ما بعد احتمال انهيار القوة الإيرانية
من الحرب إلى إعادة هندسة الإقليم

بين يدي المقال:
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يتزايد في بعض الأوساط خطابٌ يراهن على هزيمة إيران في هذه المواجهة الجارية الآن مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بوصف ذلك تطورًا قد يفضي – في نظر هؤلاء – إلى تخفيف أحد مصادر التوتر في منطقة الحوض الإسلامي الاوسط (حسب تعبير الدكتور الحبيب الشوباني). ويستند هذا الرهان غالبًا إلى اعتبارين رئيسيين يترددان في النقاشات السياسية والإعلامية:
الاعتبار الأول ذو طبيعة مذهبية؛ إذ ينظر بعضهم إلى إيران باعتبارها مركز مشروع توسع ذي طابع شيعي في المنطقة، ومن ثمّ يتصورون أن إضعافها قد يحدّ من هذا الامتداد ويعيد شيئًا من التوازن إلى المجال العربي.
أما الاعتبار الثاني فيرتبط بالسجل الثقيل للنظام الإيراني في سوريا، حيث تورطت طهران – عبر دعمها العسكري والسياسي للنظام هناك – في مسار دموي طويل، الأمر الذي جعل بعض الأصوات تنظر إلى أي هزيمة محتملة لإيران بوصفها نوعًا من القصاص التاريخي، مستحضرةً العبارة الشائعة في الوعي الشعبي: “اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”.
غير أن هذه القراءة، على الرغم من شيوعها، تنطوي على قدر كبير من التبسيط السياسي. فهي تختزل صراعًا جيوسياسيًا معقدًا، في ثنائيات غريزية أو مذهبية، وتتجاهل سؤالًا استراتيجيًا أعمق: ماذا سيحدث للنظام الإقليمي إذا انهارت إحدى القوى الكبرى التي تشكل أحد أعمدته؟ إن التاريخ السياسي للحروب الكبرى يبين أن سقوط قوة إقليمية لا يؤدي بالضرورة إلى تحرير الإقليم من أزماته، بل كثيرًا ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيله وفق مصالح القوى المنتصرة، كما حدث في حال سقوط الدولة العثمانية بعد ما سمي بالثورة العربية الكبرى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة مختلفة للسؤال المطروح اليوم. فالتنبيه إلى المخاطر الاستراتيجية المحتملة لهزيمة إيران لا يعني بالضرورة، التعاطف مع سياساتها الإقليمية، ولا الدفاع عن مشروعها الأيديولوجي، ولا التغاضي عن مسؤوليتها في مآسي سوريا وغيرها من الساحات.. إنما المقصود هو لفت الانتباه إلى أن الصراعات الكبرى لا تُقاس فقط بميزان الخصومات الغريزية بين الأطراف، بل كذلك، وربما أساسًا، بميزان النتائج الجيوسياسية التي تترتب عليها.
فإذا كان تاريخ منطقة الحوض الإسلامي الحديث قد علمنا شيئًا، فهو أن الحروب التي تُخاض تحت عناوين متعددة، أمنية أو أيديولوجية أو دينية، كثيرًا ما تنتهي إلى إعادة توزيع النفوذ والموارد على نحو يخدم القوى القادرة على فرض رؤيتها للنظام الإقليمي. وفي هذا السياق يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إلى أي حد يمكن أن تتحول هزيمة إيران، إن حدثت، إلى مدخل لإعادة هندسة منطقة الحوض الإسلامي الأوسط، بما يخدم مشاريع توسعية مثل فكرة “إسرائيل الكبرى”، أو يعزز السيطرة على الموارد الاستراتيجية في المنطقة، وعلى رأسها الطاقة؟
لا يسعى هذا المقال إلى الانخراط في سجالات أيديولوجية حول طبيعة النظام الإيراني أو خصومه. بل يهدف إلى قراءة المسألة من زاوية تحليلية في علوم السياسة والعلاقات الدولية، عبر استكشاف السيناريوهات المحتملة لما بعد أي تحول كبير في ميزان القوة الإقليمي. فالمسألة المطروحة ليست فقط: من قد ينتصر في الحرب؟ بل الأهم: أي شرق أوسط قد يولد من نتائج احتمال هزيمة إيران.
كما لا ينطلق هذا المقال من افتراض أن هزيمة إيران هي النتيجة الأكثر احتمالًا للصراع، بل يتخذ هذا الاحتمال بوصفه نموذجًا تحليليًا لتفكيك تصور سياسي شائع، يختزل نتائج الحروب في منطق الانتقام أو التوازن الطائفي.
أولا: مسارات سيناريو هزيمة إيران:
إذا أخذنا فرضية “انتصارٍ إسرائيلي-أميركي على إيران” بوصفها فرضية تحليلية لا تنبؤًا حتميًا، فإن النتيجة الأرجح في علم السياسة ليست “السلام”، بل إعادة تركيب قسرية للإقليم على أربعة مستويات: ميزان القوة، والشرعية، والطاقة، ثم الهوية. وهذه القراءة تزداد وجاهة لأن بعض المعطيات التي ذكرتها لها أساس موثق:
لقد عبّر نتنياهو في أغسطس 2025 عن ارتباطه برؤية “إسرائيل الكبرى” واعتبر نفسه في “مهمة تاريخية وروحية”، والسفير الأميركي مايك هاكابي قال في فبراير 2026 إنه سيكون “لا بأس” لو أخذت إسرائيل كل الأرض التي أُشير إليها توراتيًا، فيما نُقلت شكاوى من أكثر من 30 منشأة عسكرية أميركية عن استخدام خطاب “هرمجدون” في تبرير الحرب، كما نُسب إلى ليندسي غراهام حديث عن شراكة تسيطر على 31% من الاحتياطات النفطية المعروفة لإيران وفنزويلا. هذا مع أننا نعي بأنه ينبغي التمييز بدقة بين خطاب سياسي/إيديولوجي وسياسة دولة مكتملة؛ فليست كل هذه الأقوال تمثل تلقائيًا سياسة أميركية رسمية معلنة.
السيناريو المرجّح سياسيًا بعد هزيمة إيران سيكون: إسقاط القدرة الإيرانية على الردع من دون بناء نظام إقليمي مستقر بديل. هذا يعني تدميرًا واسعًا لقدرات الصواريخ، والبنية النووية، وشبكات القيادة، وربما فرض تسوية على طهران أو إنتاج سلطة إيرانية أضعف وأكثر اختراقًا خارجيًا. لكن التجارب المقارنة في العراق وليبيا وأفغانستان تشير إلى أن كسر الدولة لا يُنتج تلقائيًا نظامًا مستقرًا؛ بل غالبًا يفتح فراغًا تتنازع عليه النخب المحلية، والأجهزة القديمة، والفواعل العابرة للحدود. وها هنا تكون “الانتصار العسكري” بداية أزمة جديدة لا نهايتها.
في هذا الإطار، أرى أن ما بعد الانتصار المحتمل، إذا ما حصل، سيتجه إلى خمسة مسارات كبرى:
- تثبيت الهيمنة الإسرائيلية إقليميًا:
إذا خرجت إيران مهزومة استراتيجيًا، فستفقد المنطقة أهم مركز ردع يقيّد حرية الحركة الصهيونية. النتيجة ستكون توسيع هامش الفعل الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وربما في الممرات البحرية والاستخبارية الإقليمية. هنا لا نتحدث بالضرورة عن ضمٍّ مباشر وفوري لكل ما يندرج تحت خيال “إسرائيل الكبرى”، بل عن مرحلة أولى أكثر واقعية: وهي تكريس الكيان الصهيوني، بوصفها القوة العسكرية السيادية الوحيدة، القادرة على الضرب العابر للحدود من دون توازن مقابل. فخطاب نتنياهو عن “المهمة التاريخية والروحية” يجعل هذا الاحتمال أكثر من مجرد وهم إعلامي، لأنه يربط الأمن بالتاريخ المقدس، لا بالقانون الدولي فقط.
- انتقال الولايات المتحدة من منطق الاحتواء إلى منطق الهندسة:
لو صحّ أن دوائر نافذة في واشنطن تفكر بلغة السيطرة على النفط وإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية، فإن ما بعد الحرب قد يشهد تحولًا من هدف “منع النووي الإيراني” إلى هدف أوسع: إعادة هندسة الإقليم بما يخدم الطاقة والاحتواء الجيو-اقتصادي للصين. فحديث غراهام عن 31% من الاحتياطات المعروفة ينسجم مع هذا المنطق: ليس مجرد إسقاط خصم، بل تحويل موارده إلى رافعة في الصراع الدولي الأكبر. لكن ينبغي التنبيه أن هذا أقرب إلى تصور جناح صقوري منه إلى خطة أميركية دستورية مكتملة ومعلنة.
- صعود الحرب الدينية بوصفها أداة تعبئة لا مجرد خطاب هامشي:
المعطى الأخطر في ضمن هذا السياق، ليس فقط وجود لغة دينية ماشيحانية متطرفة، بل دخولها إلى المؤسسة العسكرية: فحين يُقدَّم الصراع بوصفه تمهيدًا لـ”هرمجدون“، تتحول الحرب من نزاع قابل للتفاوض إلى وظيفة خلاصية. سياسيًا، هذا يرفع سقف العنف، ويضعف قابلية التسوية، ويمنح القرارات العسكرية حصانة رمزية. لكن علميًا يجب قول الآتي بوضوح: ما نُشر حتى الآن يتعلق بشكاوى وتقارير منظمات وخبراء، لا بحكم قضائي نهائي أو اعتراف شامل من البنتاغون. لذلك الأصح هو اعتبار هذا مؤشّرًا على تديين متصاعد للصراع داخل بعض الأوساط، لا إثباتًا قاطعًا بأن الدولة الأميركية كلها تدير الحرب بعقيدة هرمجدونية.
- تفكك المجال العربي أكثر، لا أقل:
انتصار واشنطن وتل أبيب على طهران لن يحرر العرب من الخطر الإيراني تلقائيًا، بل قد ينقل المنطقة من تعدد المراكز المتصارعة إلى أحادية قسرية تقودها إسرائيل تحت المظلة الأميركية. عندها ستزداد هشاشة الدول العربية المحيطة، لأن وظيفة بعضها ستُختزل إلى مجرّد لوجستيات أمنية، وممرات طاقة، وخطوط تطبيع، وأحزمة عزل. أي إن ما يعتبر، حقيقة أو وهما، “الخطر الإيراني” سيُستبدل تدريجيًا بـخطر إعادة ترتيب المنطقة فوقيًا. وهذا بالذات ما يجعل خطاب “إسرائيل الكبرى” خطيرًا: حتى لو لم يتحول إلى حدود رسمية، فهو قد يتحول إلى مبدأ نفوذ.
- عودة المقاومة بشكل أشد تفككًا وأطول زمنًا:
حتى لو سقطت الدولة الإيرانية أو ضعفت بشدة، فذلك لا يعني نهاية الصراع. في علم السياسة، الهزائم الكبرى كثيرًا ما تولّد أشكالًا جديدة من الفعل غير الدولتي: شبكات وحرب سيبرانية وعنف متقطع وتعبئة مذهبية ثم عمليات انتقامية لا مركزية. أي إن “الانتصار” قد ينجح في كسر المركز الإيراني، لكنه قد يفشل في تصفية البيئة المنتجة للممانعة. وهذا قد يدفع المنطقة إلى طور طويل من الفوضى المنخفضة الحدة لكن العالية الاستنزاف.
ثانيا: النتائج المحتملة لسيناريو هزيمة إيران:
بناءً على ذلك، هناك ثلاث نتائج لاحتمال تحقيق سيناريو هزيمة إيران، مرتبة من الأرجح إلى الأضعف:
- انتصار تكتيكي، فوضى استراتيجية:
حيث تُهزم إيران عسكريًا، لكن لا تنهار المنطقة في صورة تسوية مستقرة: فالكيان الصهيوني سيتوسع وظيفيًا، وأميركا ستعيد ضبط الطاقة والردع، ثم تظهر مقاومات جديدة. هذا هو السيناريو الأرجح، لأنه يجمع بين تفوق القوة من جهة، وعجز القوة عن إنتاج شرعية إقليمية من جهة أخرى.
- شرق أوسط إسرائيلي-أميركي منضبط نسبيًا:
حيثيُفرض نظام أمني جديد: إيران مروّضة، والخليج أكثر التصاقًا بالمظلة الأميركية، وسوريا ولبنان أكثر هشاشة، وفلسطين تدخل طور تصفية أشد. هذه النتيجة ممكنة، لكنها تحتاج قبولًا عربيًا واسعًا، وقدرة أميركية طويلة النفس، وتراجعًا واضحًا لروسيا والصين عن الاستثمار في الفراغ الناتج.
- الانتصار ينقلب إلى استنزاف أميركي-إسرائيلي:
إذا ما هُزمت إيران رسميًا، فإن الكلفة الاقتصادية، وارتفاع النفط، والتمردات اللامركزية، والتوتر مع الصين وروسيا، ستجعل “الانتصار” المحتمل عبئًا حقيقيا. هنا ستتحوّل الحرب إلى نسخة جديدة من منطق ما بعد العراق: ربح عسكري سريع، وخسارة استراتيجية ممتدة إلى اليوم. إن معطيات الحرب الحالية، ومنها قلق المشرعين الأميركيين من الانزلاق إلى ” أقدام على الأرض” Boots on the ground، تجعل هذا السيناريو حاضرًا أيضًا.
فإذا ما جمعنا بين خطاب “إسرائيل الكبرى”، والتبرير الديني التوراتي، والنزعة الهرمجدونية داخل بعض الأوساط العسكرية، والمنطق النفطي الصريح عند بعض الصقور الأميركيين، فإننا لا نكون أمام حرب محدودة على برنامج نووي فقط، بل أمام مشروع لإعادة تعريف السيادة والخرائط والشرعية في الحوض الإسلامي الأوسط.
لكن هذا المشروع، حتى لو انتصر عسكريًا، سيظل مهددًا بثلاثة حدود بنيوية: نقص الشرعية، واتساع الكلفة، واستحالة إغلاق المجال التاريخي بالقوة وحدها. لذلك فـ”ما بعد الانتصار” في هذا التصور ليس لحظة استقرار، بل افتتاح مرحلة أشد خطورة من إعادة التشكيل القسري للإقليم.

ثالثا: الخلفية المنهجية للتحليل:
لقد انطلق هذا التحليل من فرضية احتمالية محددة، هي فرضية انتصار عسكري أميركي–إسرائيلي على إيران، لا بوصفها توقعًا حتميًا، بل باعتبارها متغيرًا تحليليًا يسمح باستكشاف مسارات التحول الممكنة في بنية الحوض الإسلامي الأوسط. ولتجنب الوقوع في التنبؤات الانطباعية، تم بناء هذا التحليل على أربعة مداخل منهجية رئيسية معتمدة في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة:
- منهج تحليل السيناريوهات الاستراتيجية:
أول هذه المداخل هو منهج تحليل السيناريوهات الاستراتيجية Strategic Scenario Analysis، وهو منهج تطور في مجال التخطيط الاستراتيجي والدراسات المستقبلية، ويقوم على بناء مجموعة من المسارات المحتملة لتطور الأحداث بدل الاكتفاء بتوقّع واحد. وقد ارتبط تطوير هذا المنهج بأعمال عدد من الباحثين مثل هيرمان كان Herman Kahn في مؤسسة راند RAND خلال ستينيات القرن العشرين، ثم بيتر شوماكر Paul J. H. Schoemaker في دراساته حول التخطيط بالسيناريوهات في جامعة بنسلفانيا. وتُعدّ مؤسسات بحثية مثل مؤسسة راند RAND Corporation ومركز الدراسات الاستراتيجية والدوليةCenter for Strategic and International Studies (CSIS) ، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجيةInternational Institute for Strategic Studies (IISS) ، من أبرز الجهات التي تعتمد هذا المنهج في تحليل التحولات الجيوسياسية.
وقد جرى توظيف هذا المدخل في هذا المقال من خلال اتخاذ فرضية هزيمة إيران في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفها سيناريو تحليليًا مفترضًا، يسمح باستكشاف ما قد يترتب عليه من تحولات في بنية النظام الإقليمي في الحوض الإسلامي الأوسط. فبدل الانشغال بإثبات احتمال تحقق هذا السيناريو من عدمه، تم استخدامه أداة تحليلية لاستقراء النتائج الجيوسياسية المحتملة، مثل إعادة توزيع موازين القوة في الإقليم، وظهور فراغ جيوسياسي قد تسعى قوى إقليمية أو دولية إلى ملئه، أو انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من إعادة هندسة التحالفات والنفوذ.
- تحليل الخطاب السياسي:
أما المدخل الثاني فيتمثل في تحليل الخطاب السياسي Political Discourse Analysis، وهو منهج ينطلق من فرضية أن اللغة السياسية ليست مجرد وسيلة وصفية، بل أداة فاعلة في تشكيل الواقع السياسي نفسه. وقد أسهم في تطوير هذا الاتجاه عدد من الباحثين، أبرزهم نورمان فيركلو Norman Fairclough، في إطار ما يعرف بـ”التحليل النقدي للخطاب” Critical Discourse Analysis. إضافة إلى إسهامات ميشيل فوكو Michel Foucault في دراسة العلاقة بين الخطاب والسلطة. ويتيح هذا المدخل قراءة التصريحات السياسية والدينية الماشيحانية الصادرة عن القادة والفاعلين المؤثرين باعتبارها مؤشرات على أنماط الشرعنة التي يجري توظيفها لتبرير السياسات الكبرى، سواء كانت قومية أو دينية أو اقتصادية.
وقد تم توظيف هذا المدخل في المقال من خلال قراءة التصريحات السياسية والماشيحانية الصادرة عن عدد من الفاعلين المؤثرين في الصراع باعتبارها مؤشرات على طبيعة الشرعنة التي يجري توظيفها لتبرير السياسات الكبرى. فالتصريحات التي تستند إلى مرجعيات ماشيحانية أو تاريخية، أو تلك التي تربط الصراع بسرديات خلاصية أو رسالية، لا تُقرأ هنا بوصفها مجرد تعبيرات خطابية، بل باعتبارها جزءًا من البنية الرمزية التي قد تسهم في إعادة تعريف أهداف الحرب وتوسيع أفقها السياسي والأيديولوجي.
- مقاربة الواقعية في العلاقات الدولية:
ويستند المدخل الثالث على مقاربة الواقعية في العلاقات الدولية، ولا سيما ما يُعرف بـ”الواقعية الهجومية” Offensive Realism، التي طورها الباحث الأميركي جون ميرشايمر John J. Mearsheimer. وتنطلق هذه المدرسة من فرضية أن القوى الكبرى تسعى بصورة مستمرة إلى تعظيم قوتها النسبية داخل النظام الدولي من أجل ضمان أمنها. ويُضاف إلى ذلك إسهامات المدرسة الواقعية الكلاسيكية التي يمثلها هانس مورغنثاو Hans Morgenthau في كتابه الشهير “السياسة بين الأمم” Politics Among Nations، حيث يرى أن الصراع على القوة والمصالح الاستراتيجية يمثل محركًا أساسيًا للسلوك الدولي. وفي هذا الإطار تُقرأ قضايا مثل السيطرة على الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الطاقة، بوصفها أحد المحددات الجوهرية للصراعات الجيوسياسية.
وقد تم توظيف هذه المقاربة في المقال لقراءة الصراع، بوصفه جزءًا من التنافس الجيوسياسي على النفوذ والموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها عنصر الطاقة. فالتصريحات المتعلقة بالسيطرة على موارد النفط أو إعادة ترتيب المجال الجيوسياسي للمنطقة تُقرأ في هذا الإطار باعتبارها تعبيرًا عن منطق تعظيم القوة وإعادة تشكيل ميزان النفوذ بين القوى الكبرى، وليس مجرد انعكاس لخلافات سياسية أو أيديولوجية عابرة.
- نظرية الأنظمة الأمنية الإقليمية:
أما المدخل الرابع فيعتمد على نظرية الأنظمة الأمنية الإقليمية Regional Security Complex Theory، التي طورها كل من باري بوزان Barry Buzan وأولي ويفر Ole Wæver، ضمن إطار مدرسة كوبنهاغن في دراسات الأمن. وتنطلق هذه النظرية من فكرة أن الأمن الدولي يتجسد غالبًا في منظومات إقليمية مترابطة، بحيث يؤثر التحول الجذري في قوة إقليمية واحدة، في مجمل التوازنات داخل النظام الإقليمي بأسره. ومن هذا المنظور يُفهم الحوض الإسلامي الأوسط، باعتباره منظومة أمنية مترابطة تتقاطع فيها التوازنات المحلية مع مصالح القوى الدولية الكبرى.
ولتعزيز قوة هذا الإطار التحليلي، تم الاستئناس أيضًا بمنهج المقارنة التاريخية لنتائج الحروب Comparative Historical Analysis of War Outcomes، وهو منهج اعتمده عدد من الباحثين في الدراسات الاستراتيجية، من بينهم لورنس فريدمان Lawrence Freedman في دراساته حول تاريخ الاستراتيجية، حيث تُظهر التجارب التاريخية أن الانتصارات العسكرية الكبرى كثيرًا ما تفتح المجال لتحولات سياسية غير متوقعة، وأن إسقاط قوة إقليمية لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار النظام الإقليمي، بل قد يفضي إلى إعادة تشكيله بطرق جديدة.
وقد تم توظيف هذا المدخل في المقال لفهم الحوض الإسلامي الأوسط بوصفه منظومة أمنية مترابطة تتداخل فيها التوازنات المحلية مع مصالح القوى الدولية الكبرى. ومن هذا المنظور لا يُنظر إلى احتمال إضعاف إيران بوصفه حدثًا معزولًا داخل حدود دولة بعينها، بل باعتباره تحولًا قد يطلق سلسلة من التفاعلات المتداخلة في موازين القوة والتحالفات السياسية والأمنية داخل الإقليم بأكمله.
انطلاقًا من هذا التداخل المنهجي بين تحليل السيناريوهات، وتحليل الخطاب السياسي، ومقاربات الواقعية الجيوسياسية، ونظرية الأنظمة الإقليمية، والمقارنة التاريخية للحروب، يسعى هذا التحليل إلى استكشاف الاحتمالات الكبرى التي قد تترتب على تحقق فرضية الانتصار العسكري المفترض، وذلك من خلال قراءة تفاعل الخطاب الأيديولوجي مع المصالح الاستراتيجية وبنية النظام الإقليمي في الحوض الإسلامي الأوسط.
خاتمة:
إن القراءة المتأنية للتحولات الكبرى في تاريخ الحوض الإسلامي الأوسط تُظهر أن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بمن يُهزم ومن ينتصر، بل بالترتيبات الإقليمية التي تنشأ في أعقابها: فكثيرًا ما انتهت حروب كبرى إلى إسقاط قوى إقليمية، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام إعادة تشكيل المجال السياسي والاقتصادي للمنطقة، وفق مصالح القوى الأكثر قدرة على فرض رؤيتها للنظام الإقليمي.
ومن هذا المنظور، فإن النقاش الدائر حول احتمالات هزيمة إيران لا ينبغي أن ينحصر في الحسابات المذهبية، أو في الرغبة المفهومة لدى كثيرين في رؤية نهاية لمشروع سياسي ارتبط في الذاكرة العربية بسلسلة من التدخلات الدامية، ولا سيما في سوريا. فالمشكلة لا تكمن في إدانة سياسات إيران أو تحميلها مسؤولية ما ارتكب من جرائم، فذلك أمر يندرج ضمن حقائق سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها. وإنما تكمن في تحويل هذا الغضب المشروع إلى قراءة تبسيطية تتجاهل طبيعة الصراعات الجيوسياسية الكبرى وما تحمله في طياتها من مشاريع لإعادة ترتيب المنطقة.
إن التحذير من المخاطر الاستراتيجية المترتبة على إضعاف إيران لا يعني، بالضرورة، الدفاع عن سياساتها أو التعاطف مع طموحاتها الإقليمية، ولا التغاضي عن مسؤوليتها في مآسي شعوب المنطقة. وإنما يعني إدراك أن الصراعات بين القوى الكبرى لا تُدار وفق منطق تصفية الظالمين بعضهم ببعض بقدر ما تُدار وفق منطق إعادة توزيع القوة والنفوذ والموارد.
وفي هذا السياق، قد تكون القضية الأهم التي ينبغي التوقف عندها هي أن سقوط قوة إقليمية كبرى قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة هندسة الحوض الإسلامي الأوسط، وهي عملية لا تُصاغ بالضرورة وفق مصالح شعوب المنطقة، بل وفق الحسابات الاستراتيجية للقوى الأكثر قدرة على فرض رؤيتها للنظام الإقليمي. وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: هل ينبغي أن تُهزم إيران أم لا؟ بل: أي نظام إقليمي قد ينشأ بعد هذه الهزيمة، ومن سيكون المستفيد الأكبر من إعادة ترتيب المنطقة؟
يهدف التفكير في هذه الأسئلة إلى استعادة الحد الأدنى من الوعي الاستراتيجي، في قراءة صراعات تتجاوز حدود الخصومات المباشرة بين القوى المتنازعة: فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تختزل صراعاتها في ثنائيات غريزية ضيقة قد تجد نفسها، في نهاية المطاف، خارج حسابات النظام الذي يتشكل فوق أنقاض تلك الصراعات. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية اليوم ليس فقط في تحديد موقفها من أطراف الصراع، بل في امتلاك القدرة على قراءة ما وراءه من تحولات أعمق قد تعيد رسم خريطة الإقليم لعقود قادمة.




