الشهودمن اختيارنا

(3/3) تأملات معرفية من وحي طوفان الأقصى

هل هناك حاجة ملحة إلى إعادة قراءة مالك بن نبي؟

وعي “طوفان الأقصى” كمحرّك حضاري جديد

مدخل: من الحدث إلى سؤال الفكرة الحضارية المُحركة:

لم يعد ممكنا، بعد طوفان الأقصى، الاستمرار في مقاربة القضية الفلسطينية بالأدوات التحليلية ذاتها التي حكمت الوعي السياسي والفكري للأمة لعقود. فقد كشف هذا الحدث، بما يحمله من كثافة رمزية وتاريخية، أن الإشكال أعمق من ميزان القوة العسكرية، وأبعد من لحظة الصدام الميداني، وأنه متصل في جوهره بانسداد حضاري طويل الأمد، جرى تطبيعه فكريا قبل أن يُفرض سياسيا. من هنا، يكتسب سؤال إعادة قراءة فكر مالك بن نبي راهنيته القصوى، بوصفه أحد العقول الأكثر قدرة على تفكيك شروط هذا الانسداد، وفهم العلاقة المعقّدة بين الفكرة، والإنسان، والتاريخ، في سياق الصراع على الوجود والمعنى والشرعية.

 ثانيا، نكبة المشروع الصهيوني: من توطين العقدة إلى انسداد مأزقها:

في هذا الإطار التأملي المعرفي الذي يطرح سؤال الحاجة المتجددة لفكر مالك بن نبي، يتضح أن “مسار التطبيع” لم يكن خيارا سياسيا إراديا فحسب، بل تعبيرا عن انسداد حضاري أُريد له أن يُحل بالقوة، وبتدوير الزمن، وبالخداع التفاوضي. فالتطبيع مع “إسرائيل” (أي مع “دولة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”)، من منظور تفكيكي معرفي بحت، قائم على التسليم بكون “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية” المفروض بالعنف في فلسطين المحتلة، هو النهاية الحتمية لتلك المسألة.

ولتأكيد الطابع الحتمي لهذا الحل، تمت صياغته ضمن سردية مشيحانية (يهودية) ومسيحانية (مسيحية)، تُضفي عليه طابع الخلاص المؤسس على نبوءات دينية مُؤسطَرة (أي قائمة على الأساطير) . لذلك، وبتفكيك صيرورة صناعة هذا الحل، يتضح أنه أعاد إنتاج “القابلية للاستعمار” في صورتها الناعمة، حيث يُدار الصراع بدل تفكيكه، ويُفرَّغ الوعي من قدرته على الفعل.

في المقابل، جاء “طوفان الأقصى” ليكسر هذا الانسداد المفروض بالقوة. فهو لم يقدّم حلا نهائيا في المدى المنظور – وليس ذلك مطلوبا منه ولا هو من مهامه – لكنه أعاد فتح أفق الفعل الحضاري الإسلامي والإنساني العالمي، وأثبت أن التاريخ لم ولن يُغلق أبدا، وأن السيطرة عليه وتعطيل مسار العدل الإلهي وهم ودعاية. لقد بيّن الطوفان أن الحلول المفروضة لا يمكن زعزعتها فحسب، بل يمكن ربح معركة اجتثاثها في ساحات الوعي الإنساني العالمي، وتركها عارية إلا من قدرة مؤقتة على الإبادة المتوحشة، وتلك نكبة المشروع الصهيوني التي تجلت في سقوط زيف “الشرعيات” التي على أساسها تم توطينه – كورم سرطاني وعقدة أوروبية مزمنة – خارج الجسد الحضاري الذي أنتجه.

 ثالثا، الطوفان كصدمة حضارية مفكِّكة لسرديات الهيمنة:

إن طوفان الأقصى لم يُكسر فقط معادلات الردع أو أوهام الاستقرار، بل أجهز على منطق إدارة الصراع نفسه، بوصفه بديلا عن حله. لقد أعاد الطوفان طرح السؤال الذي جرى تأجيله وتدويره عمدا لعقود: سؤال الشرعية الأخلاقية ل”الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”، وسؤال القيم التي يستند إليها النظام الدولي في تعريفه للحق والعدالة والإنسان. هنا يتقاطع الحدث مع تحليل مالك بن نبي لأزمة الحضارة الغربية، حين تتحوّل القوة إلى مرجع نهائي للشرعية، وتُختزل القيم في خطاب انتقائي يخدم الغلبة والتسلُّط والأساطير . بهذا المعنى، فإن الطوفان لم يفضح الطبيعة التوطينية المصطنعة بالقوة للمشروع الصهيوني وحده، بل كشف أيضا عن تصدّع عميق في السردية الأخلاقية الغربية، التي عجزت عن رؤية الفلسطيني كإنسان كامل الحقوق، لا كعائق تاريخي أمام تنفيذ مشروع استيطاني إحلالي مشيحاني أُريد له أن يكون قدرا نهائيا.

 رابعا،لماذا الحاجة الملحّة لإعادة قراءة مالك بن نبي في عصر الطوفان؟:

تتجلى الحاجة الملحة إلى استدعاء مالك بن نبي اليوم (عصر الطوفان) في كونه المفكر الوحيد – حسب اطلاعي – الذي مكّننا بعبقرية معرفية استثنائية من فهم الانسداد الحضاري للأمة قبل الحديث عن تجاوزه. فهو الذي ربط بين الفقر في “الفكرة المحركة” صانعة المعنى والتاريخ، وتعطّل هِمّة الإنسان، وانفجار التاريخ بتناقضاته التي تم ترحيلها دون حل. وهو الذي بيّن أن “المسألة اليهودية” لا يمكن أن تُحل بتطبيع نتائجها، ولا بتصديرها جغرافيا إلى شعب لا علاقة له بها، بل بإعادتها إلى إطار القيم الإنسانية للحق والعدل والحرية، وتفكيك الحل الصهيوني بوصفه حلا زائفا ومؤقتا لأزمة حضارية أوروبية خالصة.

لقد بدأ تاريخ التطبيع مع “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية” منذ قرار التقسيم رقم 181 (29 نونبر 1947)، وهي لحظة مفصلية في مسار تحويل “المسألة اليهودية” من عقدة أوروبية داخلية إلى واقع قسري مفروض على الأمة الإسلامية وعلى العالم. بهذا القرار، لم تكتفِ أوروبا – ومعها النظام الدولي الناشئ – بتصدير أزمتها، بل قامت بشرعنتها قانونيا، محوّلة المأساة اليهودية الأوروبية إلى أساس لإنتاج مأساة جديدة أكبر في فلسطين.

 خامسا، من تحرير الأرض إلى ميلاد الفكرة المحرّكة:

إن القيمة الحضارية لطوفان الأقصى تظل مشروطة بالقدرة على تحويله من صدمة وجدانية إلى وعيٍ مُنظِّم، ومن فعل مقاومة إلى مشروع تحرر شامل. وهنا تتجلى مركزية مالك بن نبي، الذي نبّه مبكرا إلى أن تحرير الأرض لا يستقيم دون ولادة الفكرة المحرّكة، وأن أخطر أشكال الهزيمة ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل التي يُعاد إنتاجها في الوعي باسم الواقعية أو الضرورة التاريخية. إن تجاوز القابلية للاستعمار لا يعني فقط رفض الاحتلال، بل تفكيك البنية الذهنية التي تتعايش مع نتائجه، أو تطبّع معها، أو تبحث عن تسويغها. من هنا، فإن طوفان الأقصى يضع شعوب ودول الحوض الحضاري الإسلامي أمام اختبار حضاري حاسم: إمّا أن ترتقي بالإنسان إلى مستوى التحوّل الواعي الذي يستأنف به دوره في التاريخ، أو تتركه يُفرَّغ من دلالته ويُعاد استيعابه داخل منظومة الانسداد نفسها التي جاء ليكسرها.

سادسا، أسئلة ما بعد الطوفان كفكرة محركة للتاريخ:

بإعادة قراءة مالك بن نبي، تصبح الأجوبة التي ظلت مفقودة لأسئلة أساسية في سردية الحق الفلسطيني في المتناول. من بين هذه الأسئلة ينتصب سؤالان مركزيان:

 (1) لماذا هذا الاصطفاف الغربي شبه المطلق مع المشروع الصهيوني؟ و(2) لماذا تبدو السردية الأخلاقية الأوروبية عاجزة عن رؤية الفلسطيني كإنسان كامل الحقوق؟

إن هذا النوع من الأسئلة لا يُجاب عنه بمنطق السياسة اليومية، لأن الاجوبة تتعلق ببنية أعمق، كونها مركوزة في الوعي والتاريخ. وفي هذا الأفق، يبرز طوفان الأقصى بوصفه فكرة محرّكة وصانعة للتاريخ، لأنه أعاد طرح الأسئلة المؤجَّلة: *هل يمكن لحضارة أن تستعيد توازنها دون مواجهة عقدها التأسيسية؟* *وهل تستطيع الأمة الإسلامية أن تستأنف دورها التاريخي دون تجاوز القابلية للاستعمار، ودون امتلاك الشجاعة المعرفية لتفكيك وتجاوز عقدة “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية” ؟*

 الخاتمة: في ضرورة الأخذ بالنموذج التفسيري لمالك بن نبي:

نخلُص مما سبق، لنجدد التأكيد على أن إعادة قراءة مالك بن نبي في عصر الطوفان ليست ترفا فكريا ولا حنينا إلى خطاب النهضة، بل هي فعل مقاومة معرفية بامتياز. مقاومة تستهدف تحرير العقل من التطبيع مع الزيف والدعاية والظلم، وتحرير التاريخ من وهم نهايته والسيطرة المشيحانية/المسيحانية عليه، وتحرير الإنسان من موقع الضحية الدائمة. لقد أعاد طوفان الأقصى فتح أفق الفعل الحضاري الإسلامي والإنساني العالمي، مذكّرا بأن التاريخ لا يُغلق، وأن الحلول المفروضة بالقوة تحمل في داخلها بذور سقوطها. وبذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة اليوم لا يكمن فقط في الصمود أو الإدانة، بل في القدرة على إنتاج معنى جديد للعدالة في العالم، وحل إنساني جذري يعيد “المسألة اليهودية” إلى إطار القيم الكونية، وينهي منطق تصدير الأزمات وتوطينها بالقوة. عندها فقط، يتحوّل الطوفان من حدث استثنائي إلى مسار حضاري، وتستعيد الأمة موقعها كشاهد كوني على القيم، لا كموضوع لتدوير الصراعات، أو مكب نفايات لتفريغ المشاريع الفاشلة للحضارة الغربية المازومة أخلاقيا وقيميا. إن إعادة قراءة مالك بن نبي في عصر الطوفان، مسألة ملحة ومستعجلة، وتعني ضرورة  التسلح بمفاهيمه الأساسية، لبناء نموذج تفسيري جديد، كفيل باستشراف وصناعة مستقبل للأمة، كريم وناهض بتحرره من أوزار “القابلية للاستعمار” ، وحر عزيز بانعتاقه من باطل سردية “الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”. 

والله المستعان

17 شعبان 1447 هـ

5 فبراير 2036 م

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى