من “غواية الدين الأبراهامي الجديد” إلى “رشد السؤال الإبراهيمي التاريخي”
تأملات قرآنية من وحي قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟). الأنبياء: 51-52

تمهيد:
في سياق التحولات الفكرية والسياسية العالمية، برز في السنوات الأخيرة ما يُسمّى بـ *”الدين الأبراهامي الجديد”* – مع ضرورة التنويه بأن *”أبراهام”* التوراة، ككل الأنبياء، ليس هو *”إبراهيم”* القرآن – بوصفه خطابا عابرا للأديان، يُراد له أن يشكّل إطارا جامعا لليهودية والمسيحية والإسلام، تحت دعوى *القيم المشتركة والسلام الإنساني !* غير أنّ هذا الطرح، عند إخضاعه للفحص المنهجي والنقد العقائدي، يكشف عن كونه بناء اصطناعيا بدون أي امتداد تاريخي، وعملية “تدوير سياسي” أكثر منه رؤية دينية أصيلة، غايته التفريغ العملي للعقيدة الإسلامية من خصائصها التوحيدية الرسالية التحررية.
وفي مقابل هذا التصور الدمجي الديني المتعسف، يبرز ما يمكن تسميته ب *ـ”السؤال الإبراهيمي التاريخي”* ؛ ذلك السؤال التوحيدي الجذري الذي شكّل جوهر دعوة إبراهيم عليه السلام، والذي استعاده النص القرآني بوصفه *معيارا فاصلا بين التوحيد والشرك، والحق والباطل، والعبودية لله والارتهان لغيره.* وهو ما حكاه القرآن في حوار تاريخي بين نبي الله إبراهيم عليه السلام، وقومه في آيات سورة الأنبياء : *﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ٥١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟ ٥٢*
أولًا، “الدين الأبراهامي الجديد” : مفهوم مُختلَق وغِوايةٌ مُضمَرة:
لا يستند مفهوم *”الدين الأبراهامي الجديد”* إلى أصل عقدي معتبر في التراث الإسلامي، ولا إلى تطور عقائدي داخلي ممكن في بنية الوحي، بل هو اختراع معاصر نشأ في بيئة سياسية وثقافية تسعى إلى إعادة تشكيل الدين لتجعل منه عنصرا مهادنا للهيمنة، مشلول الروح العقائدية، منزوع القدرة على المقاومة والاحتجاج التحرري السياسي والأخلاقي.
ومن أخطر ما ينطوي عليه هذا المفهوم:
*- (1) تفكيك عقيدة التوحيد:* إذ يُعاد تعريف التوحيد بعيدا عن كونه إفراد الله بالعبادة والطاعة والتشريع، بل باعتباره مجرد “إيمان عام بإله واحد”، متجاوزا مقتضيات العبودية والولاء والبراء.
*- (2) تحييد مفهوم العبودية:* حيث تُختزل العلاقة بالله في بعدها الروحي الفردي، ويُقصى بعدها التحرري الذي يرفض الخضوع لغير الله، سواء كان صنما ماديا، أو منظومة ظلم، أو سلطة غاشمة.
*- (3) تعطيل وظيفة المقاومة:* فالدين، وفق هذا الطرح، يُراد له أن يكون أداة تهدئة لا ميزان محاسبة، وأن يُنزَع منه بعده الأخلاقي في مواجهة الظلم والعدوان.
وبذلك يكون *”الدين الأبراهامي الجديد”* جامعا للأديان ومُفرِّغا لها من خصوصياتها، وعلى رأسها الخصوصية الإسلامية القائمة على التوحيد الخالص والشهادة على الناس.
ثانيا، السؤال الإبراهيمي التاريخي: أصل المنهج القرآني ومركز رسالة التوحيد:
في مقابل هذا الدمج المصطنع، يقف *”السؤال الإبراهيمي التاريخي”* بوصفه سؤالا كاشفا ومحرِّرا، وقد ورد في سياق القرآن الكريم بلغة الإنكار والاحتجاج، على لسان إبراهيم عليه السلام:
*﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟﴾*.
ليس هذا السؤال – كما هو واضح من سياق المواجهة الحجاجية بين ابراهيم عليه السلام وقومه – استفهاما عابرا، بل هو منهج الرشد في قيادة التفكير العقائدي، لأنه يقوم على أسس منهجية صلبة:
– مساءلة موضوع العبادة:* لا مجرد الاعتراف النظري بالإله.
– كشف صور الشرك المتجددة:* سواء كانت أصناما حجرية أو منظومات فكرية وسياسية تُمنَح قداسة زائفة.
– تحرير الإنسان من التبعية العمياء:* وربطه مباشرة بمصدر العدل والحق.
ومن هنا، فإن *”الإبراهيمية” في التصور القرآني ليست مظلةَ دمجِ ما لا يُدمج، بل منهج فرزٍ وتمييزٍ ومُفاصلةٍ،* يضع التوحيد في مواجهة الشرك، والعدل في مواجهة الظلم، والعبودية لله في مواجهة العبوديات المتعددة.
ثالثا: تفوق “رشد السؤال الإبراهيمي” على “غواية الدمج الأبراهامي”:
إن “رشد السؤال الإبراهيمي”، كما قرره النص القرآني، يظل متفوقا وبشكل حاسم على *”غواية الدمج الديني الابراهامي”* التي تسعى إلى خلط المفاهيم، لأن من خصائص الرشد الإبراهيمي في هذا السؤال:
– خاصية الثبات: كونه لا يقبل التنازل عن مركزية التوحيد.
– خاصية الوضوح: كونه يرفض تسوية الحق بالباطل باسم”القواسم المشتركة”.
– خاصية المسؤولية: كونه يُبقي الدين فاعلا في التاريخ، شاهدا على الظلم ومناهضا له، لا شريكا في تبريره.
وعليه، فإن أي مشروع يُراد له الجمع بين الإسلام وغيره، دون الاحتكام إلى هذا الموقف الإبراهيمي الجوهري، إنما هو مشروع تسويغ للغواية، لا مشروع تبشير بالهداية؛ وبرنامج دمج سياسي مفروض، لا مسار تقاطع عقائدي طبيعي.
خاتمة:
إن الانتقال من وهم “غواية الدين الأبراهامي الجديد” إلى استعادة “رشد السؤال الإبراهيمي التاريخي” هو انتقال من التمييع إلى الوضوح، ومن التوظيف السياسي للدين إلى استرداد وظيفته التحررية والأخلاقية. *فإبراهيم عليه السلام لم يكن رمزا للدمج، بل كان إماما في المفاصلة،* ولم يكن جامعا بين المتناقضات، بل كاسرا للأصنام، أيا كانت صورها وأسماؤها.
ولذلك سيظل *”السؤال الإبراهيمي التاريخي”* حيّاً متجددا، يرفض كل محاولات طمس التوحيد، أو تحييد الدين عن معركة العدل والكرامة الإنسانية.
والله المستعان
19 شعبان 1447
7 يناير 2026




