السياسةالشهودالعمران المعنويالقيممن اختيارنا

“ممداني” ليس صلاح الدين النيويوركي..ولكن.. !

بقلم: د. الحبيب الشوباني

منذ الإعلان عن الفوز التاريخي للشاب “زهران ممداني” بمنصب عمدة نيويورك يوم 4 نونبر 2025، لم يتوقف تناسل قلق الرهانات على أدواره المحتملة في الوفاء بما عبر عنه من مواقف سياسية جريئة، جرى العمل بها في خطاب الساسة الأمريكان على أنها شديدة الحساسية، وذات كلفة ومخاطر عالية لمجرد الاقتراب منها. على رأس هذه المواقف، ينتصب بوضوح شديد انحيازه المعلن والمتكرر لمظلِمة الشعب الفلسطيني، وإدانته الشديدة للإبادة في غزة، وصولا إلى إعلانه على الملأ عزمه اعتقال نتنياهو إذا وطئت قدماه نيويورك، لأنه مجرم حرب حسب معايير ومقررات العدالة الجنائية الدولية.

    من المهم الإقرار بأن هذا الفوز التاريخي لعضو مسلم مهاجر من الحزب الديمقراطي، إنما هو من تداعيات الزلزال السياسي الكوني الذي أحدثه طوفان الأقصى، والذي عصفت أمواجه العاتية بالمشهد السياسي الأمريكي التقليدي الراكد. ومن الموضوعية أيضا الاعتراف بأن هذا الطوفان نفسه هو الذي هزم الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية في شخص بايدن، الرئيس العجوز المتورط والمجاهر بخطيئة التمويل العسكري والإسناد السياسي لجريمة الإبادة.

     هكذا هي الحريات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية !  إنها تقبل أن يجتمع في نفس الكيان الحزبي الشيء ونقيضه:

  • من جهة، بايدن العجوز المتهالك كسياسة وأفكار جيله، يفاخر بصهيونيته وبأن “إسرائيل” ضرورة وجودية لأمريكا لدرجة أنها “لو لم توجد لوجب إيجادها” ! وشارك بجنون سادي في إبادة شعب غزة الأعزل، حتى ضجَّت من خَرَفِهِ المتوحش ضمائر شرائح واسعة من حزبه ومن عموم المجتمع الأمريكي؛ وتفجرت مشاهد الاشمئزاز والاحتجاج في كبريات الساحات والشوارع والجامعات، بل عاشت – في عهده النيروني – عاصمة بلاد العم سام لحظة قاسية في رمزية انتفاضتها المأساوية ضد شراكته المعلنة في الإبادة: لحظة الصدمة تجسدت في انتحار الضابط الشاب Aaron Bushnell أمام سفارة “إسرائيل” في واشنطن يوم 25 فبراير 2024، بإضرام النار في جسده.
  •  من جهة أخرى، زهران ممداني، شاب مفكر وسياسي تقدّمي ذو الأصول الأفريقية – الآسيوية؛ يجمع في وسامته وإقباله الثوري على الحياة بين الحسّ الأكاديمي والإيمان العميق بالكرامة الإنسانية وبالعدالة الاجتماعية. هو صناعةُ والده عالم السياسة محمود ممداني، وهو أيضا وارث سر أطروحات المثقف المارتينيكي الثائر والطبيب النفساني “فرانز فانون”؛ في كليهما وجد مصدر إلهامٍ عميقٍ لفهم العلاقة بين الاستعمار والعنف البنيوي والاغتراب الثقافي، ومن كليهما استمد إيمانه بفكرة التحرر الشامل الذي لا يكتمل إلا بتحرر الوعي، وتفكيك البُنى النفسية التي خلّفها الاستعمار. عكس “بايدن” العجوز الخرِف والفقير فكريا، يرى ممداني أن الديمقراطية الحقيقية لا تنفصل عن المساواة في شمول أبعادها، ويعتبر العدالة المحلية امتدادًا للعدالة العالمية. شاب مفوه، يحرك بخطابه السياسي ملايين الأمريكيين المتطلعين لسياسيين جُدد، لتحريرهم من عبوديات الفوارق الاجتماعية ومن السيطرة الصهيونية على تفاصيل القرار المالي والسياسي في وطنهم؛ سياسيون جدد ينفخون فيهم روح النضال الأخلاقي ضد الظلم أينما وُجد. لقد نجح ممداني في صناعة تيار مجتمعي أمريكي جارف، يرى في مظالمه الاجتماعية المتفاقمة امتدادا لمظالم غزة، ويرى في فلسطين المحتلة والمضطهدة رمزا كونيا للمقاومة والانعتاق من عبوديات متوحشة تصنعها نفس الآلة الجهنمية للاستعباد والقهر، مهما اختلفت الأساليب !

     إن هذا التمهيد الطويل نسبيا،  مردُّه إلى بروز نوع من القلق الغامض لدى بعض المسلمين من احتمال عدم وفاء ممداني بوعوده ! خيبة الأمل هاته جزء بنيوي من تفكير ونفسية أجيال تخشى من مآلات انتصار لم تتوقعه، بسبب كثرة الهزائم والخيبات !  لقد شكل تتويج ممداني كأول مسلم يرأس مجلس مدينة نيويورك العظيمة، لحظة انتشاء كبير لعموم المسلمين في العالم، ولمناصري الشعب الفلسطيني بشكل عام! وهو أمر صحيح ومتفهم. لكن أيضا، ليس إلى درجة تصوير المشهد كما لو أن صلاح الدين المحرر ظهر في نيويورك ! من هنا يبدأ تصحيح التصور لدفع تأثير القلق المفهوم لكن غير المبرر، بل المطلوب علاجه وتجاوزه.

           لقد تقاسم المنزعجون من تصرفات ممداني “الفاتح المتخيل لنيويورك”، صور استقباله السريع من طوائف يهودية في نيويورك، ومن وضع الطاقية اليهودية على رأسه في طقوس الاستقبال ! كما تقاسموا ما يؤكد كما لو أنهم اكتشفوا للتو انتماءه لحزب يناصر حريات المتحولين جنسيا ! وتقاسموا أيضا أخبارا عن جذوره الشيعية!  ومن يدري؟ فقد يكتشفون غدا ويتقاسمون معلومات عن جذوره الشيوعية ما دام يساريا ! وحتى البوذية التي يستمدها من أصوله أمه المخرجة السينمائية ذات الجذور الهندية ! ولم لا معلومات محيَّنة عن بقايا الوثنية في عقيدته، مادامت أصوله أوغندية من الأدغال الإفريقية…؟ !

     إن صعود ممداني لسدة السلطة في أكبر وأقوى مدينة للسياسة والمال في العالم، وجرأته على قول ما لم يقله كبار السياسيين في عواصم كثيرة من بلاد الإسلام التاريخية، إنما يحتاج من مناصري قضية فلسطين العادلة الانتباه لما ينبني عليه العمل، وما به تتحقق مقاصد حركة التحرر العالمية المتفجرة في غزة، والتي جاءت بممداني في ركاب فوز صنع الطوفان كثيرا من تفاصيله، وبعضها يمكن ذكره في ما يلي:

  • أولا، التعريف الواسع بمواقف عمدة نيويورك النصير لفلسطين والمناهض للإبادة، خاصة لدى الطبقات السياسية في الغرب؛ حتى تتعلم منه كيف يمكنهم بلوغ أعلى درجات طموحاتهم في عالم السلطة، دون أن يتخلّوا عن هويتهم الإنسانية، أو عن التزامهم بنصرة قضية فلسطين العادلة. إن الأمر يتعلق بالتعريف برجلٍ يختصر القوة الأخلاقية والاتساق القيمي في سياق مشبع بالعبوديات للمال اليهودي الصهيوني وللسلطة الإنجيلية المسيحانية، لأنه اختار العدالة بوصلةً والكرامة أفقًا.
  • ثانيا، الاستثمار الإيجابي للتحولات العميقة الجارية في المجتمع الأمريكي لصالح عدالة قضية الشعب الفلسطيني، من مدخل القوة الاقتراحية، بجعل نيويورك – على سبيل المثال لا الحصر– تحتضن أول مؤتمر لعمداء المدن العالمية المناهضين للإبادة؛ وأول مؤتمر عالمي للمنظمات الإنسانية العاملة في مجال الإعمار المادي والثقافي لغزة؛ وأول حملة عالمية في المدينة المقر لمنظمة الأمم المتحدة، للمطالبة بالعدالة الجنائية وضد الإفلات من العقاب في نازلة غزة…إلخ.
  • ثالثا، التعاون مع عمدة نيويورك لجعل الفن في خدمة القضية، بإحداث أول متحف لذاكرة الإبادة في عاصمة المتاحف؛ وتنظيم المهرجان العالمي للفنون والموسيقى المناصرة لفلسطين والمناهضة للإبادة؛ وتنظيم المهرجان العالمي للسينما لنفس الغرض؛ ونحت تماثيل تخلد مواقف التضامن الإنساني مع غزة، وفق أعراف الثقافة المحلية شديدة التأثير في المجتمع الأمريكي (تمثال للضابط Aaron Bushnell، وتمثال للطفلة هند رجب،…)…إلخ.    

   بكلمة، إن ممداني ليس صلاح الدين النيويوركي.. ! لكن يمكن ركوب أمواج الطوفان التي رفعته، واللحاق به في أفقه التحرري وحلمه الانعتاقي، وتحويل فوزه وفوز أنصاره الذين هم اليوم بالملايين إلى لحظة انعتاق أمريكي وعالمي، يدفع حركة التاريخ نحو انحسار متسارع للمشروع اليهودي الصهيوني، وانبلاج واقع جديد يبشر بمستقبل إنسانية جديدة، متحررة من آخر عبء استيطاني لاأخلاقي يجثم على ضمير العالم في فلسطين المحتلة.. !

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى