تأملات قرآنية سننية (13)
في “قانون المعية الإلهية”
من وحي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ النحل/128

أولا ، مدخل منهجي: المعية الإلهية كاستحقاق إيماني جماعي داخل التاريخ:
خارج الحالات الفردية، لا تكون المعية الإلهية للجماعة البشرية حدثا خارقا لمسار التاريخ، ولا تدخلا استثنائيا يعطّل سُننهُ، بل هي حالة استحقاق إيماني جماعي، وتموضع سنني حركي ذكي داخل التاريخ، لا يتحقق إلا بالتموقع الصحيح في شبكة السنن التي تحكم الاجتماع البشري والتدافع الحضاري. إنها ليست وعدا معلقا في الغيب، بل نتيجة تاريخية مشروطة، تتولد حين يبلغ الفعل الإنساني الجماعي درجة عالية من الاتساق القيمي والمعرفي والعملي.
ثانيا: في أهمية التحلل المعرفي من وهم النصر المفصول عن شروطه:
كل تصور للنصر خارج شروطه الإيمانية والمادية هو تصور مضاد للتاريخ. فالنصر الذي يُطلب بلا إعداد، وبلا علم، وبلا إحسان، ليس إلا إسقاطا نفسيا يعوّض العجز البنيوي بخطاب غيبي مبتور. هذا الوهم لا ينتج “أمة” تستحق النصر، بل “تجمعا بشريا” يراكم الهزائم، لأنه يطلب النتائج خارج مساراتها، والغايات خارج قوانينها.
ثالثا: التقوى بوصفها معيارا لضبط نجاعة الفعل الجماعي في التاريخ:
عند تشخيص الحالة الإيمانية للجماعة البشرية، فإن التقوى ليست حالة وجدانية، ولا خطابا أخلاقيا منفصلا عن الواقع، بل بنية معيارية تضبط الفعل التاريخي من داخله. إنها الوعي بالحدود التي ترسمها المبادئ، والانضباط بالغاية التي تحددها المؤسسات، والالتزام بعدالة الوسيلة التي لا تصادم القيم. وبدون هذا الضبط، تتحول القوة إلى طغيان، ويتحول النصر إلى حالة سقوط، لأن التاريخ لا يستبقي فعلا يتناقض مع معاييره العميقة غير القابلة للتجاوز.
رابع، الإحسان الجماعي بوصفه منهج صناعة التاريخ لا فضيلة مجردة:
في حركة الجماعات الإنسانية، ليس الإحسان تكميلا أو تجميلا أخلاقيا للتقوى، بل شرط تحويلها إلى فاعلية تاريخية. إنه الانتقال من القيم إلى النُّظم، ومن النوايا إلى السياسات، ومن الإيمان المجرد إلى الممارسة المتقنة. ولذلك، عندما يغيب الإحسان ، يسقط الفعل الجماعي في الارتجال، ويستحيل الصراع إلى استنزاف، وتتحول القضية العادلة إلى عبء على أصحابها.
خامسا، العلم كأساس بنيوي للإحسان الجماعي في التاريخ:
بنفس المعنى، ليس العلم عنصرا محايدا في التاريخ، بل هو الشرط المعرفي لإمكان الإحسان. فلا إتقان بلا معرفة، ولا تدبير بلا وعي بقوانين الواقع، ولا إعداد بلا فهم لتوازنات القوة ومسارات التأثير. كل إحسان بلا علم هو مجرد ادعاء، وكل تقوى بلا معرفة هي اندفاع أخلاقي ساذج. العلم هنا ليس مقابل الإيمان، بل أداته التاريخية التي بها يتحول إلى قوة فاعلة تصنع التاريخ.
سادسا، “قانون المعية الإلهية” داخل شبكة القوانين لا خارجها:
يعمل “قانون المعية الإلهية” ضمن شبكة سننية متكاملة: اليقين في استغلال القوانين الإلهية (الإحاطة، المكر، الاستدراج،..)، الإعداد بوصفه تجسيدا للإحسان المادي، ونبذ التنازع بوصفه شرط الاتساق والقوة الأخلاقية الذاتية، والعلم بوصفه أفق الرؤية الإحسانية وميزان تقديرها، والتقوى بوصفها الضابط القيمي الأعلى لتفادي العلو والغلو. وحين يختل أحد هذه الأبعاد، تنتفي المعية الإلهية بوصفها نتيجة طبيعية لاختلال منطق اشتغال المنظومة الجماعية الإنسانية، لا بوصفها عقوبة لها فقط.
سابعا، “قانون المعية الإلهية” كذروة التقاء الإيمان والعقل:
في أفق التأملات السننية المستحضرة لفلسفة التاريخ، يمثل “قانون المعية الإلهية” ذروة التقاء الإيمان بالعقل، والغيب بالسنن، والمعنى بالفعل. إنها النقطة التي يبلغ فيها الفعل الإنساني أقصى درجات الاتساق الداخلي، عندئد لا يتصرف الإيمان كمعطلٍ للعقل، ولا يشتغل العقل منفصلا عن القيم. وكل مشروع تاريخي لا يؤسس لهذا الاتساق السنني محكوم عليه بالبقاء على هامش التاريخ، مهما علا صوته بالدعاء للتمكين والاستخلاف.
ثامنًا، المسؤولية التاريخية الجماعية تُبنى ولا تُنتظر:
عند استحضار روح المسؤولية التاريخية الجماعية في مواجهة تحديات الوجود، فإن المعية الإلهية لا تُستجلب بالدعاء وحده، بل بالعلم، والإعداد، والإتقان، والانضباط القيمي. إن طلب النصر دون بناء شروطه الإيمانية والمادية ليس توكلا بل تواكلا، وليس اشتغالا بل تعطيلا للسنن، وسوء فهم لمدونة السنن القرآنية، وهروب من المسؤولية التاريخية التي تحقق التمكين.
تاسعا، تطبيقات سننية على خَور الحالة الصهيونية وعِزة حالة غزة:
أ. وهم المعية في الوعي الصهيوني:
يقوم الوعي الصهيوني الحديث على إعادة توظيف فكرة دينية قديمة: عقيدة “شعب الله المختار” ، كأساس لشرعنة العنف والاقتلاع. غير أن هذا الادعاء، حين يُعرض على منطق السنن، يتهاوى. فالمعية الإلهية لا تقوم على الاصطفاء العرقي، ولا على الامتياز الهوياتي، بل على التموضع الأخلاقي والعملي الصحيح داخل التاريخ. والمشروع الصهيوني، رغم تفوقه العسكري، يظل خارج مجال المعية الإلهية، لأن القوة المنفصلة عن التقوى لا تُنتج إلا تفوقا عابرا، لا نصرا مستمرا.
ب. تحويل المعية إلى غطاء أيديولوجي للإجرام
الخطورة ليست في الزيف العقدي فحسب، بل في تحويل المعية إلى ترخيص للعنف الهمجي. هذا التحول هو العلامة الأوضح على غياب المعية الإلهية، لأن التقوى – شرط المعية – لا تجتمع مع الاستباحة أو تدمير الإنسان. ما يُقدّم باسم المعية الإلهية هو في حقيقته انفصال عن السنن، واستدعاء للأسطورة لتبرير الواقع.
ج. وهم النصر في الوعي الإسلامي
على الجانب الآخر، يظهر وهم النصر بلا معية. بعض الوعي الإسلامي المعاصر يتعامل مع النصر بوصفه استحقاقا عقديا أو نتيجة تلقائية للعدالة، دون بناء شروط المعية الإلهية. يُستدعى الغيب بدل الإعداد، ويُرفع الدعاء بدل الإتقان، وتُعلّق الهزائم على المؤامرة بدل مساءلة جاهزيات البنية الداخلية. وهذا الانفصال مشابه في جوهره للانحراف الصهيوني: فصل النتائج عن شروطها السننية.
د. غزة العزة كنقطة كاشفة لقانون المعية الإلهية
تظهر غزة – شعبًا ومقاومة – كنموذج حي لاشتغال “قانون المعية الإلهية” . فمع أن القوة المادية محدودة، فإن الاتساق بين قضية عادلة، ووحدة المعنى، والتضحية، والإحسان في تدبير الصراع، جعلها تحقق ما حققته. لا نقصد قهر العدو ميدانيا كحالة صمود خارق فحسب، بل أخلاقيا ومعنويا. وفق منطق السنن: إن الفعل في غزة لن يضيع، والتضحيات لن تتحول إلى عبث، والصراع لن يُختزل في نتائجه العسكرية المباشرة. المعية الإلهية في غزة لا تعني غياب الألم، لكنها تصنع معنى الفعل، وتحفظ القيم ضمن الواقع التاريخي، وتضمن أن التضحيات تتحول إلى بناء، وأن الصراع يُدار وفق السنن. وهنا يتجلى الفرق بين القوة التي تفتقد للمعية الإلهية، والفعل الذي ينسجم معها: العلو الصهيوني هش وزائل، والصمود الفلسطيني صلب ومثمر.
خاتمة:
الحالتان أعلاه تكشفان الحقائق التالية: المعية الإلهية لا تُدّعى ولا تُحتكر، ولا تُمنح لمجرم باسم الله ولا لمقصِّرٍ باسم الإيمان. إنها قانون تاريخي صارم، يفرز نتائجه في الزمن، لأنه يعمل بصمت، ويتحقق حيث يُبنى الاتساق الأمثل بين التقوى، والعلم، والإحسان . لذلك، فإن من فهم هذا القانون، ينتقل سُننيا من انتظار النصر إلى صناعة شروطه، في توافق تام مع منطق اشتغال “قانون المعية الإلهية” .
والله المستعان
1 شعبان 1447
21 يناير 2026




