حكاية من بيت حانون
رجال وقطط.. طيور وغمام

من بين آلاف الحكايات التي يخبّئها رجال الله في غزة، ويؤثرون أن تبقى مستورةً بين القلب والسماء، خرجت هذه القصة على استحياء. لم يروِها صاحبها، ولا أحدٌ من أبطالها، بل حلاقٌ بسيط، قال إنه سمعها مباشرةً ممن عاشها… وتركها في عنقه أمانة.
قبل أسبوعين فقط، في عمقٍ لا تبلغه الشمس ولا تصله ضوضاء العالم، كان ثمانيةٌ من رجال المقاومة يرابطون تحت الأرض. سبعون مترًا من الصمت تفصلهم عن فرقةٍ صهيونية كاملة تعيث فوقهم، تظنّ أن الأرض قد ابتلعت من فيها، وأن لا حياة في جوفها.
عامان كاملان عاشوها بين جدران النفق. لم يروا السماء، لكنهم كانوا يرون الله في كل تفصيلة. كل يومٍ يخرجون من فتحاتٍ خفيّة، كأنهم أشباحُ عدالةٍ لا تُرى، يقتنصون المحتلّ واحدًا تلو الآخر، ثم يعودون إلى باطن الأرض، كما يعود النبض إلى القلب بعد غيبوبة.
وسخّر الله لهم ما لا يخطر على بال: ماءً نَزّازًا ظلّ يرويهم عامين كاملين في عمق الظلمة، وكأن الأرض نفسها كانت تتبرع لهم بالحياة. ولم يكونوا وحدهم في هذا المقام؛ قططٌ كثيرة، جميلة على غير عادة المكان، نزلت إليهم، تسللت إلى الأنفاق، تشاركهم ما تيسر لهم من ماء وطعام، وتؤنس وحشتهم، كأن الرحمة قررت أن تتجسّد فروًا وعيونًا وخرير مواء.
ثم جاء اليوم المختلف.
اهتزّت الأرض من فوقهم اهتزازًا لم يعرفوه من قبل. انفجارات عمياء، صواريخ ارتجاجية وخارقة للأنفاق، كأن الجحيم فُتح بابه فجأة. غار الماء، نفد الطعام، وضاق النفس. أدركوا أن اللحظة قد حانت: إمّا خروجٌ إلى مواجهةٍ مكشوفة، أو موتٌ صامت تحت الردم.
فاتخذوا القرار الذي لا يتخذه إلا الأحرار:
الخروج… والاستشهاد واقفين، إن كان لا بدّ من الموت ذلك اليوم.
وقبل أن يسبقهم قائد منهم، خرجت القطط أولًا، كأنها تستأذن أن تفتح لهم الطريق بنفسها، وفاء لعشرة سنتين. أرسلوا أحدهم ليستطلع، فعاد بوجهٍ شاحب، يخبرهم أن كل شيء يُقصف، كل شيء يُدمَّر… إلا فتحة النفق. هناك، فوقها مباشرة، كان مشهدٌ لا يُصدَّق: مئات الطيور تحوم وتدور، كأنها سورٌ من أجنحة، تحجب الصواريخ، وتحرس الممرّ الخفي.
حينها فهموا انها قد تكون رسالة من السماء، أن أخرجوا الان.
خرجوا بأجسادٍ نحيلة أنهكها الصبر، وبشعورٍ طويلة تشبه أشكال أهل الكهف. وما إن وطئت أقدامهم الأرض حتى نزل عليهم غمامٌ كثيف، ستارٌ رحيم غطّى المكان. مرّوا بين الدبابات، بمحاذاتها، يلامسون الحديد ولا تُبصرهم العيون. القطط تسير معهم، والسماء تغطيهم، والأرض تتواطأ لهم.
مشى الأبطال حفاة، خطوةً وراء خطوة، حتى تجاوزوا المنطقة الصفراء، عندها لامسوا الأمان… فجأة تبخّرت القطط، كما جاءت، بلا أثر، وذابت الطيور بين الغمام.
أشاروا لسائق “تكتك” عابر. حملهم دون أن يسأل. أوصلهم إلى السرايا، إلى حلاقٍ بسيط. جلسوا أمام المرآة، تساقط شعر عامين طويلين، وبقيت الحكاية.
يحكيها اليوم ذلك الحلاق، بصوتٍ خفيض وصدقٍ مجرد، ويختمها كما بدأها:
“هؤلاء رجال الله كانوا في عناية الرحمن… عنايةٌ لا حدود لها. لن يعرفهم احد، لكن الله قد عرفهم.”
هذه ليست حكاية ادبية، إنها حدثت حقا، خلف شاشات الاخبار.
(منقولة بتعديل قليل)




