السياسةالعمران المعنويالفلسفة والتاريختجلي الحريةمن اختيارنا

بين الوعدين: “ردّ الكرّة” (2/3)

توقّعٌ استشرافيّ لما بعد هدنة الطوفان
قراءةٌ مستجدّة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾

(فلسطين خلال الوعدين: قراءة سيميائية استشرافية من الوعد بالبعث إلى الوعد بالتتبير)

بقلم: ماهر الملاخ

مقدمة المقالة الثانية:

بعد أن تجلّى النصّ القرآنيّ في السابع من أكتوبر، بما مثّله من تحقّقٍ حيّ لآية «الجوس خلال الديار»، نجد أنفسنا على العتبة الثانية من الدورة الكبرى: عتبة ردّ الكَرّة، حيث يبدأ التاريخُ استدارته الخفيّة بين الوعدين. فكما أن ما بعد الجوس ليس انهزاما لأهل الحق، فهو أيضا ليس انتصارا لأهل الباطل. ذلك أن سنّة الله لا تسير بخطٍّ مستقيمٍ مكشوف، بل بحركةٍ دائريةٍ باطنية، تُعيد التوازن بين القوّة والمعنى، بين من يصابر بعمق الهداية، ومن يطغى بظاهر القوة.

تبدو غزة اليوم بعد العدوان، في ظاهر الأحداث، جريحة متألمة محاصرة.. كما يظهر الكيان الصهيوني قويا فتيا متحفّزا. غير أننا في حقيقة الأمر قد دخلنا مرحلة ما بين الكرتين: بين الوعد الأول بالجوس خلال الديار، وهو ما تحقق في السابع من أكتوبر، وبين الوعد الثاني بإساءة الوجه والتتبير، وهو ما سيتحقق خلال السنوات القادمة.

إنها بداية “الكَرّة المرتدّة”، حيث يُمتحن أهل الحقّ ليزدادوا صفاءً، ويُملى لأهل الباطل ليزدادوا اغترارا. هو في منطق الوحي ميزانُ عدلٍ يعيد للسنّة اعتبارها.

بهذا المعنى، لا تُقرأ آية ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ كإشارةٍ على انتكاسٍ عسكريٍّ أو غلبةٍ ميدانيةٍ، بل كإعلانٍ عن مرحلةٍ كونيةٍ جديدة: مرحلة الحق الصادق قبل أن ينتصر، والعلوّ الكاذب قبل أن ينكسر،

هذه المقالة إذًا لا تتناول الحرب ولا الهدنة كوقائع سياسية، بل كعلاماتٍ سيميائيةٍ تُجسّد قانون الإمهال قبل الإزالة، وإيهام الغرور قبل التتبير. ومن خلالها نقرأ خمس محطّاتٍ متتابعة تمثّل الصيرورة الأولى من الوعدين:

  • هدنة الاستدراج – ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: بداية الميزان المقلوب؛ حيث يُمكَّن الباطل ليُفتَضَح، ويُضيَّق على الحقّ ليُزكّى.
  • الإمداد الموهوم – ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: تدفّق المال والسلاح لا بوصفه تقوية، بل إتخاما يُغرق الكيان في فائضه.
  • الاغترار والنفير – ﴿وَجَعَلْنَاكُم أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: تضخّم القوّة إلى حدّ الرهاب، وتحوّل الكثرة إلى وهنٍ جماعيٍّ يسبق الانهيار.
  • تبذير الفرصة الاخيرة: (إن احسنتم أحسنتم لأنفسكم): التمادي في الإساءة بتماهي اليسار مع اليمين وانغلاق لغة العقل.
  • إقامة الهيكل الثالث – ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: تتويج العلوّ بالتمرّد على القداسة، حيث يُعاد بناء الرمز لينهدم المعنى من داخله.

لذلك كله، لا مجال لكي نمارس قراءة الفنجان لأحداث متغيّرة، وإنما نستشرف ملامح المستقبل وفق سنن ثابتة.  

المحطة الأولى: ردّ الكرّة وهدنة الاستدراج – ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾

لقد تولّى حلفاءُ العدوان حياكة هدنةٍ تتزيّا بلبوس السلام، دفعهم إلى ذلك هدفان: تجديد الحصار على غزة واحتواء مقاومتها. والثاني المكمّل للأول: كفّ يد الكيان عن الاستمرار في عدوانه، ليس عطفا على أهل غزة، وإنما خوفا على الحليف الذي رعَوه عقودًا، بعدما تجاوز الحدّ الوظيفيّ الذي رُسم له، حيث لم يعُد الدم الغزاوي المسفوح خادما لوجوده ووجودهم، بل غدا ثقبا أسود يهدّد بالاندثار مشروع هيمنتهم ونظام ظلمهم.

وهكذا تتحرّك السُّنّة الكونية في مجراها الخفيّ: حين يخشى الباطل على باطله رغم تفوّقه، يمكَّن لأهل الحقّ بلوغ حقهم رغم ضعفهم، إذ يساق الشر المطلق، من حيث لا يدري ولا يريد، ليُمهّد طريقًا يعبر عليه الخير من حيث يشاء الله.

نعم لقد سكت هدير القصف، غير أن نَفَس العدوان لم يتوقّف، وخَفَت صوتُ قنابل الـGBU-72 المنطلِقة من قاعدة رامون، لكنّ وجها آخر للعدوان آخذ في التشكّل؛ معركةٌ لا تُرى في سماء غزة، بل تُكتب في غرف واشنطن، حيث يتعاضد الكيانُ ولفيفُه تعاضد الجسد بأعضائه: يتراجع الأول خلف خط أصفر، ليُمدّ الثاني خريطةً حُفرت بحدود الجثث. ويتوقّف صوت الزنانات والـF-35، لتحلّ محلّه الطبقة الناعمة لصوت “كوشنر“، حين يعيد تسعير دماء غزة في بورصة العقارات.

وحين يعجز الكيانُ الصهيوني عن إقناع شتاته المرتاب بحكاية “النصر المطلق”، يتحرّك حلفاؤه لإخماد جنوحه؛ بمزيد من السلاح والمال. فالكيان، في منطقه التكوينيّ ، كائنٌ معجون بالخوف والرعب؛ لا يثبت إلا بالإمداد، ولا يتوازن إلا بالعدوان. فإذا مُنع من ذلك، بدأ جسده بالتفسّخ كما يتفسّخ جسدٌ مريض طال مكثه بالعناية المركزة حين تتوقّف عنه التغذية المحقونة والتنفس الاصطناعي.

ولذلك كانت الهدنة ـ وإن جاءت اضطرارًا تكتيكيًّا ـ أخطرَ على الكيان من حربٍ مفتوحةٍ لم تُحقّق له هدفًا واحدًا طوال سنتين من الشرّ المطلق. فالهدنة، وإن بدت ملغومة، تُفاقم شروخه الداخلية، وتُشعل حروبه الصغيرة والكبيرة، وتكشف ما كان يخفيه هدير الطائرات من أعطابٍ في بنيته الأخلاقية. والأخطر، أنّ الانهيار الأخلاقي الذي مارسه على ضحاياه بدأ يرتدّ عليه داخله، فقد سجّلت المنظومة الأمنية والسياسية الصهيونية ارتفاعًا حادًّا في معدّلات العنف الداخلي، وتدهورًا غير مسبوق في أخلاق الصراع بينهم، حتى غدا الاحتفاء بالمنتهِكين والمغتصِبين ظاهرةً “وطنية”، وكأنّ المجرم بطلٌ يُخلَّد، بينما تطارَد المدعية العامة لجيشه لأنها فضحت، لحساباتها الشخصية، جريمة الاغتصاب، حتى حاولت الانتحار مرتين. هكذا، إنه قانون “الانعكاس الرمزي“، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ. إذ يتآكل الكيان من داخله بما صنعته يداه، ويبدأ باطنُه في التهام ظاهرِه وفق قانون سنّة ارتداد الدلالة على صاحبها.

وهكذا يتبدّى وجهُ السُّنّة لمن أبصر موضع العمل لا شكل الحدث؛ فإنّ ما ينهار في ظاهر الكيان ليس جدارًا سياسيًّا، بل ميزانُه الداخليّ الذي كان يتقوّى بضعف غيره. فإذا توقّف مدّ العدوان، وقع في حالة التآكل. والسكون في عرف المعتدي أشدُّ عليه من القتال، لأنّ القتال يُبرّر وجوده، أمّا السكون فيعيده إلى مواجهة نفسه، إلى النقطة التي يكتشف فيها جوهرَ بنيته: بنيةٌ قوامها الخوف ولبوسها الادعاء، فلا تعرف معنى لصدقِ أو طمأنينة. متشكِّلة بحقد الانتقام وعقدة الدونية، فلا تحتمل صفو الحياة ولا التعامل بالمساواة.

في لحظات الهدنة يعلو صوت الحق في ضمير الاعتداء: فتتفاقم الشروخ التي ظنّها مجرّد اختلاف سياسيّ داخل جدران الكنيست، وتشتعل النيران التي حسبها مجرّد سجالات حزبيّة على قنواته العبرية.

ذلك أنّ السنّة لا تتحرّك على جسد الحدث، بل عبر روحه؛ تُمهل العلوّ حتى يكتمل حجمه، ثم تُلقي عليه بكلكلها. وكما يُمحَّص أهلُ الحقّ بالضيق، يعاني أهلُ الباطل بالوسع، حتى يتبيّن للعيان أنّ القوة التي تعلو بصاحبها فوق الضحايا، تهوي به أسرع ما يكون إلى قعرها.

في هذا المشهد يقف العلوّ الإسرائيليّ كما وقف فرعونُ بالأمس، فصاح مفتونًا بظلّه: “أليس لي ملكُ مصر؟“، إنه ذات الغرور ولو تبدّلت الأدوار وتغيرت الأحوال، إلأ أن حقيقة الغرور لا تزال ثابتة: لم يتغير منه إلا الشكل؛ يغمر صاحبَه النسيانُ فلا يعتبر بماضِ، ويغشاه السُّكر فلا يبصر آتِ، وتطمس بصيرتَه العمى فلا يستشرف مصيرا. كيانٌ يتقدّم بثقةٍ رعناء نحو حتفه، تقوقع على ذاته، حتى اتّخذ من صدى صوته دليلًا، ومن ظلّه مرشدًا.

وفي المقابل، وقف أهلُ الحقّ على الضفّة الأخرى من التاريخ، يواجهون الخوف باليقين، والجوع بالكبرياء، والفقر بالتعفّف، والفقد بالحمد؛ فارتقوا بذلك من طور الصمود إلى طور الصبر، ومن طور الصبر إلى مصابرةٍ لا تُقاس بالعدّة، بل تُقاس بعمق الروح حين تُختبر في أشدّ مواطن الابتلاء.

يراد منهم اليوم مقايضة السلاح بخطة “ترامب” من أجل البقاء، والذاكرةَ بالرفاه والنسيان. يراد منهم لعن اليوم الذي قاموا فيه، واليوم الذي عزموا فيه، واليوم الذي اقتحموا فيه. مقابل “حياة”، حياة تليق بالخانعين، وعيش يليق بالعبيد.

لكن الصيرورة القرآنية تعمل في اتجاهٍ آخر: كلّ قيدٍ يُفرض على صاحب الحق اليوم يتحوّل إلى قوة دفع غدا، وكلّ محاولةٍ لإقصائهم نحو الهامش اليوم تعيدهم إلى مركز القرار غدا.

ومن هنا تُفتح عتبة المرحلة التالية: مرحلة الإمداد الموهوم؛ حين يُغدَق السلاح والمال على كيانٍ يتآكل من الداخل، ليُثبِت مرّةً أخرى أنّ الإغراق في النعمة غير المستحَقّة هو الاستدراج الأعظم نحو الجزاء المستحقّ.

المحطة الثانية: الإمداد الموهوم – ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾:

الإمدادُ في حقيقته ليس مجرّدَ منح وعطاء، بل محاولة تأجيل أجَلِ موقوت للفناء. هو مدٌّ خارجي للكيان بما يُظنّ أنه تمديد لحياة الذات، غير أنه تسريع لإنهاء الأجل. فـآية ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم﴾ ليست منحة إسناد، بل علامة بوار.

وفي حالة الدعم الغربي الأمريكي للكيان، فهو لا يتحرّك، حسب سنّة الإمداد، كأرقامٍ تُرصَد في خانة الميزانيات، بل كنسقٍ قدَريٍّ صامت، يشدّ مشروعه من جذوره، ويزوّده بما يحتاجه، ليستمرّ في العلوّ الذي يسبق السقوط. فالإمداد هنا ليس تمكين بنفقة دعم، بل مقامرة بدعم وجود.

فعلى امتداد عقدٍ من الزمان، تراوحت المساعدات الأميركية بين 3.3 و3.8 مليارات دولار سنويًا؛ رقمٌ ثابت كأنه آية في سفرِ كتاب مقدس، لا بندٌ من بنود التزام سياسي. هذا المستوى من الثبات لا يرتبط بتفاعلٍ معيّن مع الأحداث، بل بتقعيد مؤبّد للعلاقة، أرادت به واشنطن أن تجعل الاستعلاء الصهيوني حالةً بنيوية مستدامة، لا لحظةً ديناميكية عابرة.

لم يكن التفوّق العسكري الصهيوني مجرّد صدى لجيشٍ صغيرٍ محاطٍ ب”أعداء”، بل بنيةً تقنيةً هائلة تُسنِدها القوى الكبرى في العلن، حتى غدا القوة العسكرية ال 17 عالميا. لتظل طائرات F-35 تعربد في سماء المنطقة دون رادع، لا تكشفها راداراتُ ولا تطاردها طائرات.

وكما هو الأمر في السماء، فتحت سطح الأرض تتشابك طبقاتُ الاستخبارات السيبرانية التي جعلت من قاعدة غليّوت قرب تلّ أبيب مركزَ العصب الرقمي للكيان؛ هناك تتمركز الوحدة 8200 بوصفها العين التي لا تنام، تلتقط نبض الاتصالات في الشرق كلّه. وإلى الجنوب، تمتدّ يدها الثانية في قاعدة أوريم في عمق النقب، محطةٍ ضخمةٍ لالتقاط الإشارات وتجميعها، حيث تتدفّق المعلومات عبر شبكاتٍ لا يراها أحد، لكنها تُدير نصف الحرب في الظلّ.

وفوق هذا الجذر الخفيّ، ترتفع على الحدود طبقاتُ الاعتراض الصاروخي: القبة الحديدية في الأسفل، ثم مقلاع داود، تعلوهما منظومات حيتس-2 وحيتس-3.. تركيبة هندسية متكاملة، صيغت لتُقنع الكيان بأنّ السماء لن تُفلت منها سهمًا واحدًا.

وفوق كل تلك الهندسة المعقّدة يظلّ العنوان الأكبر: الترسانة النووية التي تقدّرها المراكز الدولية بين 80 و120 رأسًا نوويا، موزّعةً بين قواعد البرّ في ديمونة، وغواصات “دولفين” الألمانية في البحر الأبيض المتوسط، القابعة في عمق البحر، كوحش خرافي متحفزّ للتحرك في أي وقت، لأجل الانقضاض من أعماق البحر إلى فضاء السماء، على أي هدف في المنطقة. وهو سلاح مجهّز لقتل ما بين 7 إلى 20 مليون نسمة خلال 24 ساعة الأولى، والتسبب بموت ما بين 50 و300 مليون خلال شهر واحد.. إنه الشبح الذي يحاول به الكيان أن يوازن خوفه، أكثر مما يوازن أعداءه.

ومن بين طبقات هذا الإمداد المباشر، تبرز البنية الأكثر تعبيرا في حالة الكيان: مخازن الطوارئ الأميركية WRSA-I، المخزن الذي يتنفّس به العلوّ من رئتين ليستا له: ففي عمق أراضي فلسطين المحتلّة تنتشر شبكةٌ من المستودعات العسكرية الأميركية تُقدَّر قيمتها بأكثر من 1.8 مليار دولار، تضمّ: قذائف 155 ملم، وذخائر هاون، وقنابلَ ثقيلة من طراز Iron Bombs، وقطع غيار للدبابات والمدرّعات، ومنظومات اتصالات، ومستشفى ميداني بسعة 500 سرير.

هذه المخازن ليست مجرد احتياط استراتيجي لواشنطن؛ إنها آلية تسليم فوريّ تُمكّن الجيش الصهيوني من الحصول على الذخائر خلال ساعات، كما حدث خلال حرب 2014، ثم بصورة أوسع بعد 7 أكتوبر 2023، لتعويض النقص الحادّ في القذائف. ومنذ مذكرة التفاهم لعام 2016، تحوّلت هذه الشبكة إلى عصب لوجستي متوتّر، يمنح الكيان قدرةً اصطناعية عالية على البقاء.

هنا تظهر العلامة السيميائية بجلاء: فالإمداد ليس ترفا للتفوق بل حبل حياة للوجود، والعلوّ ليس ثمرة قوةٍ ذاتية، بل بنيةٌ تستعير قدرتها من الغير. إنّ WRSA-I هو المحرار التقني الذي يكشف أنّ الكيان يعيش على الإسناد المباشر، لا على الاكتفاء، وعلى الاستعارة لا على الأصالة.

غير أن طوفان الأقصى حينما حلّ، كشف طبقةً أعمق لذلك الإمداد: إذ تجاوز الدعمُ الاعتياديَّ حدودَه، وقفز إلى ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار من المساعدات العسكرية المعلنة، فضلًا عن رزمة صفقات سلاحٍ قائمة تتراوح بين 9.6 و12 مليار دولار قيد التنفيذ في السنوات المقبلة.

يجري كلّ ذلك تحت سقف مذكرة التفاهم لعام 2016، التي التزمت فيها واشنطن بضخّ 38 مليار دولار بين 2019 و2028؛ ذلك الالتزام الذي تم استهلاكه كليا خلال سنتي العدوان، بما يستلزم تجديده. لأنه التزامٌ يضمن استمرار الإمداد، حتى دون إعلانٍ سياسيّ جديد، وكأنّ ذلك الحبل من العطاء قد أصبح مقرّرا بالجبِلّة، بقوة الدفع الأولى، وليس بدافع الحسابات والمصلحة.

هكذا تظهر سُنّة الإمداد على حقيقتها: فهي ليست دفعات مالية تحوّل، أوشحنا بحريا وجويا يبعث، إنه بنيةَ إسنادٍ هيكليّ تُمدّ بها قوةٌ عظمى كيانا عاجزا عن البقاء من تلقاء نفسه. وبذلك يتحوّل ذلك الضخّ المفتوح إلى حالة تورّمٌ دلاليٌّ، يغذّي خلاياه السرطانية أكثر فأكثر.

وبالمناسبة، فليس الإمدادُ الذي يُغدَق اليوم على الكيان بدعًا في التاريخ؛ فلقد سبقته إمبراطورياتٌ ظنّت أن السيف يشتدّ بثقل الحديد، وأن المُلك يثبت باحتشاد الجند.. فإذا بالكثرة تصبح فخًّا، وبالوفرة تتحوّل إلى وبال: هكذا وقف الامبراطور الروماني رومولوس أوغوستولوس، يوما ما، مزهوا بجيش روما الذي لا يهزم، حيث كانت روما خلال القرن الخامس الميلادي مدينةً مُترفة بالذهب، متخمة بالجنود، تحيط بها أممٌ تستجدي تطبيع العلاقات معها. وحين اكتمل التورّم، لم تسقط الإمبراطورية بضربة عدوّ، بل بثقل ما حُمّلت به من أوزار الإمداد، فانهارت من الداخل، بعد بضع سنين قليلة، قبل أن يتحرك القائد الجرماني أودواكر ليزيح الإمبراطور نفسه الذي كان قبل بضع سنين قليلة، يستعرض قوته أمام الشعوب. تلك هي سنّة الإمداد حين ينفصل الدعم عن المعنى: أن يُعطى الباطل ليغترّ، ويغترّ ليتضخّم، ويتضخّم ليقع بثقله قبل ضربة خصمه.

وما أشبه الليلة بالبارحة: فالإمداد الذي يصل إلى الكيان اليوم – مالًا وسلاحًا ونفوذًا – لا يرمِّم هشاشته، بل يكشفها، ولا يقوّي بنيانه، بل يسرّع شيخوخته. وهنا تتأكّد القاعدة الخفيّة التي توجّه حركة التاريخ: أن الإغراق في النعمة هو الاستدراج الأعظم؛ وأنّ المال الذي يُضَخُّ في جسدٍ خائف ليشدّ من أزره يزيده رعبا واهتزازا، وكلَّ سلاحٍ يُشحن إلى مرافئ كيان علوٍّ متصدّع، يقرّبه أكثر فأكثر من لحظة انهياره وزواله.

وإذا كانت سُنّة الإمداد قد ظهرت في جانب العلوّ كفيضٍ من المال والسلاح يورثه التورّم، فإنّ وجهها المقابل على أهل الحقّ، لا يقوم على الإمداد، بل على الإقتار. إقتار يزيد صاحب الحق تشبّثا بحقه: فالمقاومة لا تُمَدّ بالسلاح بقدر ما تتجذّر بالمعنى، ولا تُرفَد بالمال بقدر ما تُرصّ بالإيمان. ذلك أنّ الحقّ لا يتقوّى بالوفرة، بل بقانون المحنة الذي يُعيد صياغة جوهره كلما ضاق عليه الخناق.

ومن دلائل ذلك أنّ سنوات الحرب والحصار الطويلة ـ على قساوتها وشدّتها ـ قد أنشأت داخل غزة جيل اقتحام الغلاف يوم السابع من أكتوبر، كبنيةً إمداد نعم، ولكن من عمق الذات: بنية لم تتشكّل خارج القطاع، بل من حلقات تحفيظ القرآن تحت قبب المساجد، وخلايا التنظيمات داخل البيوت، وحكايات البطولة والفداء التي تحكيها الجدات للأحفاد قبل النوم. ذلك هو ما يمدّ مجتمع المقاومة، من الجد للإبن للحفيد، حاضِنة للقيمة، ومنتِجة للمعنى. وهو ذاته ما يحوّل حالة الندرة إلى نظامٍ للوفرة، وما يخلق من الفقد كسبا لا يضاهى. هو ما يجعل المقاوم ينشئ في بطن الأرض مدينة للصمود، وهو ذاته ما يدفع الإنسان الغزّي لينصب فوق الركام المهدّم خيمة للبقاء.

فبينما يتورّم العلوّ بكثرة الإمداد، تتقوّى المقاومة بعمق المعنى. إنه إمداد القيمة مقابل إمداد القوة. ذلك هو ميزان الإمداد، بين ما يثقل الباطل حتى يتفسّخ، وما يُخفّف الحقّ حتى ينمو. وما بين كفّتي الحالتين يتحقّق توازن التاريخ، ولو بعد حين.

المحطة الثالثة: النفير كثرة – ﴿وَجَعَلْنَاكُم أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾:

النفير” في اللغة هو استنفارُ الجموع، أمّا في منطق السنّة فهو لحظةُ الغرور التي يسبقها العمى البصيريّ. إنه اندفاع المتخوم حين يفقد بوصلته. يتجسّد في هذه الآية ﴿وَجَعَلْنَاكُم أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ قانونٌ قديمٌ يعيد نفسه في كلّ حضارةٍ بلغت ذروتها: أنّ الكثرة حين تُستخدم لإثبات الذات، تُصبح إيذانًا بزوالها، وكلُّ تمدّدٍ حين يتوسّع بلا توازنٍ، يُنذر بفقدان مركزه.

فمنذ اللحظة الأولى لقيام الكيان سنة 1948، كانت عصابات الهاغاناه والأراغون والشيترن، وهي تقتحم ميناء حيفا، مدجّجة بأنواع مختلفة من البنادق، ومن بينها البندقية البريطانية لي–إنفيلد Lee–Enfield، والبندقية الروسية موصل–ناغان Mosin–Nagant، ثم بندقية ماوزر Mauser Karabiner 98k الألمانية ، فبندقية شتاير–مانليشر Steyr–Mannlicher M1895 النمساوية.

لفيف مؤازِر للعدوان، يدلّ على استنفرار شرقي وغربي متنوّع، لدعم قيام كيان مصطنع. غير أن البندقيات التي رفعتها تلك العصابات لم تكن إلا قناعًا يخفي جرثومة الخوف التي وُلد منها ذلك الكيان. فكلّ حربٍ سيخوضها، منذ ذلك الوقت، لن تكون أبدا دفاعًا عن وجودٍ مستقرّ، بل بحثًا محمومًا عن يقينٍ مفقود. ومع كلّ معركة، كانت السُّنّة التاريخية تُراكم في الظاهر أشواك النفير، فيما تُسرّب في الباطن بذور الانهيار.

لقد كانت حربُ 1948 باكورةَ العلوّ على أشلاء المشردين. كما كان عدوان 1956 محاولة لتثبيت تحالفٍ، يستعير شرعية لا يملكها.

وأما سنة 1967، فبالرغم من أن جسد الكيان كان قد تمدّد بها، غير أن روحه تقلّصت؛ وارتفع السقف العسكري إلى الأعلى، غير أن سقفه الأخلاقي نزل إلى الحضيض، كأنّ بداية توسّع الأرض بين يديه كانت نذيرا بضيق المعنى لديه.

ثم جاءت سنة 1973 لتُحدث الشرخ الأول في مرايا العلوّ؛ يومَ تكسّرت أسطورة “الجيش الذي لا يُهزم”، واتّضح أنّ القوة التي تدّعي التفوق المطلق ليست في حقيقتها إلا زيفا مطلقا.

لكنّ، بعد ذلك جاءت الضربة الأعمق من قوّةٍ بلا دولة: فمنذ اندحار الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بدأت في تلك اللحظة دورته السيميائية لانحداره، تعمل في صمت قاتل: يرتفع منسوب النفير حين يعجز العلوّ عن كسر إرادة تحرّر تقف على حدود معناه، لا على حدود جغرافيته فقط.

ثم جاء تمّوز 2006 ليعلن أن الصدع لم يكن عابرًا: جيشٌ يملك الجوّ والبحر والبرّ، يتراجع أمام مقاتلين يملكون الأرض والإيمان؛ فتتضخّم القوة ماديًا، وتنكمش معنويًا، ويكثر السلاح ويقلّ اليقين.

وبعد لبنان، سيُستدرج كيان العلو لأوّل مرة نحو الداخل: انتفاضةٌ أولى، فثانية، فحروب غزة المتتالية 2008 و2012 و2014 و2021… حروبٌ خاضها العدوان لإغراق المشهد بضجيج الرصاص والتفجيرات، لستر اهتزازه الداخلي، لكنّ الضجيج لم يفلح في حجب الحقيقة: فكلّ جولةٍ كانت تتطلّب من الكيان استنفارَ أكبر عدد من ذي قبل.

كانت كلّ حربٍ تضخيما جديدا لرصيد “الأكثر نفيرًا“، وكلّ نفيرٍ أكثر يفاقم من تورّم البنية أكثر فأكثر. ومع كلّ جولة، كان يحتاج الكيان إلى مزيد من إجراءات الاحتياط، ومزيدِ من قوانين تحمي جنوده من المحاكمة عند قيامهم ب”واجب” الإبادة والعدوان.

غير أن السابعُ من أكتوبر كان الضربة الأخطر على وجود “النفير”، فإذا هو كثرةٌ تتحرّك بدون روح، وجيشٌ يحارب بلا أخلاق، وقيادة تتخبّط كل يوم في تحديد الهدف من الحرب.

في طوفان الأقصى فقَدَ العلوّ معناه تماما، وتحوّل النفير من علامة سيطرة إلى علامة ارتباك، وغدا “الأكثر نفيرًا” هو الأكثرَ فشلا وهشاشةً.

مرت سنتان من الإبادة العمياء، ولم يحقّق فيها النفير أيّا من أهدافه، بعدها سيبدو الكيانُ مهووسا بالعدوان متعطّشا إلى مزيد من الدماء، ولكنه سيبدو أيضا كجسدٍ مرتجفٍ يبحث عن ظلّ؛ كأنّ الضربة التي تلقّاها في السابع من أكتوبر لم تُصِب غلاف استيطانه فحسب، بل أصابت الجهاز العصبي لغروره أيضا. ومنذ تلك اللحظة سيعمل على تفريغ شحنة ذُهانه خارج الحدود، لمحاولة استعادة كل ما فقد، وما فقده لم يكن قليلا. لن تكون ضرباتُه ضرباتِ المنتصر المسيطر، بل خبط عشواء مرتجفة بلهاء، تضرب في كل اتجاه وفي كل وقت، بدون مقدمات سابقة ولا مبرّرات لاحقة، لا لشيء إلا لتقنع نفسها أنها ما تزال مسيطرة على المرحلة.

هكذا ستتكرر هجمات الكيان على سوريا، بضرب المطارات وقصف دمشق وحلب والتدخل في السويداء والسيطرة على درعا وجبل الشيخ..جبهة مرشحة بدرجة عليا لتمثّل ساحة اصطدام عسكري شديد، بين الجيش التركي السوري والصهيوني.. كما أنها الجبهة الاكثر قابلية للتحوّل لتمثل الاختراق الأول، بعد بضع سنين، لحدود الشمال الفلسطيني.. اختراق قد يكون بدون تراجع، حتى إسقاط الكيان، ولو بدا الأمر اليوم مستبعدا.

أمّا ضرباتُ لبنان فستكون ارتدادًا مباشرًا للصدمة: استمرار القصف اليوميّ، والاغتيالات المتفرّقة، مع فشل ذريع في تحقيق الهدف “الأسمى” للكيان: نزع سلاح المقاومة.

وستمتدّ يده المرتجفة إلى العراق أيضا: ضرباتٌ يسميها “وقائيّة استباقية”، لكنها في ميزان السنّة التاريخية “استباقية عبثية”؛ فالدولة الواثقة لا تضرب الأطراف كلَّ يوم، وإنما تتحكّم في مركزها أوّلًا.

وأما في اليمن، فسيستمرّ الردّ على الهجمات البحرية، ولو بأثر رجعي، في مشهد هو أقرب إلى “استعراض البقاء” منه إلى “احتواء الوضع”: ضرباتٌ من مسافات بعيدة، لا تغيّر شيئًا في توازن القوة للدولة، لكنها سعي يائس لاستعادة التوازن النفسي للكيان.

أمّا على الجبهة الأكثر إرعابا للكيان، جبهة إيران، فستستمر الاغتيالاتٌ الصامتة، واستهدافات المستشارين والعلماء، ومحاولاتُ ضرب مواقع نووية في العمق الإيراني.. ضربات لن تفيد في تحجيم الرعب الاستراتيجية، لكنها تحقّق انكشافًا كاملا لبنية العلوّ.

من بين كلّ اعتداءات ما بعد 7 أكتوبر، تظلّ هجمة الدوحة في 9 سبتمبر العلامةَ الأكثر انكشافًا: اندفاع 12 طائرة F-35 نحو العاصمة القطرية في محاولةٍ لاغتيال الوفد الفلسطيني المفاوض. لم يكن ذلك عملاً عسكريًا، بل انفلاتًا من منطق الدولة؛ إذ لم تُستهدف جبهة مقاتلة، بل مساحةٌ محايدة تمثّل آخر خيطٍ دبلوماسيّ يربط الميدان بالعقل. وكانت حصيلة ذلك العدوان إضعاف شديد لموقف الكيان، وتحقيق سريع لما كان الكيان منه يحيد: فرض هدنة تتحول إلى وقف للحرب.

في لغة السنّة، يمثل هذ السلوك قمة الارتباك وفقدان البوصلة: حين يبدأ العلوّ بالصراع مع “فضاء الوساطة” لا “فضاء الخصومة”، فهذا يعني أنّ البنية قد فقدت رحاها. فالهجوم لم يُظهر قدرةً على الوصول، بل هلعًا من الوصول إلى لحظة تفاوضٍ لا يتحكم فيها.

وما بين غزة وسوريا ولبنان والعراق واليمن وإيران وقطر، لن تكون الضرباتُ سوى توطيدا مزيّفا لدلالة الاستمرار والبقاء، فكلّ ضربةٍ ستكشف أكثر مما ستخفي: أنّ العلوّ قد بلغ قمّته، وأنّ اليد التي تمتدّ بالعدوان على الخارج دون حساب، هي ذاتها اليد التي لم تعد قادرة على حماية كيانها من الداخل.. ولن يكون لكل ذلك تفسير في معاجم الحروب العسكرية، وإنما سنجد تفسيرا له بالتأكيد في قواميس العلل النفسية.

سيفشل في النهاية قائد اللحظة الداكنة، نتانياهو، والرمزُ المطلق لارتجاج المنظومة، بوصفه التجسيد الأعرى لأزمة الكيان. فهو حالة مطاردة بشرعيّة تتآكل في الخارج، ومحاصرة بانهيار الثقة من الداخل. وبذلك لن يكون أمامه إلا الفرار إلى “الخارج” حين ستتهاوى جدران “الداخل”. وإلى أي خارج سيلجأ ؟ فأحكام العدل الدولية قد ضيّقت عليه خيارات الجغرافيا، حتى في القلعة التاريخية للصهيونية، ورمز اللفيف الداعم للكيان: مدينة “التفاحة الكبرى”، نيويورك.

فلا نفير يُنقذ كيانا فقَد نصف شعبه، ولا هدنةٌ تؤوي زعيمًا يطارده أنصاره قبل خصومه. ولأنه يدرك أنّ نهاية مساره لن تكون ب”نصر مطلق” مزعوم في غزة، بل في محاكمة شاملة في تل أبيب.. فسوف يختار الهروب إلى الأمام..

المحطة الرابعة: تبذير الفرصة الاخيرة: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)

وهكذا، بينما كانت السنّة تمنحُ العلوَّ آخرَ هامشٍ من الإمكان في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾، ستختار المنظومةُ الإسرائيلية الطريقَ الوحيد الذي يُغلق كلَّ أبواب الإحسان: طريقَ التمادي في العلو والعدوان: . فتندفع حكومةُ الكيان، في أعقاب هدنة الطوفان، إلى أبعد نقطة في منطق الإفساد: تضاعفُ الاستيطان كاجتياحٍ بطيء للأرض، وازديادُ تهجير الفلسطينيين من قراهم ومنازلهم، وتوسيعُ دائرة الاعتقال حتى تبلغ أعداد الأسرى مستوى غير مسبوق، وصولًا إلى تنفيذ قانون إعدام الأسرى؛ قانونٍ يكشف سقوطَ آخر قناعٍ أخلاقيٍّ كانوا يتزيّنون به. ثم يختتم كل ذلك بالإنكارُ السافرُ لأيّ حقٍّ للفلسطينيين في إقامة دولتهم، حتى على حدود 1967، ليُعلن للعالم أن “الفرصة الأخيرة” لم تُتدارك، بل تمَّ سحقُها تحت جنازير المشروع الاستعماريّ.

وأمام هذا الانحدار، لا تنمحي المسافة بين معتدل ومتشدد؛ حيث يمّحي اليسارُ الإسرائيلي داخل موجة اليمين الجامح، والتي ستكتسح جل مقاعد الكنيست الصهيوني،  يتماهى الخطاب السياسي حول فكرةٍ واحدة: اقتلاع ما تبقى في الأرض من جذور الفلسطيني.. وهكذا ستتجلى آية “الإحسان” في أوضح صورها: فحين ستُعرض على كيان العلوّ فرصته الأخيرة لإنقاذ نفسه، سيغرق أكثر في غيه وظلمه. ببناء رمز العلو الأخير: الهيكل الثالث، لينفتح بعد ذلك الباب واسعا أمام الوعد الأخير: وعد استعادة عباد الله زمام المبادرة، حيث المرحلة الخفيّة بين انغلاق باب الإحسان و بدء إساءة الوجه.

 

المحطة الخامسة: إقامة الهيكل الثالث – ذروة التمرّد على القداسة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾:

سيكون المهرب الأخير للكيان، هو الدفع بمشروعه حتى منتهاه، أملا في إحياء ما تبقّى من مبرّر لوجوده، علّ ذلك يفلح في جمع شتاته، أو يرمّم ما تصدّع من قيمته. ولن يكون ذلك الهروب إلا بإحياء خرافته القديمة: هيكل مزعوم، يضمّ غرفة “قدس أقداس”، يحمي تابوتَ عهد ضائع، يدخله كاهن متطهّر برماد بقرة حمراء، يُستجلب به إلى الأرض إله ناقم على شعب مختار.

فليس الهيكل بناءً في الجغرافيا، بل عقدةٌ في الدلالة. فما بدأ منذ القرن 10 ق.م كغرفةٍ صغيرةٍ على تلٍّ غير محدّد لحفظ “تابوت العهد”، تحوّل بمرور الزمن إلى رمزٍ لانفصال الإنسان عن مقصود الوحي. إنه النقطة التي انقلبت فيها العلامة على أصلها: من “قدس الأقداس” الذي أراده النبي سليمان ساترًا للآية، إلى “هيكلٍ” يريده أحفاده سُلّمًا إلى السيطرة باسم الإله. هنا يبدأ معنى “وعد الآخرة”: ليس الوعد نهاية التاريخ، بل لحظةُ انكشافٍ لما أُغلق في رماد الرموز، حين يعيد الإنسان بناء ما كان ينبغي أن يُنسى، وحين يبحث عن الإله في الحجر بعد أن ضيّعه في المعنى.

تبدأ الحكاية من جذورها الأولى: حين طلب بنو إسرائيل من نبيّهم آيةً لتثبيت طالوت ملكًا، فأجابهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ كانت “الآية” إذًا دليلًا على الشرعية الإلهية لملك مبعوث، لا أداةً للسلطة الدينية لشعب مختار. لكنّ القوم، إذ غلب عليهم الحسّ الماديّ، حوّلوا التابوت من علامةٍ على الاختيار الإلهي إلى صندوقٍ للقداسة البشرية، ثم جعلوا له حُرمةً تُحاط بطقوسٍ من ذبحٍ ورمادٍ ودم، كأنما لا يُقترب من الإله إلا عبر “الكيمياء الجسدية” لا بصفاء الروح.

ومع مرور الزمن، ازداد الانحراف اتساعا: فبعد أن أقام النبي سليمان الهيكلَ لحماية التابوت من الشمس والمطر، تحوّل المعبد إلى تميمة وثنية، وصار “قدس الأقداس” فضاءا للأسرار الخرافية، حوله تُدار طقوس معقدة، بين اللون والرماد والطهارة والنجاسة والدم. ثم ضاع التابوت، وهُدم الهيكل، وبقي الرمز دون المرموز إليه. ومنذ تلك اللحظة، دخل الضمير الخفي للصهيونية، قبل ولادتها، في صيرورته المعكوسة: البحث عن شيء مفقود، بإعادة إنتاج شكله المتوهّم، ولو على حساب شعب قائم.

وحين دمّر تيطس الروماني الهيكل الثاني سنة 70م وأحرق التابوت، لم يدمّر الحجر فحسب، بل اجتث الخرافة من جذورها:

فما يُبنى على وهم القداسة المادية لا يُورّث إلا رمادها. لكنّ هذا الرماد نفسه صار بذرةَ الخرافة القادمة؛ إذ رأى الحاخامات في ضياع التابوت “غيابَ الإله”، وفي انتظار الهيكل الثالث “وعدَ عودته”.. فصار المشروع كلّه محاولةً لاستدعاء الإله المملوك، إلهٍ يُحضرونه بالطقس لا بالعدل، وبالذبيحة لا بالرحمة.

في منطق السنن، القداسة حين تُختزل في الشكل، تتحول إلى شركٍ في المعنى. فما فعله بنو إسرائيل في الهيكل هو الصورة الكاملة لهذا القانون: تحويل الآية إلى أثرٍ، والأثر إلى سلطةٍ، والسلطة إلى إلهٍ جديد. كما حاول قوم نوح أن يخلّدوا أسماء أجدادهم الصالحين: ودٍّ وسواعٍ ويغوثِ ويعوقِ ونسرٍ، فنحتوا تماثيلهم احتفاء وتمثيلا، ثم انقلب التمثيل للجد إلى احتفاء بالتمثال، فتحول الاحتفال بالتمثال إلى ممارسة مقدّسة، وتجسدت الممارسة المقدسة في عبادة مشرّعة..

وكما شيّد فرعون صرحًا ليطلع إلى إله موسى، فانتهى بأن عبد ذاته، كذلك سيحاول الكيان أن يُعيد بناء هيكلٍ يظنّه موطئ الإله، فيعبد الرماد بدل الروح.

إنها السنّة ذاتها في دوراتها المتكرّرة: كلما تجرّأ الإنسان على السماء بأدوات المادة، ردّته السماء إلى الأرض بمنطق القيمة. فما من بناءٍ يعلو على القيمة إلا ويُسقطه المعنى، وما من رمزٍ يُفرغ من روحه إلا ويصبح عبئًا على حامليه.

اليوم، حين تُستدعى “البقرة الحمراء” من المزارع البرازيلية، ويُخطَّط لحرقها عند المسجد الأقصى، كشرطٍ لدخول الكاهن “المطهَّر”، يُعاد المشهد نفسه بوعيٍ غائب: إنهم يحرقون لحم حيوان ليغسلوا ذنب إنسان، ويتطهّرون من دماء البقرة الحمراء بالولوغ في دم شعب فلسطين. لكنّ الغيب لا يُخدع بهذه الطقوس، فما يُطهَّر بالدم لا يُطهِّر، وما يُبنى بالظلم لا يُرفع.

في مقابل هذا الانزياح، يتجلّى مسارُ أهل الحقّ كصيرورةٍ إصلاحيةٍ للرمز. هم يدركون أنّ الهيكل الثالث ليس معبدًا، بل اختبارٌ كونيٌّ للمعنى: فهل يمكن للإنسان أن يعيد القداسة إلى جوهرها بعد أن دنّسها؟ في رؤيتهم، “قدس الأقداس” الحقيقيّ ليس في حجارة ترصّ فوق بعضها، بل في قلب ينتظم قيم العدل والحرية والكرامة في شغافه. ولهذا، فإنّ معركتهم ليست ضدّ جدارٍ يُشاد أو طقسٍ يمارَس، بل ضدّ فكرة الإله المملوك التي تُنكر أن من أسماء الله الحسنى: العدل والحق والكريم. وإذا كان النبي سليمان قد بنى الهيكل ليحفظ التابوت من المطر، فإنّ “عباد الله” سيُفكّكون هيكله الثالث، ليكشفوا أن لا حاجة لغرفة قدس أقداس، ما دام العهد الذي كان يجسده التابوت فيها قد تمت خيانته منذ زمن بعيد: إنّ الآية لا تُحرس بالبناء، بل تُصان بالإيمان.

هكذا تتحوّل صيرورةُ المقاومة من الدفاع عن الأرض إلى حراسة الإنسان، ومن معركة التحرير إلى امتحان القيمة. فما سيسقط في القدس ليس مبنى، بل فكرةُ “خوصصة” الإله.

في التناظر القرآني، “قدس الأقداس” يقابله في الإسلام “المسجد الأقصى”، لكنّ الفارق بينهما ليس في المكان بل في التصور: فالأول حُصر في دائرة الكهنة، والثاني مفتوح على فضاء العالمين. الأول اشترط الدم المسفوح جوازا للدخول، والثاني اشترط نظافة القلب شرطا للعروج .

فحين يشرع الباطل في بناء هيكله الثالث، سيكون المؤمنون في أطراف الأرض قد استعادوا قبلتهم الأولى في ضميرهم، وحين سيرفع العدوّ جدران الحجر، سيُقيم عباد الله جدران الوعي، وحين ستُعلن “أورشليم” عاصمة لعرش الوثن، سيستعيد المؤمنون القدس” منصة للشهود.

ذلك هو التناظر في أبهى صوره: قدسٌ زائفٌ يُشيّد بالحديد والنار، وقدسٌ حقيقيٌّ يُبنى بالضمير والإيمان. وحين سيتواجهان، ستبدأ السنّة عملها الخفيّ: حيث سيتهاوى الزيف تحت ثقل رمزه، ويظهر الحقّ بصفاء روحه.

لن يكون الهيكل الثالث مجرد حدث في المدينة، بل اختبارا عالميّا في الوعي الإنسانيّ. فما يُقام اليوم من حفرياتٍ تحت الأقصى، وصل إلى 12 نفقا طول بعضه أكثر من 550 مترا، وما يُرصد لذلك من تمويلٍ غربيّ، وما يُبرَّر من مجازر باسم “التطهير الدينيّ”، كلّه جزءٌ من دورة الاستدراج. إنهم يبنون ما سيُهدم، ويقدّسون ما سيفضحهم، ويستعجلون وعد الآخرة بأيديهم. فما إن يكتمل الهيكل حتى يُعلن التاريخ انتهاءَ دورة “العلوّ الكبير”، ويبدأ طور “التتبير السيميائيّ”.

وهكذا تبلغ السنّة ذروتها الأخيرة: حين يظنّ الباطل أنه يُخلّد نفسه بالقداسة، فيُعلن دون أن يدري ساعةَ فنائه. وحين يُرفَع الهيكل، ستُرفَع معه آخرُ أقنعة دولة “واحة الديموقراطية في صحراء الشرق الأوسط”.

وعند هذه اللحظة تنتهي دورة “الكرة المرتدة” وتبدأ “الكرة الحاسمة”. فما بُني على وهم القداسة سيتهاوى تحت حقيقته، وما نُفي من الوحي سيعود ليحكم التاريخ بمعناه. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ إنه الموعد الذي تُفتح فيه أبواب الوعي، ويُفكّك فيه الإنسانُ آخرَ رموز تمرّده على السماء. هناك ينتهي العلوّ، ويبدأ التتبير، ويُطوى الحجر في التاريخ كما يُطوى الوهم في الذاكرة.

خاتمة: بين الاستدراج والانكشاف:

وهكذا تكتمل صورة “الكرّة المرتدّة” في مدارها الأول: دورةٌ لا تُرى بالعين المجرّدة بقدر ما تُدرك بحركة المعنى وهو يتكوّن خلف ستار الأحداث: فما بدا هدنةً سياسية لم يكن في منطق السنّة إلا بدايةَ الاستدراج، وما بدا إمدادًا كان في حقيقته تورّمًا للباطل، وما بدا نفيرًا كان في جوهره خوفًا مضاعفًا، وما بدا هيكلًا يُشاد كان في عمقه آخرَ لبنةٍ في معمار الانهيار.

ففي هذه الدورة، يُمنح الباطل فائض قوّته حتى يتثقّل بها، فيما يتخفّف الحقّ من دَخَنه حتى يصفو. ويظلّ التاريخ يتحرّك بهذه الازدواجية الدقيقة: يرفع العلوَّ إلى أقصى صور غروره، ويمتحن أهل الحقّ بأشدّ صور الابتلاء، لا ليُهزَموا، بل ليُرى بالمشهد الكامل ما لا يُرى بالشعارات: أن العدلَ لا يُستولد من القوّة، وأن القوة لا تُشرّع الباطل.

في نهاية هذه الدورة، يقف المشهد عند حدٍّ فاصلٍ لا يُخطئه الوعي: فسيبلغ العلوّ قمّة اغتراره، ليبلغ الاستدراج نهاية مكره. والسنّة، في صيرورتها، لا تكشف عن نفسها في سطح الأحداث حتى يتوقّف رجحان كفتي الميزان؛ فإذ ما استوفى الباطل شروط غيّه فسيبدأ العدّ التنازليّ من داخله، وما إن يستكمل الهيكل زينته وزخرفه، حتى تبدأ حشود التتبير في الاصطفاف.

هناك، يبدأ وعد الآخرة، لا بوصفه حدثًا عسكريًّا، بل بوصفه انهيارًا من الداخل، ودخولًا عمريًّا من الخارج، وتتبيرًا من الأعلى، ليعيد للإنسانية معناها وللأرض توازنها.

لن تكون المقالة الثالثة استمرارًا للثانية، بل انفجارا لمعناها: فما كان في هذه المقالة صيرورةً في الامتداد، سيصبح في التالية صيرورةً في الانكشاف؛ وما كان هنا تناظرًا بين قوةٍ ومعنى، سيغدو هناك تناظرًا بين الأوثان والإنسان؛ وما كان هنا استدراجًا، سيصبح هناك تتبيرًا. وبهذا، تُطوى صفحة الاستدراج، ويبدأ التاريخ فصله الأخير: من الوعد بالبعث إلى الوعد بالتتبير.

اقرأ المقال الأول: “الجوس خلال الديار

ماهر الملاخ

الدكتور ماهر الملاخ- أكاديمي متدرّج في مجالات اللسانيات والتأويل والسيميائيات وسيميولوجيا الصورة، امتد من التكوين اللغوي والتربوي إلى البحث السيميائي المتقدم. تُوّج بإنجاز أطروحة دكتوراة حول بناء نموذج تحليلي جديد للعلامة، يقوم على التوازن بين "الصيرورة" و"التناظر"، تحت اسم: "نموذج تناظر الصيرورة". كاتب وباحث في قضايا السيميائيات والفكر الحضاري والتاريخي والإعلام والصورة. فاعل مهني في مجالات التكوين والإعلام السمعي-البصري. شغل مناصب قيادية واستشارية ومؤسِّسة في مؤسسات إعلامية وطنية ودولية. مخرج ومنتج ومشرف وثائقي لأكثر من 90 فيلمًا ووثائقيًا وسلسلة وبرامج تلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى