من اختيارناالشهود

(3/2) تأملات معرفية من وحي طوفان الأقصى

هل هناك حاجة ملحة إلى إعادة قراءة مالك بن نبي؟

وعي “المسألة اليهودية” كشرط معرفي للانعتاق من عبودية السرديات الغربية

أولا، مدخل: من سؤال الوعي إلى سؤال العُقدة التاريخية الأوروبية:

في الجزء الأول من هذه التأملات، جرى النَّظرُ إلى طوفان الأقصى بوصفه انقلابا جذريا عالميا في بنية الوعي، ليس لأنه أنهى هيمنة عسكرية في صيرورة التحرر من الاحتلال، ولكن لأنه سرَّع هذه الصيرورة بِكَسْرِه للأُسس النفسية للهيمنة، وزعزع منظومة كاملة ومتهالكة من المسلّمات والأوهام: مسلّمات التطبيع، ووهم تدوير الزمن بمخرجات أوسلو، ووهم الاعتقاد بأن التاريخ قد استنفد إمكاناته، ومسلَّمة أنه لم يعد في الإمكان سوى التكيّف مع الواقع المفروض بالقوة، إلى غير ذلك من “اليقينيات” التي تشكلت في مناخ الهزائم الرسمية المتراكمة. وقد قاد ذلك إلى إعادة طرح سؤال الذات، أي سؤال *”القابلية للاستعمار”:* كيف فقدت الأمة قدرتها على الفعل؟ وكيف تحوّل الزمن في وعي الإنسان من مجال للمبادرة، إلى مجال لتبرير العجز؟ غير أن هذا السؤال في منطق مالك بن نبي لا يكتمل ما لم يُستكمل بسؤال فحص المحيط الحضاري الأوسع. فالقابلية للاستعمار عنده لا تعمل في فراغ، بل تتغذّى من اختلالات عالمية أعمُّ وأشمل. ومن هنا، يصبح الانتقال إلى تحليل “المسألة اليهودية”- كما استعرضها في الجزء الثاني من كتابه “وجهة العالم الإسلامي” – انتقالا طبيعيا في البناء المنطقي، لأنها تمثّل في فكر بن نبي “العقدة التاريخية” التي تكثّف أزمة الحضارة الغربية، وتفسّر كيف جرى تصدير هذه الأزمة إلى فلسطين: قلب الحوض الحضاري الإسلامي.  

تأسيسا عليه، فإن الجزء الثاني من هذا التأمل المعرفي، ليس استطرادا موضوعيا، بل تعميقا للسؤال نفسه: *كيف وصل العالم إلى هذا الانسداد والتواطؤ اللاأخلاقي ضد مظلومية الشعب الفلسطيني؟* وكيف وفّر هذا الانسداد والتواطؤ شروط الانفجار العظيم في ملحمة طوفان الأقصى؟ وكيف تجلى الطوفان كلحظة خارقة كسرت كل سرديات التواطؤ والخذلان اللاأخلاقي؟

 ثانيا، تشخيص الذات: “القابلية للاستعمار” وفقدان الفكرة المحرّكة:

في الجزء الأول من كتابه “وجهة العالم الإسلامي”، انطلق مالك بن نبي في مشروعه الفكري من تشخيص جذري للذات الحضارية الإسلامية، رافضا ردّ التخلف إلى مجرد تفوق الآخر تقنيا، أو إلى مؤامرة خارجية. فصاغ *”مفهوم القابلية للاستعمار”* بوصفها حالة حضارية تفقد فيها الأمة *”الفكرة المحرّكة”* التي تصنع الإنسان القادر على التفاعل المسؤول مع الجغرافيا والزمن. في مثل هذا الوضع، لا يقبل بن نبي اعتبار الاستعمار سببا أوليا، بل نتيجة لوضع تصبح فيه الأمة موضوعا للتاريخ لا فاعلا فيه، ويغدو الزمن عبئا بدل أن يكون إمكانا ورصيدا وأُفقا للفعل.

  ثالثا، من الذات إلى المحيط: الحضارة الغربية كقوة مادية مأزومة أخلاقيا: 

   تكمن عبقرية وفرادة مالك بن نبي – كونه صاحب عقل مستوعب للثقافة الغربية ومتمكن من دراستها- في أنه لم يقتصر على التشخيص المعرفي لحالة الأمة من الداخل فقط، بل في توسيع منهجه ليشمل الحضارة الغربية نفسها. فالقوة المادية، في نظره، لا تعني العافية الحضارية. ومن هنا قرأ أوروبا الحديثة بوصفها ذاتا قوية تقنيا، لكنها تعاني اختلالا عميقا في بنيتها القيمية والتاريخية. ضمن هذا الأفق، لم ينخدع مالك بن نبي بتفسير صعود أوروبا من خلال امتلاك ومراكمة القوة التقنية وحدها، بل من خلال تفكيكه المزدوج لصعودها كقوة استعمارية عوامل معقدة، يتداخل فيها نجاحها وفشلها في نفس الآن: *(أولا)* نجاحُها في إدارة تناقضاتها الدينية المدمرة بإغلاق ملف الحروب المسيحية، عبر مسلسل مصالحات تُوج *باتفاقيات وستفاليا  Traités de Westphalie  سنة 1648،* وضعت بها حدا لحرب الثلاثين سنة (1618-1648)، ومن ثم وجهت أنظارها نحو العالم كقوة استعمارية صاعدة؛  *و(ثانيا)،* عجزها عن إدارة تناقضاتها الدينية مع يهودها، وهو ما جسده فشلها في حل “المسألة اليهودية”، وتصديرها للشرق للتخلص منها بوَعْدَيْنِ: *وعدُ الفرنسي جول كامبون  Jules Combon في 4 يونيو 1917، ووعد Arthur James Balfour في 2 نونبر 1917.* 

  رابعا، “المسألة اليهودية” : من قضية صراع ديني إلى مفتاح تفسيري تاريخي:

   في هذا المدخل من التفكيك المعرفي، يضع مالك بن نبي يده على ما يمكن اعتباره *”مفتاحا تفسيريا”* بالغ الخطورة لفهم تاريخ أوروبا الحديث: *”المسألة اليهودية”.* فمالك قام بإخراج هذه المسألة من ظلام الجهل بها، وكذا تحريرها من التداول الانفعالي، فأكد أن *”المسألة اليهودية”* ليست *”مسألة يهود”،* بل مسألة حضارة لم تعرف كيف تحلّ مشكلاتها الداخلية. 

   بهذا التأويل المعرفي لمالك بن نبي، تصبح “المسألة اليهودية” مرآة تعكس عجز أوروبا عن إدارة علاقتها بالقيم، والدين، والمال، والسلطة، فتغدو الأحداث الكبرى في تاريخها صيرورة لمحاولات متكررة وفاشلة في معالجة *عقدة واحدة لم تُحل لا بالإصلاح ولا بالثورة: عقدة “المسألة اليهودية”.* 

 خامسا، الإصلاح الديني وثورة الأنوار: وجهان لإدارة الفشل في حل العُقدة لا في تجاوزها:

   يرى مالك بن نبي أن الإصلاح الديني البروتستانتي والثورة الفرنسية المبشرة بفكر الأنوار، لم يكونا حلّين جذريين لتجاوز معضلة فشل التعايش بين اليهود الأوروبيين (المضطهَدين)، والمسيحيين الأوروبيين (المضطهِدين). بل محاولتين لإعادة ترتيب التوتر داخل البنية الأوروبية المأزومة بعقدة “المسألة اليهودية”. فقد تم ترحيل الأزمة من المستوى الديني إلى المستوى السياسي، دون أن تُفكّكَ وتُحَلَّ جذريا. ولذلك عاشت أوروبا قرونا وهي تراكم في وعيها الباطني عقدةً خطيرة لم تستطع حلّها، لا بالتعايش والاندماج، ولا بالعزل والإبادة؛ لذلك بقيت “المسألة اليهودية” قوية الحضور في قلب التحولات الأوروبية، لا على هامشها، وقوة محركة وموجهة للتاريخ الأوروبي، لا تابعة له.

  سادسا، النازية والمحرقة: لحظة انكشاف مأزق الحل النهائي للمسألة اليهودية:  

  من قوة استيعابه المعرفي للفكر الغربي، يرفض مالك بن نبي النظر إلى النازية باعتبارها شذوذا في التاريخ الأوروبي، بل يعتبرها انفجارا لمسارِ فشلٍ مزمنٍ في حل *”أُمِّ العُقدِ الأوروبية”.* فمالك يعتبر أن الهولوكوست لم يكن انحرافا عن الضمير الأوروبي، بل كان لحظة انكشافه المأساوي الكبير، وعجزه الأخلاقي الأكبر. 

بعبارة أخرى، لم تكن المحرقة/الهولوكوست نهاية تاريخ أزمةِ مشكلةٍ أوروبيةٍ خالصةٍ، بل ذروتها. لقد دُفعت *”أوروبا الكارهة ليهودها”* إلى البحث عن حل نهائي يخلّصها من عبء عقدتها التي أرهقتها: لذلك تم اختيار الحل بالإبادة النازية، حلا جذريا للمسألة اليهودية، لكن هذا الحل تحول إلى جريمة ثقيلة التبعات، فتم التخلص منها، لا بالاعتراف بها بإجراء مصالحة تاريخية تدمج يهود أوروبا في أوطانهم الأصلية، بل باجثتات الوَرَم وتوطينه خارج التربة التي أفرزته. 

  سابعا، الحل الصهيوني: تصدير الفشل اليهودي المسيحي الأوروبي إلى الجغرافيا الإسلامية:  

في هذا السياق الأوروبي المأزوم بالفشل في حل عقدة “المسألة اليهودية”، وُلد المشروع الصهيوني كآلية لتصدير الأزمة للخارج وتدويلها، وليس كحل إنساني داخل المجال الذي أنتج هذه العقدة. يعبّر مالك بن نبي عن هذا الوضع بوضوح من خلال تعريفه للصهيونية بأنها ليست حلا للمسألة اليهودية، بل وسيلة لنقلها من المجال الأوروبي إلى المجال العربي. يتعلق الأمر إذن بأكبر عملية تهريب عابر للقارات لأزمة تعايش ديني، وعملية تدويل لهذا التهريب، بعد أن ظلت لقرونٍ مسألة ًأوروبية خالصة. 

    من هنا يتكشّف المعنى العميق لمقولة بن غوريون الذي اعتبر – في اجتماع انعقد سنة 1930 بالقدس – بأن *أكبر انتصار للصهيونية هو تحويل “المسألة اليهودية” إلى “مشكلة عربية”* . لم تُحلّ العقدة الأوروبية في أوروبا إذن، بل أُعيد توطينها في فضاء حضاري آخر: “في أرض إسلامية” حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران Edgar Morin في كتابه (المسألة اليهودية والعالم المعاصر).

  خاتمة، فلسطين: بوثقة الصراع بين اختلالين حضاريين عظيمين:

    تأسيسا على ما سبق، وباستحضار تاريخ الحروب الصليبية، يتضح أن توطين الورَم/العقدة الأوروبية في فلسطين لم يكن اختيارا اعتباطيا، بل لأنها شكلت تاريخيا نقطة تماس ملتهبة بين حضارة غربية مسيحية عاجزة عن حل أزمة التعايش مع يهودها، وكيان حضاري إسلامي فقد شروط الفاعلية الحضارية، فَوَفَّر بقابليته للاستعمار شرط تحويل الحضارة الصاعدة أزمتَها إلى قلب جغرافيته المعتلَّة. بكلمة، وحسب بن نبي، لقد التقت في فلسطين القابلية للاستعمار من جهة، وعجز الحضارة الغربية عن حل أزمتها من جهة أخرى. 

   هكذا يغدو احتلال فلسطين ومحاولات تصدير “حل إبادة شعبها” -ضمن خوارزميات العقل الغربي – مشروعا فاشلا لتوطين يهود أوروبا، بعد فشل الحل النهائي النازي للمسألة اليهودية. بحسب هذا المنظور التحليلي الحضاري لمالك بن نبي، فإن واقع فلسطين المحتلة منذ قرن ليس سوى نتيجة تفاعل اختلالين حضاريين كبيرين، لا مجرد حالة استعمارية تقليدية ناتجة عن اختلال موازين قوى سياسية فقط، كما قد تقود إلى ذلك سطحية التفكير أو قصور التحليل.

والله المستعان

15 شعبان 1447

3 فبراير 2026

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى