حروب اختبار شرعية الاحتلال بين القوة والمعنى (1982-2022)
2/3
من فرض الشرعية بالقوة إلى تآكل الوجود بالمعنى (1948 فما بعد 2023)
قراءة استراتيجية سيميائية في تحولات الحرب والعزلة والتحالف

المقدمة:
في إحدى ليالي مايو 2021، لم تكن الحرب تُشاهَد من داخل قطاع غزة وحدها. فبينما كانت الطائرات الصهيونية تقصف الأبراج والأحياء المكتظة، كان شاب في جامعة أمريكية يتابع على هاتفه بثًا مباشرًا لطفلة تُخرَج من تحت الأنقاض، فيما كانت آلاف المقاطع القصيرة تنتقل، خلال دقائق معدودة، من غزة إلى لندن ونيويورك وباريس والجامعات الغربية ومنصات الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان.. هناك، بعيدًا عن الدبابات والطائرات، كانت حرب أخرى تجري بهدوء: حرب مبرر القوة ومعناها.
لقد نجح الكيان الصهيوني لعقود طويلة في بناء واحدة من أكثر الآلات العسكرية تطورًا في العالم، كما نجح في ترسيخ صورة الدولة القادرة على الحسم السريع، وفرض الردع بالقوة. لكن التحوّل الذي بدأ يتشكل تدريجيًا منذ اجتياح لبنان، سنة 1982، كشف مفارقة أكثر تعقيدًا: فكلما تعثر الحسم العسكري، ازداد الاعتماد على القوة النارية والتفوّق التكنولوجي، وكلما ازداد فائض القوة، ارتفعت معه أيضًا الكلفة الإنسانية والمشهدية للحرب، أمام العالم.
ففي جنوب لبنان، اصطدم الردع الصهيوني أولًا بفخ الجغرافيا وحروب العصابات؛ فالدبابات التي دخلت بيروت بوصفها رمزًا للتفوق، وجدت نفسها، بعد سنوات، عاجزة عن إنهاء حرب استنزاف طويلة داخل القرى والجبال والطرق الضيقة.
وأما في غزة، فقد دخل الكيان الصهيوني فخًا أكثر خطورة: فخ الصورة. فالحرب التي خيضت بالطائرات الذكية والقصف المكثف، بدأت تُبث مباشرة عبر الهواتف المحمولة إلى ملايين الشاشات حول العالم، لتتحوّل تدريجيًا من معركة عسكرية إلى أزمة أخلاقية وسياسية مفتوحة.
ولأول مرة في تاريخ الاحتلال الصهيوني، لم يعد الكيان الذي كان يمتلك قصب السبق في الجو، يمتلك بالضرورة القدرة على التحكم في رواية الحرب، فلقد تفلّتت الصورة من قبضة السيطرة. فكل غارة كانت تنتج، خلال لحظات قليلة، صورًا تنتقل من حي محاصر في غزة إلى فضاءات وسائل التواصل في العالم، ثم إلى الجامعات الغربية، ثم إلى الإعلام والمنظمات الحقوقية فالمحاكم الدولية. وهكذا بدأت الحرب تتحول من أداة لإنتاج الردع، إلى آلية تُنتج الأسئلة حول معنى هذا الردع نفسه.
ومن هنا، لا تحاول هذه المقالة إعادة سرد الحروب الصهيونية بين 1982 و2021 بوصفها مجرد مواجهات عسكرية متعاقبة، بل تروم إعادة كشف التحول الاستراتيجي الأعمق الذي حكمها، وذلك بقراءة كيف تحول الكيان الصهيوني تدريجيًا، من دولة تستخدم القوة لصناعة الشرعية، إلى دولة بدأت تتسبب لها قوتها نفسها في الاستنزاف والعزلة وأزمة المعنى؟ وكيف أوقعته حروبه في أفخاخ استراتيجية قالتة:فخ الجغرافيا في لبنان، ثم فخ الصورة في غزة، وصولًا إلى اللحظة التي خرجت فيها الحرب من حدود الميدان، لتصبح معركة عالمية على الرواية والشرعية والوعي؟
أولا. لبنان: حين سقط الردع في فخ الجغرافيا:
حين دخلت الدبابات الصهيونية جنوب لبنان صيف عام 1982، كان الكيان الصهيوني يعتقد أنه يخوض نسخة تقليدية جديدة من حروبه الخاطفة، والتي صنعت مجده العسكري منذ 1967: اجتياح سريع، وتفوق ناري كاسح، ثم إعادة تشكيل للواقع السياسي بالقوة. كانت عقيدة الردع الصهيونية يومها تقوم على فكرة مركزية واضحة: الحرب يجب أن تكون قصيرة، وحاسمة، وسريعة بما يكفي لمنع الاستنزاف ونقل المعركة بعيدًا عن الداخل الصهيوني. لكن لبنان لم يكن ساحة تشبه شبه جزيرة سيناء أو الجولان؛ فالحدود المتداخلة، والقرى الجبلية، والفصائل المتحركة، والتعقيد الطائفي والسياسي، كلها دفعت الكيان تدريجيًا إلى نوع مختلف تمامًا من الحروب: حرب لا تملك جبهة واضحة، ولا نهاية واضحة أيضًا.
1. بيروت 1982: آخر انتصارات الحرب التقليدية:
في صيف 1982، كان ميناحيم بيغن ووزير دفاعه أرييل شارون يعتقدان أن الطريق إلى إعادة ترتيب المنطقة يمر عبر بيروت. كان الكيان الصهيوني حينها يدخل الحرب، وهو يحمل يقينًا تشكل منذ 1948 ثم ترسخ بعد 1967: التفوق العسكري قادر دائمًا على فرض النهاية التي تريدها دولته.
وتحت غطاء جوي كثيف، تقدمت القوات الصهيونية شمالًا مدعومة بدبابات المركافا 1 Merkava Mark I ، والتي قُدمت آنذاك بوصفها رمزًا لفخر الصناعة العسكرية الصهيونية واستقلالها التسليحي. وفي شاشات العالم، بدا المشهد وكأن الكيان يعيد إنتاج صورة انتصاراته القديمة: جيش سريع، وقوة نارية هائلة، وعاصمة عربية كبرى تقع تحت الحصار.
وحين وصلت قوات الكيان إلى بيروت، بدا الردع الصهيوني في ذروة حضوره: فالحرب لم تكن تُقاس فقط بعدد المواقع التي سقطت، بل بصورة الدولة القادرة بالقوة على اقتحام العواصم وإعادة رسم الخرائط. لكن خلف تلك الصورة اللامعة البراقة، كان شيء آخر، وبهدوء، قد بدأ في التشكل: ففيما كان الكيان يتعمق داخل المشهد اللبناني المعقد، كانت الحرب تفقد وضوحها القديم. إذ لم يعد هناك جيش نظامي يمكن إعلان الانتصار عليه في بيان عسكري، وإنما بيئة مفتوحة وحدود متداخلة وتحالفات متحركة، وفصائل مقاومة خارج نطاق المحددات الدبلوماسية والقانونية التي تقيد الدول.
وهناك تحديدًا، داخل ما بدا في ظاهره انتصارًا عسكريًا كبيرًا، بدأت أولى شقوق نموذج الردع الصهيوني التقليدي بالظهور: فإذا كان الكيان قد نجح حينها في اجتثاث المقاومة الفلسطينية من لبنان، غير أنه لم ينتبه إلى أن فائض القوة الذي استُخدم لتحقيق هذا الهدف كان يُعيد، في الوقت ذاته، إنتاج مقاومة جديدة أكثر التصاقًا بالأرض اللبنانية، وأقدر على اكتساب الشرعية الوطنية لاستئناف المقاومة. وهكذا، لم تكن المشكلة في القوة نفسها، بل في عجز تلك القوة عن إنتاج استقرار أمني وسياسي نهائي، يحوّل الانتصار العسكري إلى نهاية فعلية لمقاومة الاحتلال.
2. جنوب لبنان 1983-1999: كيف هزمت الجغرافيا التفوق العسكري؟
بعد بيروت 82، بدأت الحرب تتغير ببطء. فالدبابات التي دخلت العاصمة اللبنانية بوصفها رمزًا للتفوق والحسم، وجدت نفسها بعد سنوات تتحرك بحذر داخل طرق جبلية ضيقة وقرى حدودية صغيرة في جنوب لبنان، حيث لم تعد القوة النارية وحدها قادرة على إنهاء الحرب أو فرض الاستقرار.
في القرى الجنوبية، وبين التلال والوديان، بدأ الكيان يدخل حربًا من نوع مختلف تمامًا. لم يكن الخصم جيشًا نظاميًا يواجهها في معركة مفتوحة، بل مجموعات صغيرة تتحرك بسرعة، تختفي داخل الجغرافيا، وتحوّل الطرق والمرتفعات إلى مساحات استنزاف دائم. وهناك، بدأت العبوات الناسفة والكمائن والصواريخ القصيرة المدى تُعيد تعريف معنى القوة العسكرية نفسها.
ولم يكن المشهد مجرد مواجهة تقنية بين دبابة وعبوة ناسفة، بل صدامًا بين فلسفتين للحرب. فـالمركافا 1 Merkava Mark I، التي صُممت لتكون رمز التفوق العسكري الصهيوني وحصيلة استثمارات هائلة في الصناعة الحربية، وجدت نفسها تواجه عبوات محلية الصنع منخفضة الكلفة لكنها قادرة على تحويل التفوق التكنولوجي إلى استنزاف يومي طويل. وهناك بدأ الاختلال يظهر بوضوح: كلما ارتفعت كلفة القوة الصهيونية، ازدادت قدرة خصومها على استنزافها بأدوات أبسط وأكثر مرونة.
لقد كان الكيان قد بنى عقيدته العسكرية على الحرب الخاطفة والحسم السريع وتقليل الزمن العسكري إلى أقصى حد ممكن، لكن جنوب لبنان فعل العكس تمامًا: أطال أمد الحرب، وبدد وضوح الجبهة، وحوّل التفوق العسكري إلى عبء يحتاج باستمرار إلى مزيد من القوة للحفاظ على نفسه.
ومن هنا، لم يعد الردع الصهيوني يواجه فقط مشكلة عسكرية، بل أزمة استراتيجية أعمق: كيف يمكن لجيش يمتلك كل هذا التفوق أن يعجز عن إنهاء حرب حدودية منخفضة الكلفة بالنسبة لخصومه وعالية الكلفة بالنسبة له؟
3. انسحاب 2000: اللحظة التي بدأ فيها الردع يفقد هيبته:
في مايو من عام 2000، كانت مشاهد الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان تُبث في أنحاء المنطقة بسرعة مذهلة. مواقع عسكرية تُخلى على عجل، وجنود ينسحبون ليلًا، وميليشيا “جيش جنوب لبنان” المتحالفة مع الكيان تنهار خلال ساعات. وفي القرى الحدودية، كان مقاتلو المقاومة اللبنانية يرفعون راياتهم فوق المواقع التي أخلاها الجيش الصهيوني، بينما كانت شاشات التلفزيون العربية تنقل إلى المنطقة كلها مشهدًا لم تعتد رؤيته منذ عقود.
للمرة الأولى منذ تأسيسها، كان الكيان ينسحب من أرض عربية تحت ضغط مقاومة مسلحة، لا نتيجة اتفاق سلام، ولا بعد هزيمة تقليدية في حرب نظامية. وهناك تحديدًا بدأ شيء عميق يتصدع داخل صورة الردع الصهيوني التي تشكلت منذ 1948 ثم ترسخت بقوة بعد 1967.
وفي الداخل الصهيوني نفسه، بدأت الأسئلة تتصاعد بهدوء: كيف يمكن لجيش يمتلك هذا التفوق العسكري والتكنولوجي أن يعجز عن إنهاء حرب استمرت سنوات طويلة على حدوده المباشرة؟ وكيف تحولت عملية بدأت تحت شعار “سلامة الجليل” إلى انسحاب مرتبك لا يشبه صورة الانتصارات الخاطفة القديمة؟
لقد كان الانسحاب من جنوب لبنان أكثر من نهاية احتلال عسكري؛ كان بداية شك بطيء داخل العقل الاستراتيجي الصهيوني نفسه. فمنذ تلك اللحظة، بدأت ثلاث ركائز كبرى تتعرض للاهتزاز التدريجي: فكرة الحسم السريع، وفكرة الردع القادر على منع التحديات طويلة الأمد، وفكرة الجيش الذي يستطيع دائمًا فرض النهاية التي يريدها.
والأخطر من ذلك، أن لبنان دفع الكيان تدريجيًا إلى إعادة التفكير في شكل الحرب نفسه: فبعد فشل الاستنزاف البري الطويل، بدأت تميل أكثر إلى نموذج جديد يقوم على الردع بالقوة الجوية والقصف المكثف وتقليل الاحتكاك البري المباشر. لكن هذا التحول، الذي بدا حلًا بعد لبنان، سيقودها لاحقًا إلى فخ أكثر تعقيدًا وخطورة في غزة: فخ الصورة.
الفصل الثاني: غزة: حين سقط الردع في فخ الصورة:
لما انسحب الكيان من جنوب لبنان سنة 2000، لم تكن تغادر فقط حرب استنزاف طويلة، بل كانت تغادر أيضًا نموذجًا كاملًا للحرب البرية المفتوحة. فالتجربة اللبنانية كشفت بوضوح أن الاحتلال المباشر والاحتكاك البري الطويل قادران على استنزاف التفوق العسكري بدل تكريسه. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الكيان يميل تدريجيًا إلى نموذج جديد للحرب: تقليص الوجود البري، والاعتماد أكثر على الحصار، والقصف الجوي، والتفوق التكنولوجي، وإدارة الحرب عن بُعد.
لكن التحول الذي بدا في البداية حلًا لتجاوز “فخ الجغرافيا” اللبناني، سيقود الكيان لاحقًا إلى فخ أكثر تعقيدًا وخطورة في قطاع غزة فخ الصورة.
1. حصار 2007: كيف تحولت غزة إلى مسرح مزمن للحرب؟
بعد انسحابها الأحادي من غزة سنة 2005، كان الكيان يعتقد أنه أعاد صياغة قواعد المواجهة مع القطاع: لا احتلال بري دائم، ولا إدارة مباشرة للحياة اليومية داخل المدن والمخيمات، بل سيطرة من الخارج عبر الحصار والقوة الجوية والتكنولوجيا. لكن ما بدا في البداية محاولة لتقليص كلفة المواجهة، تحول تدريجيًا إلى نموذج جديد من الحروب الدورية المفتوحة:
فبعد سيطرة المقاومة الفلسطينية على القطاع سنة 2007، فرض الكيان حصارًا بريًا وبحريًا وجويًا مشددًا على غزة، وقدّمه باعتباره ضرورة أمنية لمنع الصواريخ واحتواء المقاومة. لكن القطاع المحاصر بدأ يتحول تدريجيًا، داخل الإعلام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان، إلى ما يشبه “السجن المفتوح”. وفي الأزقة الضيقة لمخيمات غزة، كان الأطفال يحفظون أسماء الطائرات قبل أن يحفظوا أسماء ألعابهم: الإف 16، والأباتشي، والطائرات المسيّرة التي لم تكن تغادر السماء حتى في ساعات الليل الهادئة.
ومع مرور الوقت، دخلت العلاقة بين الكيان وغزة في دورة متكررة تكاد تتكرر بالمشهد نفسه: توتر يتصاعد، صواريخ تنطلق من القطاع، ثم غارات وقصف واسع، قبل العودة إلى هدنة هشة لا تلبث أن تنهار من جديد. وكان الكيان يدخل كل جولة وهو يتحدث عن “استعادة الردع”، لكنه كان يخرج في كل مرة إلى شرق أوسط أكثر توترًا من السابق.
لقد كان الردع الصهيوني في غزة يقوم على فكرة مختلفة عن لبنان: ليس احتلال الأرض، بل إدارة الإيقاع من الجو؛ أي استخدام فائض القوة النارية والتكنولوجية لمنع المقاومة من فرض معادلة طويلة الأمد. لكن المفارقة التي بدأت تتشكل تدريجيًا، هي أن هذا النموذج نفسه كان يحول غزة إلى مسرح دائم للحرب، ويمنحها في الوقت نفسه حضورًا متزايدًا داخل الوعي العالمي، بوصفها رمزًا للحصار والدمار والاختلال الهائل في موازين القوة.
2. من الرصاص المصبوب إلى العصف المأكول: كيف بدأت الصورة تهزم السلاح؟
في شتاء 2008، كانت عائلات غزة تنزل إلى الطوابق السفلية، مع أول صوت المقاتلة الإف 16 F-16 Fighting Falcon، بينما كانت شاشات التلفزيون في Tel Aviv تعرض صور القصف مصحوبة بعبارة واحدة تتكرر باستمرار: “استعادة الردع”: ففي حرب 2008–2009، كان الصهاينة يسمونها “الرصاص المصبوب”، بينما أطلق عليها الفلسطينيون اسم “معركة الفرقان”. وفي الاسمَين معًا، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تنافسا شرسا بين سردية وحكاية: سردية ترى الحرب عملية ردع تقنية، وحكاية تراها معركة فاصلة بين بقاء وهوية ومصير.
لكن التحول الحقيقي لم يكن في كثافة القصف وحدها، بل في الطريقة التي بدأت بها الحرب تُشاهَد: فمع حرب 2012، التي سماها الفلسطينيون “حجارة السجيل”، بينما أطلق عليها الكيان اسم “عامود السحاب”، كانت الصورة تدخل مرحلة جديدة بالكامل. وبينما كانت الطائرات الصهيونية تعبر سماء غزة، كانت الهواتف المحمولة تنقل صور الأطفال الخارجين من تحت الأنقاض إلى ملايين الشاشات حول العالم. وهناك، بعيدًا عن ساحة القصف، كانت حرب أخرى تبدأ بهدوء: حرب الصورة والمعنى.
ثم جاءت حرب 2014، التي أطلق عليها الكيان اسم “الجرف الصامد”، بينما سماها الفلسطينيون “العصف المأكول”. لقد كان كل طرف كان يصف الحرب من زاوية مختلفة تمامًا: الكيان يبحث عن صورة الصلابة والردع، فيما كان الفلسطينيون يستحضرون صورة قوة تبدو هائلة لكنها عاجزة عن إنهاء الحرب أو فرض النهاية التي تريدها.
ومع كل جولة جديدة، كان الكيان يزيد اعتماده على القوة الجوية والقصف المكثف والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، لكن كل زيادة في مستوى القوة كانت تنتج في المقابل زيادة موازية في قوة الصورة وانتشارها العالمي. نعم لقد كان الكيان ينتصر عسكريًا في معظم الجولات، لكنه لم يعد قادرا على منع الحرب من التحول إلى حدث بصري عالمي مفتوح.
ولم يكن التحول الحقيقي في غزة كون الصواريخ قد أصبحت أطول مدى، بل أن الصور أصبحت أطول عمرًا. فالصاروخ ينتهي بانفجاره، أما الصورة فتبقى تدور لسنوات داخل الوعي العالمي.
3. الهاتف ضد الطائرة:
في الحروب التقليدية القديمة، كان الكيان الذي له امتياز السيطرة الجوية، يمتلك أيضًا القدرة الأكبر على التحكم في الرواية. لكن ما حدث في غزة بعد 2008 كشف تحولًا غير مسبوق في طبيعة الحرب الحديثة نفسها. فبينما كانت الطائرات الصهيونية المتطورة تحلق فوق القطاع، كانت هواتف صغيرة داخل الأزقة والمستشفيات والمخيمات تنقل صور الحرب مباشرة إلى العالم، دون انتظار نشرات الأخبار أو البيانات العسكرية أو التغطيات الرسمية.
ولأول مرة في تاريخ الصراع ضد الاحتلال، لم تعُد الصورة تمر أولًا عبر القنوات التلفزيونية الكبرى، بل عبر أشخاص مجهولين يصورون لحظة القصف والبكاء والركام من داخل الحدث نفسه: لقد تفلتت الصورة من قبضة السيطرة. ففي قاعات الجامعات الغربية، كان طلاب يشاهدون على هواتفهم البث المباشر نفسه الذي صُوّر قبل دقائق داخل غزة، بينما كانت المقاطع القصيرة تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تتحول إلى وسوم عالمية ومادة للنقاش داخل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان.
وهكذا بدأت الحرب تنتقل من الميدان العسكري إلى فضاء عالمي مفتوح. فالمشهد الذي يبدأ في حي صغير داخل غزة، كان يصل بعد ساعات إلى شوارع لندن ونيويورك والجامعات الأوروبية والأمريكية، حيث بدأت تتشكل تدريجيًا موجات احتجاج جديدة تنظر إلى الحرب بعين مختلفة عن الرواية الغربية التقليدية.
لقد كان الكيان يمتلك واحدة من أكثر الآلات العسكرية تطورًا في العالم، لكنه بدأ يكتشف أن التفوق العسكري لم يعد كافيًا للسيطرة على معنى الحرب. فالهاتف الذي يصور طفلًا تحت الأنقاض أصبح قادرًا، أحيانًا، على إحداث أثر عالمي يفوق أثر الغارة نفسها. وهكذا، لم تعد الحرب تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تُدمَّر، بل أيضًا بعدد الصور التي تتفلت من السيطرة وتعيد تشكيل الرأي العام العالمي.
ومن هنا بدأت معادلة جديدة تظهر بوضوح: لقد كانت تكنولوجيا السلاح تمنح الكيان قدرة هائلة على التدمير، لكن تكنولوجيا الاتصال كانت تمنح خصومها قدرة متزايدة على نزع الشرعية عن ذلك التدمير أمام العالم.
4. كيف تحولت الحرب غير المتكافئة إلى أزمة شرعية؟
خلال تلك السنوات، لم تكن المشكلة الأساسية بالنسبة للكيان أنه يخسر الحروب عسكريًا. فعلى مستوى موازين القوة التقليدية، كان الصهاينة يملكون تفوقًا ساحقًا في الجو والاستخبارات والتكنولوجيا والنيران. لكن المعضلة التي بدأت تتشكل تدريجيًا، هي أن هذا التفوق نفسه كان يُنتج نتائج معاكسة على مستوى الصورة والشرعية.
فكلما ارتفع مستوى القوة المستخدمة، ارتفعت معها أيضًا الكلفة الإنسانية المرئية أمام العالم: مشاهد الأبراج المنهارة، والمستشفيات المكتظة، والأطفال الخارجون من تحت الأنقاض، لم تعد مجرد “أضرار جانبية” داخل حرب بعيدة، بل تحولت إلى صور يومية حية تُشاهَد مباشرة عبر ملايين الهواتف والشاشات.
وفي المقابل، كان الكيان يجد نفسه أكثر عجزًا عن تحويل انتصاره العسكري إلى انتصار سياسي أو أخلاقي طويل المدى. فالحرب التي كانت تُقدَّم باعتبارها دفاعًا عن الأمن والردع، بدأت تُقرأ عالميًا باعتبارها تعبيرًا عن اختلال هائل في موازين القوة. ومن هنا، بدأت الحرب غير المتكافئة تتحول تدريجيًا إلى أزمة شرعية.
وفي وسائل الإعلام الغربية والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، بدأت تتشكل فجوة متزايدة، بين السردية الرسمية الصهيونية، وبين الطريقة التي يرى بها جزء متصاعد من الرأي العام العالمي صور الحرب ونتائجها الإنسانية. ولم تعد المشكلة أن الكيان يُنتقد بسبب حرب بعينها، بل أنه بدأ يفقد تدريجيًا قدرته القديمة على احتكار تفسير الحرب نفسها.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الكيان يواجه فقط أزمة ردع عسكري، بل أزمة أعمق تتعلق بقدرته على الحفاظ على المعنى السياسي والأخلاقي الذي دعم حضوره وتحالفاته لعقود طويلة.
ومع كل حرب جديدة، كانت غزة تتحول أقل إلى ساحة معركة محلية، وأكثر إلى قضية عالمية مفتوحة على الهواتف والشوارع والجامعات والوعي الدولي. وهناك تحديدًا، بدأ الطريق يُفتح نحو التحول الأكبر الذي سيظهر بوضوح في 2021: حين ستخرج الحرب من غزة لتصبح معركة عالمية على الرواية والشرعية والمعنى نفسه.
الفصل الثالث: معركة 2021: حين خرجت الحرب من غزة إلى العالم:
في مايو 2021، لم تعد الحرب تدور داخل قطاع غزة وحدها. فمع اقتحامات المسجد الأقصى، وأحداث حي الشيخ جراح في القدس، ثم اندلاع المواجهات داخل المدن الفلسطينية في الداخل، بدا وكأن خطوط الفصل القديمة التي نجح الكيان في ترسيخها لعقود بدأت تنهار دفعة واحدة. لم تعد غزة جبهة منفصلة، ولا القدس مجرد رمز ديني بعيد، ولا الداخل الفلسطيني مساحة هادئة خارج الحرب. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، اندمجت الجغرافيا والرمز والصورة والرأي العام العالمي داخل لحظة واحدة.
وهناك تحديدًا، بدأت الحرب تتحول من مواجهة عسكرية محدودة إلى حدث عالمي مفتوح يُبث مباشرة إلى الشوارع والجامعات والمنصات الإعلامية حول العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الكيان يواجه فقط أزمة ردع، بل بدأ يواجه أزمة معنى وشرعية تتجاوز حدود الميدان العسكري نفسه.
1. سيف القدس: الحرب التي كسرت الفصل بين الجبهات:
حين أطلقت المقاومة الفلسطينية على حرب 2021 اسم “سيف القدس”، لم يكن الاسم مجرد توصيف عسكري لجولة جديدة في غزة، بل إعلانًا عن تحول أعمق في طبيعة الصراع نفسه بين الاحتلال والمقاومة: فالحرب هذه المرة لم تبدأ من القطاع وحده، بل من المسجد الأقصى، ومن أزقة الشيخ جراح، قبل أن تمتد إلى الداخل الفلسطيني ومدن مثل اللد وعكا وحيفا، ثم إلى الفضاء العالمي المفتوح.
لقد نجح الكيان طوال سنوات في إدارة الصراع عبر الفصل بين الجبهات: غزة تُعالَج أمنيًا، والقدس تُدار سياسيًا، والداخل الفلسطيني يُحتوى مدنيًا، بينما يبقى الرأي العام العالمي بعيدًا نسبيًا عن تفاصيل المشهد. لكن 2021 أعادت وصل كل شيء دفعة واحدة. فكل مشهد في الأقصى، وكل مواجهة في القدس، وكل غارة على غزة، كان ينتقل مباشرة إلى الداخل الفلسطيني ثم إلى الهواتف والمنصات العالمية، ليحوّل الحرب من ملف أمني محدود إلى قضية سياسية ورمزية وإنسانية مفتوحة.
وفي المقابل، كان الكيان يسمي الحرب “حارس الأسوار”، في محاولة لإعادة تقديم نفسه بوصفا دولة تدافع عن الأمن والنظام الداخلي. لكن المفارقة التي بدأت تظهر بوضوح، هي أن الحرب لم تعد تُقرأ عالميًا بالطريقة نفسها التي كانت تُقرأ بها الجولات السابقة. فكل مشهد في المسجد الأقصى، وكل فيديو من الشيخ جراح، كان يربط الحرب مباشرة بقضايا الهوية والحقوق والرموز الدينية، لا بمجرد مواجهة أمنية مع غزة.
وهكذا، لم يعد الكيان يواجه جبهة عسكرية يمكن احتواؤها بالقصف والردع فقط، بل لحظة اندماج واسعة كسرت الحدود القديمة بين الداخل والخارج، وبين الميدان والصورة، وبين الحرب المحلية والرأي العام العالمي.
2. من الهاتف الشخصي إلى الشارع العالمي:
في ليالي مايو 2021، كانت الهواتف المحمولة تنقل صور المواجهات في القدس وغزة بسرعة غير مسبوقة. شاب يُضرَب داخل المسجد الأقصى، عائلة تُهدد بالطرد من منزلها في الشيخ جراح، برج ينهار تحت القصف في غزة، ثم خلال دقائق تتحول تلك المشاهد إلى مقاطع تجتاح منصات التواصل الاجتماعي في أنحاء العالم.
ولأول مرة بهذا الحجم، بدأت الحرب تنتقل مباشرة من الهاتف إلى الشارع العالمي. ففي لندن، كانت الأعلام الفلسطينية ترتفع في قلب العاصمة البريطانية وسط مظاهرات ضخمة لم تشهدها المدينة منذ سنوات، بينما شهدت نيويورك احتجاجات متصاعدة أمام المؤسسات السياسية والإعلامية. وفي الجامعات الأمريكية والأوروبية، كان آلاف الطلاب يتابعون البث المباشر نفسه القادم من القدس وغزة، قبل أن تتحول الصور إلى اعتصامات ونقاشات وحملات ضغط داخل الحرم الجامعي.
لم تعد الحرب تُشاهَد هذه المرة من خلف نشرات الأخبار التقليدية، بل من داخل الهواتف التي يحملها ملايين الأشخاص في جيوبهم. لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي المشاهد العادي إحساسًا بأنه يرى الحرب من داخلها، لا عبر السرديات الرسمية أو التحليلات البعيدة. ومن هنا، بدأت صورة الكيان تواجه تحديًا غير مسبوق: فكلما حاول تقديم الحرب باعتبارها عملية أمنية دفاعية، كانت الصور المتدفقة عبر المنصات الاجتماعية تعيد طرحها بوصفها أزمة إنسانية وسياسية وأخلاقية مفتوحة.
وهكذا، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات إعلامية إلى جزء فعلي من ميدان الصراع بين الاحتلال والمقاومة. فالحرب لم تعد تُخاض فقط بالطائرات والصواريخ، بل أيضًا بالصور والوسوم والبث المباشر، وهي الأدوات التي سمحت للمشهد الفلسطيني بأن يعبر الحدود بسرعة تفوق سرعة الطائرات ذاتها.
لم تكن قوة الصورة في غزة عاملًا تلقائيًا يعمل وحده، ولا كانت مجرد نتيجة عفوية لتطوّر الهواتف ومنصات التواصل. فإلى جانب تفلّت الصورة من قبضة الرواية الرسمية الصهيونية، كانت هناك فاعلية استراتيجية فلسطينية أخذت تتطور تدريجيًا في فهم طبيعة الحرب الحديثة: فالمقاومة لم تطوّر أدواتها العسكرية فقط، بل طورت معها وعيًا إعلاميًا وتواصليًا أدرك أن الحرب لم تعد تُخاض بالصاروخ وحده، بل بتوقيت الصاروخ، وصورته، واسمه، ورمزيته، وطريقة انتقاله داخل المجال الرقمي العالمي. ومن هنا اكتسبت حرب 2021 دلالتها الخاصة؛ إذ لم يكن ربط الصواريخ بالقدس والمسجد الأقصى مجرد قرار ميداني، بل فعلًا استراتيجيًا نقل الحرب من جغرافيا غزة الضيقة، إلى فضاء رمزي عالمي شديد الحساسية.
ولعل ما سمي حينها بـ”ساعة البهاء” يكشف هذا التحول بوضوح؛ فلم تعُد لحظة إطلاق الصواريخ مجرد توقيت عسكري تقني، بل لحظة مركبة يجتمع فيها الرمز والدين والصورة والخوارزمية والوعي الجماعي في آن واحد. ومع ذروة النشاط الخوارزمي على منصات التواصل، استطاعت المقاومة أن تجعل من التوقيت نفسه جزءًا من المعركة، بحيث لم يعد الكيان يواجه فقط مقذوفات عسكرية، بل حكاية تتحرك في الزمن الرقمي، بسرعة تفوق قدرة الآلة الإعلامية الرسمية على احتوائها.
3. بداية أزمة الشرعية العالمية:
مع حرب 2021، بدأ الكيان يواجه تحولًا لم يعد يتعلق فقط بالصواريخ أو الميدان العسكري، بل بمكانته الأخلاقية والسياسية داخل العالم نفسه. فخلال عقود طويلة، نجح الصهاينة في تقديم معظم حروبهم داخل الغرب باعتبارها جزءًا من “حق الدفاع عن النفس”، مستفيدين من تفوقهم الإعلامي وتحالفاتهم السياسية القوية. لكن ما حدث في 2021 كشف أن هذه السيطرة السردية بدأت تتعرض لتآكل متسارع:
ففي وسائل الإعلام الغربية، لم تعد السردية الصهيونية تمر بالسهولة نفسها التي كانت تمر بها في العقود السابقة. ومع تدفّق الصور المباشرة من غزة والقدس عبر الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، بدأت قطاعات واسعة من الصحفيين والناشطين والباحثين ومنظمات حقوق الإنسان تعيد طرح أسئلة مختلفة: ماذا يحدث داخل غزة فعلًا؟ وما حدود القوة المشروعة؟ ومتى يتحوّل الردع إلى عقاب جماعي؟ ومتى تصبح الحرب نفسها أزمة أخلاقية وسياسية مفتوحة؟
وفي الوقت نفسه، بدأت منظمات دولية وحقوقية تستخدم لغة أكثر حدة تجاه السياسات الصهيونية، بينما أخذت مفردات مثل: “التمييز”، و”الاستيطان”، و”العقاب الجماعي”، و”الفصل العنصري” تجد طريقها تدريجيًا إلى النقاش العام العالمي. ولم يعد التحول قانونيًا فقط، بل سرديًا أيضًا؛ فالكيان الذي اعتاد امتلاك قدرة كبيرة على توجيه تفسير الحرب، بدأ يواجه للمرة الأولى عجزًا متزايدًا عن التحكم في الطريقة التي يرى بها العالم تلك الحرب.
لقد نجح الكيان طويلًا في احتكار السماء، لكنها بدأت تفقد احتكار الصورة. ولم تعد المشكلة أنها تُنتقد بسبب حرب بعينها، بل أن الحرب نفسها بدأت تتحول داخل الوعي العالمي من “عملية دفاعية” إلى مشهد دائم من الحصار والدمار وعدم التوازن الهائل في القوة.
وهناك تحديدًا، بدأت أزمة الشرعية العالمية تتشكل ببطء. فالكيان لم يعد يواجه فقط صواريخ غزة، بل بدأ يواجه نظرة عالمية جديدة أخذت تتغير تدريجيًا، داخل المجال الذي شكّل لعقود عمق شرعيتها وتحالفاتها الأساسية: الإعلام الغربي، والجامعات، والرأي العام، ومنظمات حقوق الإنسان.
ففي الوقت الذي بدأت فيه قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تعيد النظر في صورة الكيان، كانت الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية ما تزال توفر لها الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي، من صفقات السلاح إلى الفيتو والتحالفات الإقليمية. ولهذا لم تكن 2021 لحظة فقدان كامل للشرعية، بقدر ما كانت بداية تشكُّل فجوة متزايدة بين الشارع وصناع القرار داخل المجال الغربي نفسه.
وهكذا، لم تعد الحرب مجرد معركة على الأرض، بل أصبحت معركة على الرواية والمعنى والوعي العالمي ذاته. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الكيان يواجه أخطر تحولات الصراع الحديث: لم تعد المشكلة الأساسية تتعلق بقدرتها على الانتصار العسكري، بل بقدرتها على منع ذلك الانتصار من التحول إلى أزمة شرعية عالمية مفتوحة.
4. ثنائية المأساة والبطولة في مقاومات الشعوب:
لم يكن التحول الذي بدأ يطرأ على الرأي العام العالمي تجاه فلسطين ناتجًا عن مشاهد المأساة وحدها، رغم فداحتها الهائلة، بل عن التقاء عنصرين يتحرك بهما الوجدان الإنساني في تاريخ مقاومات الشعوب: المأساة والبطولة. فالشعوب قد تتعاطف مع الضحايا حين ترى حجم الدمار والمعاناة، لكنها لا تعيد بناء موقفها الأخلاقي والسياسي بعمق إلا حين ترى داخل تلك المأساة قدرة على الصمود والمقاومة والمعنى. ولهذا، لم تكن صور الأنقاض وحدها هي التي غيّرت نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، بل اجتماع الأنقاض مع مشهد شعب يواصل المقاومة رغم الحصار والتفوق العسكري الهائل.
ويكمن تأثير هذه الثنائية بالنسبة لأي قوة احتلال في أنها لا تكتفي بإنتاج التعاطف مع الضحية، بل تُعيد تدريجيًا تعريف موقع القوة نفسها داخل الوعي العالمي. فحين يحتكر الاحتلال أدوات التفوق العسكري، يستطيع، في البداية، أن يقدم نفسه بوصفه قوة تدافع عن الأمن والاستقرار. لكن حين تتكرر صور المأساة الإنسانية جنبًا إلى جنب مع مشاهد الصمود والمقاومة، يبدأ ميزان الشرعية بالتحول ببطء؛ لأن الرأي العام لا يتفاعل فقط مع حجم الألم، بل مع الطريقة التي يواجه بها شعبٌ ذلك الألم. وهنا تتحول البطولة إلى عنصر يكسر السردية التي تحاول تقديم القوة العسكرية بوصفها ضرورة أخلاقية أو دفاعًا مشروعًا عن النفس. حيث إن المأساة إن كانت تكشف بشاعة الاحتلال، فإن المقاومة تظهر مدى تشبع ذاك الشعب بإيمانه بحقه، وباستحقاقه لحريته. فالمأساة وحدها قد تُنتج شفقة عابرة، لكنها قد تُبقي الضحية في موقع العجز الإنساني. أما حين تقترن بالقدرة على المقاومة والصمود، فإنها تتحول إلى سردية أخلاقية عالمية تعيد تعريف العلاقة بين الضحية والقوة والشرعية.
ومن هنا، لم تعد فلسطين تُرى فقط بوصفها مساحة للدمار الإنساني، بل بوصفها أيضًا تجربة مقاومة حية استطاعت، رغم اختلال موازين القوة، أن تمنح المأساة نفسها معنى يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية إلى المجال الإنساني العالمي.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قوة احتلال، ليس مجرد استمرار المقاومة المسلحة، بل تحول تلك المقاومة إلى سردية عالمية تتداخل فيها المأساة مع البطولة. ففي تلك اللحظة، لا يعود الاحتلال يواجه خصمًا عسكريًا فقط، بل يبدأ بمواجهة أزمة أعمق، تتعلق بقدرته على الحفاظ على شرعيته داخل الوعي الإنساني نفسه، حيث يتحول فائض القوة تدريجيًا من مصدر للردع إلى مصدر لتآكل المعنى الأخلاقي والسياسي الذي تستند إليه تلك القوة.
الخاتمة: كيف تحولت القوة إلى عبء؟
منذ اجتياح لبنان سنة 1982، لم تعد الحروب الصهيونية تتحرك داخل المسار نفسه الذي صنع صورة الكيان في العقود الأولى من تأسيسها. ففي البداية، كان التفوق العسكري السريع قادرًا على إنتاج ثلاثة أشياء دفعة واحدة: الردع، والشرعية، وصورة الدولة التي تستطيع فرض النهاية التي تريدها بالقوة. لكن التحولات التي بدأت في جنوب لبنان ثم تعمقت لاحقًا في قطاع غزة كشفت أن هذه المعادلة بدأت تتصدع تدريجيًا من الداخل.
في لبنان، سقط الردع أولًا في فخ الجغرافيا. فالدبابات التي دخلت بيروت بوصفها رمزًا للتفوق العسكري، وجدت نفسها بعد سنوات عاجزة عن إنهاء حرب استنزاف طويلة داخل القرى والجبال والطرق الحدودية الضيقة. ثم في غزة، دخل الكيان فخًا أكثر تعقيدًا: فخ الصورة. فكلما ارتفع مستوى القوة النارية والتفوق التكنولوجي، ارتفعت معه أيضًا قدرة الصورة على كشف الكلفة الإنسانية للحرب أمام العالم. وهكذا، بدأ العجز عن الحسم يدفع الكيان إلى مزيد من الاعتماد على القوة، بينما كان فائض القوة نفسه يُنتج فائضًا آخر من العزلة والأسئلة والضغط الأخلاقي والسياسي.
ولأول مرة في تاريخ الاحتلال الصهيوني، تفلتت الصورة من قبضة السيطرة: فالهاتف الذي يصور لحظة القصف من داخل حي محاصر، أصبح قادرًا على نقل الحرب من غزة إلى الجامعات الغربية، ومن منصات التواصل إلى الإعلام العالمي، ثم إلى منظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية. ومن هنا، بدأت الحرب تتحول تدريجيًا من معركة على الأرض إلى معركة على المعنى والشرعية والوعي العالمي ذاته.
ولم تكن المشكلة الأساسية بالنسبة للكيان أنه أصبح أقل قدرة على التدمير، بل أنها أصبحت أقل قدرة على تحويل هذا التدمير إلى انتصار سياسي وأخلاقي طويل المدى. فالحروب التي خيضت لحماية الردع، بدأت تُنتج الشك في فعالية هذا الردع نفسه. والحروب التي صُممت لترسيخ صورة القوة، بدأت تكشف حدود تلك القوة أمام عالم تغيّرت فيه طبيعة الإعلام والرأي العام وتكنولوجيا الاتصال.
وهكذا، لم يكن التحوّل الحقيقي في حروب الكيان أنها أصبحت أكثر دموية فقط، بل لقد أصبحت أقل قدرة على إنتاج المعنى الذي قامت عليه طويلًا: الردع، والشرعية، وصورة الدولة التي تنتصر بسرعة وتحسم المعركة. لقد امتلك الكيان القدرة على السيطرة على السماء، لكنه بدأ يفقد القدرة على السيطرة على ما تراه الأرض.
لقد كان الكيان ينتصر بالنار، لكنه بدأ يخسر بالصورة. ومنذ اللحظة التي تفلتت فيها الصورة من قبضة القوة، بدأت الحروب تُنتج العزلة بدل الردع، والأسئلة بدل اليقين.




