من مواقع الفعل، وتعطيل واجب التدافع، والاكتفاء بالانتماء دون أداء الوظيفة.

وتكمن خطورة هذا القانون في كونه يشتغل بصمت؛ إذ لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى مواجهة مباشرة، لأن سنن التاريخ نفسها تتكفّل بإزاحة المتقاعس، واستدعاء من هو أقدر منه على الفعل، وأقل انشغالًا بالأوهام، وأكثر استعدادًا لتحمّل كلفة المسؤولية.

 ثالثًا؛ أقوال المفسرين في آية الاستبدال

أجمعت أقوال المفسرين الكبار عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ على أن الآية تقرر وعيدًا سننيًا تاريخيًا لا مجرد موعظة أخلاقية. فالطبري يقرر أن الاستبدال معناه إهلاك قوم والإتيان بغيرهم أطوع لله وأقوم بأمره، تأكيدًا لغنى الله عن عباده وأن الدين لا يتوقف على جماعة بعينها. ويصف القرطبي الآية بأنها تهديد شديد لمن أعرض عن الطاعة والجهاد، ويؤكد أن الله يأتي بقوم لا يكونون في التولي والتقصير والبخل كحالكم . أما الفخر الرازي فيوسّع الدلالة، معتبرًا أن الاستبدال لا يختص بالكفر والإيمان، بل قد يقع بين مؤمن ومؤمن، بحسب تمام القيام بمصالح الدين وتحمل أعباء التكليف، وأن العبرة بالفعل لا بالانتساب. ويُبرز ابن عاشور البعد الحضاري للآية، موضحًا أن الاستبدال هو استبدال في القيام بالوظيفة لا في أصل الإيمان، وتحذير للأمة من توهم أن مجرد الانتساب يحصّنها من سنن الإزاحة التاريخية. وبهذا، تتكامل قراءاتهم لتؤكد أن التولي عن مقتضيات التدافع والنصرة يفتح باب الاستبدال سننيًا، وأن البقاء في موقع الفعل مشروط بالقيام، لا بالهوية ولا بالدعوى.

 رابعًا؛ “خطاب الهوية” حين يتحول إلى تعطيل ل”قانون التدافع”

يمكن تفسير جانب كبير من ضعف الأمة فكريا بوجود من ينتج خطاب الفكر الهوياتي أكثر ممن ينتج خطاب الفكر السنني. وقد تجلّت إحدى أخطر آليات تعطيل قانون التدافع في تضخم خطاب الهوية على حساب الخطاب المنتج للفهم السنني والتكليف السنني. فقد ساد في مساحات واسعة من الفكر الحركي الإسلامي تصور ضمني مفاده أن سلامة الانتماء تعوّض غياب الفعل، وأن الاصطفاء الرمزي يكفي لتجاوز شروط الصراع، وأن الخصوصية الدينية تتيح القفز على قوانين التاريخ. وقد أنتج هذا التصور خطابًا بالغ الحساسية تجاه قضايا الهوية، لكنه ضعيف الجرأة في مواجهة الاستبداد، مرتبك في قضايا الحرية، ومتردد في معارك الحكم المدني والعدل المجتمعي.

وهكذا انفصل الخطاب عن حركة التاريخ، وتحول في كثير من الأحيان إلى انشغال أخلاقي منزوع الأثر، لا يهدد بنية الظلم، ولا يزعج منظومات السيطرة، بل يتعايش معها أو يلتف حولها لاعتبارات يتم تسويغها حسب متطلبات الملاءمة مع السياق.

 خامسًا: ضعف الفكر السنني وتشرذم العاملين في الحقل الإسلامي

يرتبط ضعف الوعي بالفكر السنني ارتباطًا وثيقًا بحالة التشرذم التي يعيشها العاملون في الحقل الإسلامي. فغياب الفهم العميق لقوانين القوة والتدافع جعل “قيمة الوحدة التاريخية” ضعيفة الحضور في الوعي الحركي، وحلّ محلها تضخم الذات التنظيمية أو القيادية، وتقديس الرموز، والتنافس على الشرعية والتمثيل. ومع هذا التضخم، تآكلت إمكانية بناء الكتلة التاريخية الضرورية لأي تغيير حقيقي، وهي الكتلة التي لا تتأسس إلا على وعي مشترك بالسنن، وبأن القوة لا تُنتجها الجماعات المتفرقة ولا القيادات المتنازعة، بل الفعل الموحد حول قضايا كبرى جامعة.

إن غياب الوعي السنني يجعل الانقسام يُقرأ بوصفه اختلافًا محمودًا، وتعددا طبيعيا، بينما هو في ميزان التاريخ تعطيل مباشر لقانون التدافع، وإسهام غير مباشر في تهيئة شروط الاستبدال.

 سادسًا؛ الاستبدال وتحدي الوجود الصهيوني: امتحان سنني مفتوح

يمثّل الوجود الصهيوني في قلب الحوض الحضاري الإسلامي أحد أعقد الامتحانات السننية في التاريخ الإسلامي المعاصر، لأنه لا يختبر الموقف الأخلاقي فحسب، بل يختبر عمق الوعي بقوانين التدافع والاستبدال. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي أو إنساني، بل مرآة كاشفة لمدى استعداد الأمة للقيام بوظيفتها التاريخية. وكل تعطيل للتدافع في هذه القضية، سواء على مستوى الخطاب أو الفعل أو بناء القوة، يفتح الباب سننيًا أمام الاستبدال: استبدال الفاعل العاجز بفاعل آخر أكثر قدرة على المبادرة والتأثير، ولو من خارج الفضاء الإسلامي.

ومن هنا، فإن معركة التحرير ليست معركة سلاح فقط، بل معركة وعي سنني في المقام الأول. فالانتباه لقانون الاستبدال يجعل الصراع مع المشروع الصهيوني صراع وجود لا يقبل الحياد، ويجعل التولي عنه، أو التعامل معه بمنطق إدارة الأزمة بدل حسمها، مخاطرة تاريخية قد تفضي إلى فقدان الدور، لا فقط إلى تأخر النصر.

 سابعًا؛ التضخم الهوياتي المذهبي والإثني وتعطيل الفقه السنني

يتجلّى ضعف الفقه السنني بأوضح صوره لدى أصناف كثيرة من العاملين للإسلام، حين ينتقل التضخم الهوياتي من مستوى الخطاب الثقافي إلى مستوى التنظيم السياسي والاجتماعي، فيتحول الانتماء المذهبي أو الإثني إلى محدِّد أولي للفعل، بدل أن يكون معطًى تاريخيًا يُدار ضمن منطق التدافع الجامع. وفي سياقات متعددة، جرى استبدال سؤال السنن المؤسسة للقوة والوحدة والعدل بسؤال الانقسامات: شيعة وسنة، عرب وأكراد وأمازبغ وتركمان،،. الخ، بما أفضى إلى تفكيك المجال العام، وتعطيل مقاصد التدافع الكبرى، وتحويل الصراع من مواجهة منظومات الهيمنة والاستبداد الخارجي إلى صراعات وهمية داخلية مستنزِفة.

لقد أسهم تضخم الذات داخل مكونات “التقديس الهوياتي والتنظيمي والزعاماتي” في الأمة، في ظل غياب مرجعية سننية ضابطة، في الاستثمار في الخوف الهوياتي لتعزيز الخصوصية والزعامة والتمثيل، لا لبناء مشروع جامع. ومع هذا التفكك، أُتيح المجال لتدخل القوى الخارجية وإعادة هندسة الصراعات بما يخدم منطق الاستبدال، حيث تُستبدل الفاعلية الجامعة بفاعليات مجزأة، وتُستبدل الأولويات التحررية بصراعات تمثيل، ويتحوّل التدافع مع العدو الخارجي إلى تدافع داخلي يُنهك الجماعات، والمحتمعات، والدول، والأمة.

 خاتمة؛ من وهم الهوية إلى وعي التكليف التاريخي

إن أخطر ما يواجه الفكر الإسلامي اليوم ليس فقدان الخطاب، بل فقدان البوصلة السننية. فحين تتحول الهوية إلى بديل عن الفعل، وحين يُستبدل التدافع بالانتظار، والوحدة بالصراع، يصبح الاستبدال نتيجة منطقية لا عقوبة استثنائية. إن مدونة السنن القرآنية لا تحابي أحدًا، ولا تمنح أمة شيكًا على بياض في التاريخ، بل تربط البقاء بالقيام، والتمكين بالتكليف، والهوية بالفعل. ومن لا ينتبه إلى منطق اشتغال السنن، تتجاوزه بهدوءٍ لا يلتفت إلى الشعارات.

والله المستعان

الجمعة 20 رجب 1447

9 يناير 2026

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى