الشهودمن اختيارنا

ذاكرة الإبادة اليهودية: من “أخدود نصارى نجران” إلى “أخدود مسلمي غزة”

    قال الله تعالى محذرا من الإبادة الجماعية في محكم وحيه : *(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)). سورة البروج.*

أولا: جذور الغواية الفكرية في صناعة ثقافة “الإبادة الجماعية”:

    عندما تقع جريمة “الإبادة الجماعية” في أي سياق تاريخي،  فلا يمكن وصفها بانفعالٍ طارئٍ لمجموعةٍ بشرية ضد أخرى؛ لأن ثقافة “إبادة المخالفين” لا يمكن أن تتشكّل إلا داخل منظومة فكرية مُغلقة، ترفع مستوى “الضيق” بالاختلاف الديني أو الهوياتي إلى مستوى “التهديد” الوجودي. من هذا المنظور، يمكن أن تُقرأ قصة “أصحاب الأخدود” القرآنية، حيث تمت إبادة نصارى نجران باليمن؛ وكذا الهولوكوست النازي ضد طوائف وأعراق شتى في ألمانيا الهتلرية؛ وأيضا ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة اليوم. فهذه الأحداث رغم كونها حلقات متباعدة زمنيا، لكنها متصلة بنيويا، ومتشابهة من حيث طبيعة الجذور الفكرية التي صنعت وعي منفذِّيها. فالمشترك بين هذه الجرائم المروِّعة ليس الفاعل ولا السياق، بل وجود فكر سادي يُشرعن الإعدام الجماعي باسم العقيدة، أو النقاء العرقي، أو الأمن؛ ويجعل الإبادة الوجودية ذروة اللاعقلانية في تأويلاته وتمثلاته الفكرية المنحرفة، لينتهي بنزع الإنسانية والحقوق المدنية والسياسية عن المخالفين.

 ثانيا: قصة “أصحاب الأخدود” كتحذير وتوثيق قرآني لجريمة “الإبادة الجماعية”:

    يقدّم القرآن في سورة البروج سرداً مكثفا لحادثة “أصحاب الأخدود”، مُعرضا عن تسمية مرتكب الجريمة، مقابل تسمية الضحية بتوصيف عقدي إيجابي صريح: “المؤمنين والمؤمنات”. ليس في هذا الاختيار البلاغي ما يعكس حياد الوحي، بل ما يؤكد انحيازه الأخلاقي الحاسم: فالقرآن يُشنِّع على فعل الإبادة الجماعية بوصفه طغيانا مُدانا، وينزع أي مشروعية دينية أو أخلاقية عن السلطة المتلبِّسة ببشاعة الجريمة؛ في المقابل، يعترف بصدق إيمان الضحايا وبصحة موقفهم في الثبات ورفض المساومات عليه، ولو في وجه الإبادة الجماعية. ثم إن الألفاظ القرآنية كشفت البنية النفسية المأزومة لمرتكبي الجريمة: فـ”نَقَمُوا” تُفيد استحكام الكراهية العقائدية الانتقامية، لا تنفيذ حكمِ منظومةِ قضاءٍ مستقل؛ و”فَتَنوا” تحيل إلى التفنُّن في التعذيب والإكراه، لا مجرد إنفاذِ عقوبةٍ عادلة؛ و”النَّارِ ذاتِ الوَقودِ” تؤكد الطابع المنهجي المخطّط للإبادة الجماعية، لا مجرد تجاوزات تنفيذية حصلت في غفلة من صناع القرار. بذلك، لم يؤرّخ القرآن للحدث فحسب، بل فَكَّك منطقه، وأدانه، وحوّله إلى نموذج تحذيري دائم لأمة المسلمين خاصة، وللناس كافة؛ كونه مشهد ٌمتوقعٌ وواردُ الحدوث كلما أمسك اليهود بزمام الحكم، ومن على شاكلتهم من أصحاب عقائد الغلو والتطرف.

 ثالثا: القرآن ومعيار العدل لا الهوية في الاعتراف بضحايا الإبادة الجماعية:

   تكمن فرادة الموقف القرآني في أنه سجّل محرقة ارتُكبت باسم الدين (إحراق اليهود للنصارى)، ثم انحاز بلا لبس إلى ضحايا الإبادة: وصف القتلى ب”المؤمنين”، ومنحَهم وسام الشهادة، وأكّد أن معيار الحق هو العدل والثبات الأخلاقي، لا الهوية. لم يصمت النص القرآني عن تسمية الفاعل لنقص في المعلومة، كما فعل في مواطن مماثلة عن إفساد اليهود:(وقتلهم الأنبياء بغير حق)، بل تعميما للنموذج وتحذيرا منه ومنهم: فالأسماء تتبدّل، لكن البنية ثابتة. فكل سلطة دينية أو أيديولوجية تُسيِّس العقيدة والفكرة، وتملك قرار الاستثناء بلا ضوابط، وتُعمل سلطان القوة وهي متحللة من قيم العدل والحرية واحترام القانون، مرشّحة لإعادة إنتاج “إبادة الأخدود”، في كل زمان وفي كل مكان.

 ثالثا: “دولة اليهود” وعقيدة التطهير العقائدي ضد الأغيار:

    تتوافق المصادر الإسلامية والسريانية والبيزنطية على أن نموذج” أصحاب الأخدود” الوارد في القرآن الكريم، يحيل تاريخيا إلى إبادة “نصارى نجران” في القرن السادس الميلادي (564 م)، في عهد “الملك الحميري يوسف أسأر يثأر (ذا نؤاس). لم تكن الجريمة حادثا فرديا أو انفلاتا قَبَلِيّا أفضى إلى حرب أهلية، بل سياسةَ دولةٍ دينيةٍ اتخذتْ من اليهودية مرجعية عقائدية سيادية رسمية، ومن الإكراه الديني أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي وتنميط التعدد الثقافي. تحوّل الاختلاف الديني من واقع اجتماعي قابل للإدارة، إلى “تهديد وجودي” يجب استئصاله، فغدت الإبادة “حلًا نهائيا” لمشكلة التعدد الديني العريق في اليمن السعيد.

 رابعا: رسالة “شمعون الأرشامي” كشهادة معاصرة على منهجية “الإبادة الجماعية”:

    تكتسب رسالة شمعون الأرشامي قيمة توثيقية استثنائية (شمعون الأرشامي أسقف سرياني من القرن السادس الميلادي، شاهد معاصر للأحداث، ومبعوث كنسي إلى بلاط المناذِرة، كتب رسالة توثيقية حول إبادة “دولة اليهود” لنصارى نجران، موجّهة إلى الكنائس الشرقية).

 تصف الرسالة فرض “دولة اليهود” على “نصارى نجران” خيار التحول لليهودية أو القتل. وتصف الرسالة في عبارة قوية مُجملة *”ما أُفْرِغَ على نصارى نجران، عاصمة الحِمْيَرِيِّينَ، من أَكْوابِ الأَسْواءِ، وما أُنْزِلَ بهم من تَباريحِ الـأَعْذِبَةِ”* ، وكذا تفاصيل تنفيذ إعدامات علنية شملت القتل بالسيف، والتعذيب، والحرق في أخاديد أُعدّت خصيصا لطقوس الإبادة الجماعية، وبإشراف السلطات الرسمية اليهودية، طالت أكثر من عشرين ألف مسيحي موحِّد من أتباع الكاهن الأمازيغي “أريوس”. (الكاهن أَرْيوسْ شارك في المناظرة الدينية لمجُمَّع نيقيّة الأول premier concile de Nicéeسنة 325م، وكان زعيم الأقلية المدافعة عن عقيدة التوحيد، ناهض عقيدة “التثليث” التي اعتمدها المجمَّع بالأغلبية قانونا للإيمان المسيحي الرسمي. ولأن شمعون الأرشامي كان من كُهَّان عقيدة التثليث، فقد وصف نصارى نجران في رسالته بأنهم *”تورطوا في ضلال الأريوسيين”* ). وتشير الرسالة بوضوح إلى أن الضحايا كانوا رجال دين، ووجهاء، ونساءً، ومن عامة الناس؛ وهو ما ينفي عن الجريمة أي توصيف أمني محدود، ويؤكد أن الهدف كان “تفكيك الجماعة الدينية النصرانية الموحٍّدة” وإزالة حضورها من المجال العام، وبشكل نهائي. يتعلق الأمر إذا بسياسة سِيادية ساديَّة منظَّمة، لا بعنف غوغائي. السيادة في هذا السياق تُعرَّف بقدرة الدولة على إعلان حالة الاستثناء وتحديد “العدو الوجودي”، فقد أُدخلت “دولة اليهود” نصارى نجران في حالة استثناء دائم: عُلّقت عنهم الحماية، وسُحبت منهم صفة الرعايا، وتمّ تعريفهم كأعداء عقائديين. “الإبادة الجماعية” في يمن القرن السادس الميلادي لم تكن خرقا للنظام، بل ممارسة سيادية داخله استدعت تسخير 120 ألف عسكري ! وتم تبريرها باسم التطهير الديني لتحقيق النقاء العقائدي.

خامسا: عقيدة الإبادة اليهودية من “نصارى نجران” إلى “مسلمي غزة”:

    في غزة، ورغم اختلاف السياق التاريخي والأدوات والخطاب والدعاية، يتكرر تجلّي البنية الذهنية اليهودية نفسُها، حيث يُعاد إنتاج منطق الإبادة كممارسة متجذّرة في التصور العقدي لوعي لاهوتي متعطش لإلغاء الآخر من الوجود. فعلى قاعدة منظومة عقائدية تؤمن بفلسطين بوصفها “أرض الميعاد”، تُختزل جماعة سكانية كاملة في تعريف ديني–أمني مُغلق، وتُنزع عنها الصفة الإنسانية، ويُعاد توصيفها كتهديد وجودي دائم، وكعائق بنيوي أمام تنفيذ مشروع “إسرائيل الكبرى” وكل برامج الخلاص المشيحاني. في هذا الإطار، تتحول آلة الدولة من جهاز يفترض فيه تنظيم حياة شعب محتلّ، طبقا للقوانين الدولية، إلى أداة تطهير وإفناء متوحش، تُشرعِن العنف الشامل عبر خطاب ديني تحريضي رسمي، وتستدعي سرديات تاريخية مقدّسة لتبرير الحصار والتجويع والقتل الجماعي. لم يكن تصرف “دولة اليهود” في صناعة محرقة “أخدود مسلمي غزة” مجرد انحراف عن القيم الحديثة، بل كان – في وعي صانعيه كما في وعي صانعي “أخدود نصارى نجران”– ضرورة خلاصية، يُعاد فيها إنتاج ثنائية “شعب الله المختار” في مقابل “الﯖوييم”، أي “الأغيار الزائدون عن الوجود”، بما يكشف أن ما يجري في غزة ليس مجرد صراع سياسي أو أمني، بل امتدادا معاصرا لعقيدة إقصائية واستعلائية عنصرية، ترى في “الإبادة الجماعية” وسيلة مشروعة لتحقيق “الوعد”، وتُعيد بذلك طرح “المسألة اليهودية” بوصفها إشكالا معرفيا وأخلاقيا كونيا، لا فلسطينيا فحسب.

 خاتمة: عقدة “المسألة اليهودية” هي أصل ثقافة الإبادة:

    يكشف الربط بين أصحاب الأخدود، في قصة إبادة نصارى نجران، وبين إبادة مسلمي غزة المعاصرة، عن استمرارية عقيدة الإبادة بوصفها نمطا سياديا ساديّا لطغيان الغواية الدينية، التي ترى في التعدد خطرا، وفي التعايش تهديدا، ثم في الإبادة حلا. الخطورة في حالة “دولة اليهود” كما نظّر لها حاخامات الصهيونية الدينية القدامى والجدُد، تكمن في أن هذه الغواية “تنبع من نصوص الدين ذاته”، وليس من لحظة تسييسه وتحويله إلى أيديولوجيا إقصائية، أو من تحويل الهوية القومية إلى ميتافيزيقا أمنية. 

    لذلك سيظل “سؤال محارق الأخدود” مفتوحا ومتجددا عبر التاريخ: لماذا – باستثناء العصر الذهبي لليهود في الحضارة الإسلامية – يتأرجح تاريخ اليهود مع الشعوب التي ابتليت بهم، بين الإبادة والاضطهاد؟ فاليهود إذا ما تملّكوا سلطان الدولة، مارسوا الاضطهاد أو الإبادة ضد “الأغيار”؛ وإذا فقدوه مورست ضدهم، أو عانوا من الاضطهاد ! لعل أبلغ جواب عن هذا السؤال هو ما حكاه القرآن عن هذه الطبيعة البشرية الاستثنائية، وهو ما أكده عظيم أدباء الروس دوستويفسكي في مقالته التاريخية الشهيرة عن عقدة: “المسألة اليهودية”، المنشورة سنة 1887م.

والله المستعان

22 شعبان 1447

10 فبراير 2026

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى