الشهودمن اختيارنا

حاجة المسلمين لوقف تغذية دورة “التيه الاستراتيجي”

صراع السنة والشيعة نموذجا

 أولا، تمهيد قاسٍ لا بدّ منه: “الغباء الاستراتيجي” كمدخل سُنني للهزيمة:

   لم تكن قط أزمة الأمة الإسلامية المعاصرة أزمة نقص في الموارد أو عجز في الإمكانات، بقدر ما كانت وما زالت أزمة وعي استراتيجي غائب أو مغيَّب. فالحاجة اليوم إلى عقول تمتلك القدرة على الفهم الكلي، والاستشراف البعيد، وإدارة التعقيد، باتت أشدّ إلحاحا من الحاجة إلى الغذاء والدواء، لأن غياب هذا الوعي هو الذي جعل الأمة، على امتداد قرن كامل، قابلة لإعادة التشكيل والتفكيك والاستتباع، مهما امتلكت من دين عظيم، وحضارة عريقة، وطاقات بشرية، وثروات طبيعية.

    إن تتبّع مسار تمكين المشروع الصهيوني في قلب الجغرافيا الإسلامية، مقابل مسار الإضعاف الممنهج للأمة، يكشف بوضوح أن العامل الحاسم لم يكن تفوق الخصم في ذاته، بل حالة *”العمى الاستراتيجي الذاتي المزمن”.* وقد بدأت هذه الحالة مبكرا مع ما سُمّي بـ *”الثورة العربية الكبرى”* ، التي انتهت – في ميزان النتائج – إلى هدم دولة الخلافة، أي الإطار الجامع الذي مثّل، رغم علله القابلة والواجبة الإصلاح من الداخل، الحد الأدنى من وحدة القرار والمصير، وفتحت الباب واسعا أمام قرن من حالة *”اللادولة الجامعة”،* ومن التفكيك المنظَّم لشعوب ودول الحوض الحضاري الإسلامي.

 ثانيا، خطورة “التديُّن” : حين يتحوّل “التدين” إلى أداة تفكيك ل”الدين”:

    تعمّقت كارثة تفكيك الأمة على مراحل، حين تصدّر مشهد صناعة القرار من يفتقرون إلى الأفق الاستراتيجي، سواء منهم من تسلّقوا سدة الحكم، أو من اعتلوا منابر الفتوى، أو من تسيّدوا منصات تشكيل الثقافة والوعي، فتحول “الدين” في هذا المناخ من رسالته القرآنية الجامعة: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، إلى واقع ممزق يحكمه منطق: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. وهكذا انتقل “الدين” من مرجع للوحدة، ومن كونه إطارا جامعا لإدارة الخلاف، إلى “تديُّنٍ” استعمل أداة لإدامة الصراع، ووقودا لاستفحال الفرقة.

    نعم، لم تُقصِّر الأمة عبر تاريخها الطويل في التمسك ب”الدين”، لكنها قصّرت في التمييز بين “الدين” بوصفه وحيا هاديا لصناعة القوة والهيبة واستدامتهما، وبين أشكال “التدين” المغشوش التي صنعته العواطف المجروحة، والقراءات الطائفية، والتحيزات المذهبية، وجميعها غافلة عن مخططات المكر الخارجي. وكانت النتيجة، وفق منطق السنن الإلهية الناظمة لحركة التاريخ، تنازعا أفضى إلى الفشل، وفشلا مهّد لذهاب الريح، أي إلى فقدان الفعل والتأثير والهيبة الحضارية. في هذا المناخ الُمشبع بجرعات شديدة من “الغباء الاستراتيجي”، تحققت أعظم خسائر الأمة على الإطلاق: قابلية مذهلة للاستعمار الشامل، وتوطين سريع ل”الحل الصهيوني للمسألة اليهودية” في قلب جغرافيتها المقدسة. 

 *ثالثا، الصراع السني–الشيعي: انتصارات وهمية وخسارة استراتيجية مؤكدة* 

    خلال العقدين الأخيرين، انخرطت قطاعات واسعة من السنة والشيعة في قراءة تبسيطية وساذجة للصراع، يظن فيها كل طرف أنه المنتصر في عالم يتوهمه بلا لاعبين كبار. فقد توهّم كثير من الشيعة بعد الثورة الإيرانية أن تمدد النفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن على حساب السنة يمثل نصرا تاريخيا للطائفة ومذاهبها، دون إدراك أن هذا التمدد لم يكن تعبيرا عن قوة ذاتية مستقلة، بقدر ما كان – في الجزء غير المرئي منه – وظيفة وخدمة موجهة ضمن مخططات وتوازنات دولية وإقليمية أعقد من أن تدركها الفهوم المنكفئة والمنطفئة حضاريا، والتي استثمرت في الدم المسلم بصرف النظر عن فصيلته المذهبية.

    لاحقا، توهّم بعض السنة، في إطار فقه معين للقصاص، أن استنزاف الشيعة أو محاصرة إيران وأذرعها يشكّل تصفية لحساب تاريخي أو استردادا لمظالم متراكمة، دون وعي بأن الماكينة العالمية للتفكيك لا تعمل لصالح مذهب بعينه، بل لصالح إعادة تشكيل المنطقة على نحو يضمن تفوق المشروع الصهيوني وهيمنته طويلة الأمد. وهكذا تُغذّى دورة “التيه الاستراتيجي”: دماء تُستنزف، موارد تُهدر، مجتمعات تُدمّر، وخصم عقائدي وجودي واحد – ضد الجميع – يخرج في كل مرة أكثر علوا وإفسادا في الأرض.

 رابعا، جوهر “التيه الاستراتيجي” : أخطاء متبادلة ومأزق واحد: 

    إن الأخطاء الاستراتيجية الجسيمة التي ارتكبتها بعض الأنظمة العربية بدعمها حرب صدام حسين على إيران الثورة، سواء بدوافع الخوف على الأنظمة أو على التماسك الاجتماعي والمذهبي الهش، لا يمكن تبريرها عقلا ولا شرعا ولا مصلحة. غير أن هذه الأخطاء، مهما بلغت فداحتها، لا تبرر بدورها المسار الذي انتهجته إيران لاحقا، حين تبنت استراتيجية بناء النفوذ الإقليمي عبر تفكيك الكيانات العربية، وتحويل الانتماء المذهبي إلى أذرع مسلحة وأداة صراع دموي.

    لقد أسهم هذا المسار، من الطرفين، في تدمير مجتمعات كثيرة في الحوض الحضاري الإسلامي، وتعميق الشروخ النفسية والسياسية بين مكوناتها، وخلق بيئة دفعت بعض القوى العربية، عن يأس أو انتهاز، إلى البحث عن حماية خارجية، ولو كان ثمنها الارتهان لحسابات المشروع الصهيوني والتفريط في القضية المركزية للأمة. وهكذا التقت الأخطاء المتقابلة في إنتاج مأزق استراتيجي واحد، وتهديد وجودي يطال الجميع.

 خامسا، شرط الخروج من النفق: الجمع بين ثنائية الوعي القرآني والذكاء الاستراتيجي:

   إنه لا مخرج من هذا النفق المظلم لواقع الأمة بكل تعددها وغناها، إلا باستعادة “وعي قرآني رشيد”، يقرأ الواقع بفقه السنن لا بفقه الثأر، ويُخضع العاطفة الدينية لمعادلات المصلحة العليا الوجودية للأمة، لا العكس. فالقرآن لم يُنزَّل ليكون وقودا للصراعات العبثية، بل ليؤسس لعمران إنساني وحضاري راشد، يحتفي بالتعدد، ويدير الخلاف، ولا يحولهما إلى لعنة تاريخية.

    كما أنه لا بد من “ذكاء استراتيجي” قادر على التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، وواع بأن إدارة الصراع أخطر من خوضه. فالأجيال القادمة لن تحاكم صناع الحاضر والمستقبل على النوايا، بل على النتائج: هل ورّثها أمة متماسكة واعية؟ أم رحّلت إليها عبء شظايا طوائف وأعراق متناحرة بلا وزن ولا قرار؟

 *سادسا، في الحاجة إلى مصالحات تاريخية: الإصلاح الفكري الجذري كمدخل* 

    إن الحاجة الملحّة اليوم ليست إلى تسويات سياسية ظرفية تُدار ضمن سقف الهيمنة الدولية المجيَّرة لصالح تسييد المشروع الصهيوني في قلب الأمة، بل إلى مصالحة فكرية عميقة تقطع مع حالة “التيه الاستراتيجي”. فالتسويات غير المؤسسة على وعي معرفي صلب، غالبا ما تتحول إلى أدوات في مشروع تفكيك أوسع، مهما بدت برّاقة في ظاهرها.

    إن الإصلاح الفكري الجذري هو وحده القادر على كسر الحلقة المفرغة، ولن يكون إصلاحا حقيقيا ما لم يُعِد تعريف مفاهيم الأمة، والعدو، والمصلحة الوجودية، والقوة،  والوظيفة الحضارية الإسلامية، ومعنى الانتصار، خارج ثقافة “الغباء الاستراتيجي” التي تشكلها المفردات المنتظمة في ثنائيات: الطائفة-الغريزة، المذهب-الاقتتال، الانتقام-الثأر.. وغيرها. 

 سابعا، كسر دورة “التيه الاستراتيجي”: انقلاب الوعي شرط استعادة القوة والكرامة:

    لقد آن الأوان لإحداث انقلاب حقيقي في الوعي الاستراتيجي، يعيد للأمة بوصلتها، ويؤسس لتعاون تاريخي بين مكوناتها، لا على قاعدة إنكار الخلاف، بل على قاعدة إدارته بعقل “الانتماء ااجمعي للأمة” ومصالحها العليا، لا بعقل الجماعات البدائية التي خرجت من “عصر الأمة” منذ سقوط الخلافة الجامعة. إن الوحدة لا تعني التطابق، بل تعني القدرة على إدارة التنوع دون تحويله إلى سلاح تدمير ذاتي.

    عند هذه النقطة فقط، يمكن الحديث عن بداية العدّ التنازلي لتفكيك المشروع الصهيوني، ليس على أساس أوهام الشعارات، بل بصلابة الأمة التي استعادت وعيها، وامتلكت قرارها، وأدركت أن القوة والكرامة تُبنى وتُصان بالوعي لا بالاحتراب، وبالوحدة لا بالصراع، وأن الحقوق والمقدسات المسلوبة ستسترد حتما بالقوة التي يصنعهما الوعي والوحدة، لا بالتطبيع مع الفوضى التي يستفيد منها التناقض الوجودي للأمة، والذي بحرص على ضعفها وتشرذمها لاستدامة استباحتها، وتأبيد حالة اغتصاب كرامتها ومقدساتها.

والله المستعان

20 شعبان 1447

8 يناير 2026

الدكتور الحبيب الشوباني

الحبيب الشوباني سياسي إسلامي مغربي، انتخب برلمانيا لثلاث ولايات (2002-2012)، عين وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في 3 يناير 2012 في حكومة بنكيران إلى غاية 22 ماي 2015. ترأس مجلس جهة درعة تافيلالت خلال الولاية الانتدابية من 14 شتنبر 2015 إلى 8 شتنبر 2021. حاصل على إجازة في الفيزياء ودكتوراة في العلوم السياسية. - صدر له كتاب (المجتمع المدني كمحفز وجودي لكيمياء دولة الحكم الرشيد) - وكتاب (المسألة اليهودية في عصر الطوفان: في بناء سردية المأزق الوجودي للحل الصهيوني) وكتاب (الدولة والمجتمع المدني بالمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى