تأملات قرآنية سننية (12)
في “قانون ذهاب الريح”
من وحي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الأنفال/46

أولًا: مدخل منهجي في وعي التفكك ضمن منطق السنن القرآنية:
لا يعالج القرآن الكريم ظواهر الضعف والانكسار بوصفها أحداثا عارضة أو نتائج ظرفية، بل يدرجها ضمن منظومة سُننية صارمة تحكم قيام الجماعات، والدول، والأمم، وسقوطها. ومن أخطر هذه الظواهر: التنازع الداخلي، الذي لا يُقدَّم في الخطاب القرآني كخلل أخلاقي مجرد، بل كسبب مباشر للفشل التاريخي، وانكسار الشوكة، وذهاب الريح الحضارية. ف “ذهاب الريح” ليس استعارة لغوية عن الوهَن، بل تعبير سُنني دقيق عن فقدان القوة الجامعة التي بها تتحول الجماعة/الأمة من كيان بشري متجاور، إلى أمة فاعلة في مسار التدافع التاريخي من أجل الاستخلاف.
ثانيًا: “التنازع” و”الفشل” و”ذهاب الريح” بين اللغة ودلالات الوعي السُّنني:
يدلّ التنازع في أصل اللغة على الجذب الشديد المؤدي إلى التشقق والانقسام، ولا يُستعمل للدلالة على مجرد اختلاف في الرأي، بل على صراع الإرادات داخل البنية الواحدة، حيث تنصرف كل جهة إلى ذاتها وتتنازع المقصد الجامع. ومن هذا المعنى اللغوي العميق، يتأسس البناء السُّنني للآية 46 من سورة الأنفال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، إذ يُقدَّم التنازع بوصفه العلة الأولى، ويأتي الفشل نتيجة مباشرة له، لا باعتباره هزيمة سياسية أو خسارة معركة عسكرية فقط، بل انهيارا للإرادة الجماعية، واضطرابا في القرار، وتعطّلا للقدرة على الفعل التاريخي. أما “ذهاب الريح” ، فهو المحصلة النهائية لهذا المسار، حيث تفقد الجماعة/الأمة هيبتها وتأثيرها ووزنها الحضاري، حتى وإن بقيت الأعداد والموارد. فالريح في اللسان العربي كناية عن القوة والمَنعة والغلَبة ، وذهابها يعني انطفاء الطاقة الجامعة التي تجعل من الأمة فاعلا في مسار التدافع واستحقاقات التمكين.
ويتضاعف خطر هذا القانون حين يُغفل أو يُساء فهمه من قِبل العاملين للإسلام أنفسهم، إذ يتحول العمل الدعوي أو الحركي – في غياب الوعي السُّنني – من رافعة للوحدة إلى ساحة تنازع مقنّع. فتنشأ حالات التشرذم التنظيمي، ونزوعات الهيمنة باسم “المنهج الصحيح”، وتُستبدل المقاصد الجامعة بصراعات رمزية، ويُغذّى التشظي باسم التعدد، وتُمارَس الهيمنة باسم الانضباط، وتُبرَّر الإقصاءات باسم حماية المشروع. وكل ذلك، في منطق السنن، ليس دليل قوة، بل أعراض مبكرة لذهاب الريح، مهما غُلِّف بخطاب الحرص على المشروع أو الادعاء التمكين له.
ثالثًا؛ من “ذهاب الريح” إلى “القابلية للاستعمال” : المسار السنني لتعطّل الدور الحضاري:
لا يقف “قانون ذهاب الريح” عند حدود الضعف المرحلي أو التراجع الظرفي، بل يشكّل في المنظور السنني مدخلًا بنيويًا لتعطّل الدور الحضاري للأمة، وتهيئة شروط انتقال الفاعلية إلى غيرها. فحين تفقد الجماعة/الأمة ريحها الجامعة، لا تعود قادرة على حماية مقاصدها ولا على إدارة خلافاتها ضمن أفق موحِّد، فيبدأ الفشل بالتحول من عارض إلى بنية، ومن حالة استثنائية إلى نمط دائم. وهنا يشتغل قانون أعمق: تعطيل الوظيفة التاريخية، تمهيدا لتفعيل قانون الاستبدال، لا بوصفه عقوبة أخلاقية، بل كآلية سننية تضمن استمرار حركة التاريخ وعدم تعطّل مقاصد الاستخلاف.
وفي هذا السياق، يصبح ذهاب الريح المقدّمة الصامتة لحالة القابلية للاستعمار، لا باعتبارها خضوعًا قهريًا لقوة خارجية، بل استعدادا داخليا لقبول الاختراق والهيمنة. وقد تنبّه مالك بن نبي رحمه الله، بعمق استشرافي عبقري، إلى أن الاستعمار لا يصنع القابلية، بل يستثمرها، وأن فقدان المناعة الحضارية هو التعبير الحديث عن ذهاب الريح في لغة العصر. فالأمة أو الجماعة التي تتنازع، وتفشل في بناء إرادة جامعة، وتُفرّط في وحدتها وعناصر قوتها المعنوية، تُصبح مجالا مفتوحا لإسقاط المشاريع الخارجية عليها، مهما بدا ظاهرها مقاوما أو موحدا. وبهذا المعنى، لا يُفهم سقوط الخلافة، ولا تمزق العالم الإسلامي، ولا خضوعه الطويل لمنظومات الهيمنة، إلا بوصفه نتاجا مباشرا لاشتغال “قانون ذهاب الريح” عبر قرون من التنازع غير المحسوب سننيا.
رابعا: العاملون للإسلام بين وهم التمكين مع اشتغال “قانون ذهاب الريح”
من أخطر مظاهر تعطّل الوعي السنني أن يُعاد إنتاج “قانون ذهاب الريح” داخل الصفوف التي ترفع راية الإصلاح والمقاومة والعمل للإسلام، دون إدراكٍ لطبيعة ما يجري. إذ يتحول التمكين – بوصفه مقصدا شرعيا وسننيا – إلى وهم نفسي، يُقاس بالانتشار التنظيمي، أو كثرة الأتباع، أو السيطرة على بعض المواقع، أو التقدم في بعض الانتخابات، بينما تغيب شروطه العميقة المرتبطة بوحدة الإرادة، ونضج الوعي، وإدارة الاختلاف مؤسساتيا ضمن أفق جامع. وفي هذا الفراغ السنني، ينشأ التنازع بأشكال جديدة: تنازع على الشرعية، وعلى تمثيل المشروع، وعلى “المنهج الأصوب” ، فتُستبدل المقاصد الكبرى بصراعات رمزية، ويُغذّى التشرذم باسم مستوى الالتزام، وتُمارَس الهيمنة والنرجسيات باسم الانضباط، وتُبرَّر الإقصاءات باسم حماية المشروع. ومع الزمن، تتحول هذه الاختلالات إلى بنية داخلية تُنتج ذهاب الريح من داخل العمل الإسلامي ذاته، حيث تتآكل الثقة، ويتقدّم الولاء التنظيمي على المقصد الرسالي التعبدي، ويُعاد إنتاج منطق الطوائف داخل مشروع يُفترض أنه جامع.
وفي هذا المنطق، تقع على العاملين للإسلام مسؤولية مزدوجة: فهم طبيعة القانون السنني، وبناء نموذج وحدوي يتجاوز المذهبية والعرقية والمناطقية، ويستثمر عناصر قوة التعدد في روافد الحوض الحضاري الإسلامي، بحيث يتحول اختلاف الروافد إلى أداة تكاملية، لا إلى عامل تفكك، ويصبح الوعي السنني ركيزة لتمكين الأمة من استعادة ريحها الجامعة.
خامسًا؛ ذهاب الريح وعلاقته السننية بإفساد وعلو المشروع الصهيوني:
لقد اشتغلت هذه القوانين السننية عبر قرون في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ أدى التنازع الداخلي إلى ذهاب روح الوحدة، وضياع الخلافة الجامعة، وتمكين ثقافة القابلية للاستعمار التي أفسحت المجال لتمرير “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”، داخليا وعلى حساب مقدسات الأمة. فقد كانت “الثورة العربية الكبرى !” مثالًا بارزًا على ذلك، إذ تمت هندستها من قِبل البريطانيين بخديعة الشريف الحسين بن علي، وتم التخلص منه بعد توظيفه في توهين عُرى الخلافة من الداخل، مؤكدة أن الأمة التي تفقد وحدتها الداخلية تصبح أداة لإتمام مشاريع خارجية لأعدائها، مهما بدا ظاهرها مقاوما الظلم أو مناهضا للفساد.
إن استمرار التنازع بين مكونات الحوض الحضاري الإسلامي، يعني تمديد عمر الهيمنة الصهيونية على الأمة بمجموعها، إذ تُستثمر حالة الضعف، ويطول زمن الاحتلال الرمزي والمادي. كل انقسام داخلي، وكل نزاع على السلطة أو التفسير أو التمثيل، يُؤخر لحظة الاستبدال السنني التي بها يتحقق دور الأمة التاريخي، وتنهض قوة جديدة تكون “ستارًا للقدر” لتنفيذ وعد التحرير.
سادسًا؛ خاتمة سننية في وعي “قانون ذهاب الريح” ومسؤولية الوحدة الحضارية
يتجلى “قانون ذهاب الريح” بوضوح في الواقع المعاصر: فتفشي التنازع الداخلي والفشل في بناء إرادة جامعة لا يُنتجان إلا ضعف الأمة وذهاب روح وحدتها. وهذا القانون ليس مجرد توصيف نفسي، بل آلية سننية صارمة تحكم مسار ومصير الأمة، وتفسر استمرار الهيمنة الصهيونية على أرض الواقع وعلى مقدساتها.
ومن هنا، تتحمل جميع فئات الحكام وصناع القرار، والعاملين للإسلام من العلماء والحركات، مسؤولية كبرى: أهمية الوعي بتقديم نموذج وحدوي يتجاوز الانقسامات المذهبية والعرقية والمناطقية، ويستثمر قوة التعدد في روافد الحوض الحضاري الإسلامي، ليصبح الاختلاف مصدر قوة وتكامل، لا عامل تفكك. ففهم القانون السنني، وتوظيفه في الإدارة الواقعية للوحدة، هو الطريق لاستعادة الريح الجامعة، وإعادة بناء الأمة على أساس مستدام قادر على مواجهة الهيمنة الصهيونية، وتحقيق وعد التحرير المشروط بسُننه، والذي يضمن عودة القوة الحضارية للأمة وسيادتها على مصيرها.
والله المستعان
الجمعة 27 رجب 1447
الموافق 16 يناير 2026




