آفات التشخيص الخاطئ للتكليف التاريخي
حين يُستدعى المقصد الصحيح في اللحظة الخطأ
4/5
سلسلة: من كربلاء إلى الطوفان: فقه التدافع وواجبات الأمة بعد اللحظة الحسينية

بين يدي المقال: في هذه السلسلة المتعلقة ب”فقه التدافع وواجبات الأمة ” بعد اللحظة الحسينية التي أحدثها الطوفان، لن نبتعد عن الموضوع الأساس حينما نتحدث عن آفات التشخيص الخاطئ للتكليف التاريخي. حيث إنه بعد توصيف أربعة خيارات صحيحة تكون أمام الدول والحركات، فهناك اثنا عشر خيارا آخر، إلا أنها كلها خاطئة.. هذا النقاش مهم لتثبيت خيار السابع من أكتوبر كونه خيارا صحيحا، كان أمام حالة اختلال القوة مع ارتفاع درجة الخطر على الهوية والقيم، في أفق تشخيص واجبات الأمة بناء على مرحلة ما بعد الحسينية.
تمهيد
إذا كانت الدراسة، في أجزائها الثلاثة السابقة، قد انتهت إلى أن الأمة لا تواجه لحظة تاريخية واحدة، وإنما أربع حالات كبرى، يختلف فيها نوع التكليف باختلاف مستوى القدرة ومستوى الخطر، فإن ذلك يقود إلى سؤال أشد تعقيدًا، وهو: إذا كانت النماذج الأربعة كلها صحيحة، فمن أين ينشأ الخطأ؟
إن المتأمل في تاريخ الأمم يكتشف أن أكثر الإخفاقات الكبرى لم تكن نتيجة غياب المقاصد، ولا فساد النيات، وإنما نتيجة سوء تشخيص اللحظة التاريخية. فكم من مشروع انهار باسم المحافظة عليه، وكم من مواجهة اندلعت باسم حماية المبادئ قبل اكتمال شروطها، وكم من قوة ضاعت لأنها استعجلت الحسم، وكم من نهضة تعطلت لأن أصحابها انشغلوا بالبناء بينما كانت البوصلة أو الوجود نفسه يتعرضان للخطر.
ومن هنا، فإن الحديبية، والحسينية، والعمران، والفتح، ليست خيارات متنافسة يتخير منها الإنسان ما يشاء، ولا شعارات تصلح لكل زمان ومكان، وإنما هي وظائف حضارية متكاملة، لكل واحدة منها شرطها التاريخي، ومقصدها الشرعي، ومجالها السنني. ولذلك، فإن صلاح أحدها في ظرف معين لا يعني صلاحيته في سائر الظروف، كما أن صحة المقصد لا تعني صحة استدعائه في كل لحظة.
لقد انتهينا في الأجزاء السابقة إلى أن نوع التكليف التاريخي يتحدد بتفاعل عاملين اثنين: مستوى القدرة، ومستوى الخطر. فإذا اختل أحدهما اختل معه تشخيص التكليف، وإذا اختل التشخيص استُدعي المقصد الصحيح في اللحظة الخطأ، فتحول من أداة للإصلاح إلى سبب من أسباب الخلل.
ومن خلال استقراء مسار الأمم، يبدو أن أكثر صور هذا الخلل يمكن ردها إلى أربع آفات كبرى، ليست ناتجة عن فساد المقاصد، وإنما عن فساد تنزيلها على الواقع: التأجيل، حين تستمر استراتيجية البقاء بعد انتهاء شروطها؛ والاستعجال، حين يُستدعى حفظ المعنى قبل أوانه؛ والمجازفة، حين يُطلب الحسم قبل اكتمال القدرة؛ والانشغال، حين يطغى بناء القوة على مقتضيات اللحظة التاريخية.
ولذلك، فإن هذا الجزء لا يبحث في أي المقاصد أفضل، فقد استقر أنها جميعًا مشروعة في مواضعها، وإنما يبحث في كيف تخطئ الأمم تشخيص نوع التكليف؟ وكيف يتحول المقصد الصحيح، إذا استُدعي خارج شروطه، إلى أحد أسباب تعثر المشاريع الحضارية؟ حيث تبدأ هناك ملامح فقه الخطأ في التدافع، بوصفه الوجه الآخر لفقه التدافع نفسه. فالمعضلة لا تكمن في تعارض المقاصد، وإنما في سوء توقيت استدعائها.
وإذا كان لكل مرحلة من مراحل الصيرورة التاريخية مقصدها الخاص، فإن لكل مقصد أيضًا عقله الذي يدرك مقتضياته، والفضيلة التي تحفظ توازنه، وله أيضا آفته التي تهدد سلامة الانتقال إليه. فليست جميع المراحل تُدار بالعقل نفسه، ولا تُقاس بالفضيلة نفسها، كما أن الانحراف الذي قد يتهددها لا يكون واحدًا في جميع الأحوال: فحفظ الوجود (الحالة الحديبية) يحتاج إلى عقل سياسي يوازن بين المصالح والمفاسد، ويقوده خلق الحكمة حتى لا ينزلق إلى آفة التأجيل. وحفظ المعنى (الحالة الحسينية) يحتاج إلى عقل مرجعي يحرس البوصلة، وتعضده فضيلة الثبات حتى لا يتحول إلى استعجال. أما بناء القدرة (الحالة الفتحية) فيقتضي عقلًا حضاريًا يراكم أسباب القوة، ويقوم على فضيلة الإتقان حتى لا ينشغل بالبناء عن مقتضيات اللحظة. في حين أن توجيه القدرة (الحالة العمرانية) لا يستقيم إلا بعقل استراتيجي يحسن تقدير لحظة الحسم، ويضبطه خلق الحسم نفسه، حتى لا ينقلب إلى مجازفة. ويمكن تلخيص هذه العلاقة في الجدول الآتي:
| المرحلة | العقل | الفضيلة | الآفة |
| حفظ الوجود | السياسي | الحكمة | التأجيل |
| حفظ المعنى | المرجعي | الثبات | الاستعجال |
| بناء القدرة | الحضاري | الإتقان | الانشغال |
| توجيه القدرة | الاستراتيجي | الحسم | المجازفة |
أولا: آفة التأجيل: حين تستمر استراتيجية حفظ الوجود بعد انتهاء شروطها:
ليس كل صبر فضيلة، كما أن ليس كل استعجال مذموم. فكما أن الحكمة قد تقتضي تأجيل المواجهة في مرحلة يكون فيها همُّ الأمة الأكبر هو حفظ وجودها، فإن الحكمة نفسها قد تقتضي الانتقال إلى مقصد آخر، متى تغيرت شروط الواقع. ومن هنا، لا ينشأ التأجيل من رفض الإصلاح، وإنما من الاستمرار في أداء تكليف انتهى زمنه.
إن حفظ الوجود مقصد عظيم، بل هو الشرط الذي لا تقوم المقاصد الأخرى إلا به. غير أن تحوله من مرحلة انتقالية إلى حالة دائمة قد يجعل الأمة أسيرة منطق البقاء، حتى بعد أن يصبح الخطر الحقيقي موجهًا إلى بوصلتها، أو إلى قدرتها، أو إلى فرصتها التاريخية في تصحيح مسارها. وهنا لا يعود التأجيل مجرد تريث، بل يصبح سببًا في تعطيل الانتقال إلى التكليف الذي تستدعيه المرحلة الجديدة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يطرحه هذا المبحث ليس: هل كان الصبر مشروعًا؟ وإنما: متى يفقد الصبر مشروعيته، ويتحول إلى تأجيل؟ وكيف يمكن للتمسك باستراتيجية كانت سببًا في حفظ المشروع، أن يغدو، إذا استمرت بعد انتهاء شروطها، أحد أسباب إضعافه أو تعطيل تقدمه؟
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر آفة التأجيل على صورة واحدة، بل تتجلى في ثلاث حالات كبرى: حين يُؤجَّل حفظ المعنى بعد أن يصبح هو الأولوية، أو يُؤجَّل بناء القدرة بعد تهيؤ شروطه، أو تُؤجَّل لحظة توجيه القوة بعد اكتمال أسبابها. وفي كل حالة من هذه الحالات، لا يكون الخطأ في مقصد حفظ الوجود نفسه، وإنما في استدعائه خارج زمنه السنني.
وبعبارة أخرى، تتجلى آفة التأجيل في إحدى الحالات الثلاث التالية: استدعاء الحديبية محل الخيار الحسيني أو الخيار الفتحي أو العمراني.
1. تأجيل الانتقال إلى حفظ المعنى: حين يصبح بقاء المشروع مهددًا بفقدان بوصلته:
حين حددنا سابقا، حالة الحديبية، كنموذج لحفظ الوجود، فلم يكن المقصود أن يتحول إلى غاية مستقلة، وإنما أن يكون الجسر الذي تعبر عليه الأمة لتحقيق مقاصدها العليا: فإذا نجحت في المحافظة على وجودها، ثم ظهر خطر جديد يستهدف مرجعيتها نفسها، لم يعد استمرارها في استراتيجية البقاء كافيًا؛ لأن الأمة حينها قد تبقى موجودة، لكنها تفقد المعنى الذي من أجله بقيت.
وهنا ينتقل الخطر من مستوى الوجود إلى مستوى الاتجاه. هناك لا يبقى السؤال: مطروحا حول ما إذا كان مشروع الأمة سيظل حيا، وإنما سيصبح: أي مشروع سيبقى للأمة؟ فإذا بدأ الانحراف يعيد تعريف الحق والباطل، والمعروف والمنكر، والعدل والظلم، فإن المحافظة على الوجود وحده لا يمنع انهيار المشروع، بل قد يمنح ذلك الانحرافَ وقتًا أطول ليتحول إلى مرجعية مزيفة بديلة.
ولهذا كان النموذج الحسيني انتقالًا حتميا من حفظ الوجود إلى حفظ المعنى؛ لأن الخطر لم يعد موجهًا إلى بقاء الأمة، وإنما إلى الاتجاه الذي ستسير فيه بعد بقائها. ومن هنا يصبح الاستمرار في استراتيجية البقاء، بعد بلوغ الخطر هذا المستوى، صورة من صور التأجيل، لا من صور الحكمة.
وقد يمثل موقف عدد من كبار الصحابة والتابعين، مثل عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، ثم من بعدهم كثير من فقهاء المدينة، الذين آثروا تجنب الانخراط في الصراع المسلح، اجتهادًا مشروعًا في سياقه التاريخي؛ إذ كان الخطر الأكبر، في تقديرهم، يتمثل في انفراط جماعة المسلمين وعودة الفتنة، فكان حفظ وجود الأمة ووحدتها مقدمًا على ما سواه. غير أن الحسين بن علي رأى أن طبيعة الخطر قد تغيرت؛ فلم يعد مقتصرًا على نزاع سياسي أو صراع على السلطة، بل أصبح يمس المرجعية التي تضبط الشرعية، وتحدد المعروف والمنكر، حتى أخذت الغلبة نفسها تتحول إلى مصدر للشرعية. ومن هنا انتقل، في تقديره، التكليف من حفظ الوجود إلى حفظ المعنى، فلم يكن خروجه اعتراضًا على ظلم عابر، وإنما استجابة لما رآه تحولًا في طبيعة الخطر الذي يهدد بوصلة الأمة.
يمكن التعرف على هذه الحالة من خلال جملة من المؤشرات المتلازمة، والتي تكشف عن اختلال ترتيب المقاصد: فأول ما يلفت النظر هو أن يتحول الهم الأكبر إلى المحافظة على الاستقرار، مهما كان الثمن القيمي الذي يُدفع في سبيله، حتى يبدأ الانحراف في إعادة تعريف المعروف والمنكر، والحق والباطل، دون أن يلقى مقاومة فكرية أو أخلاقية تتناسب مع خطورته. وعندئذٍ تنقلب الوسائل إلى غايات، فيغدو بقاء النظام أهم من بقاء الرسالة، ويكثر التحذير من أخطار التغيير، بينما يتراجع التنبيه إلى أخطار استمرار الانحراف وترسخه. وحين تبلغ هذه الحالة ذروتها، تصبح كل دعوة إلى تصحيح البوصلة متهمة بإثارة الفتنة، ولو كان الانحراف يتجذر يومًا بعد يوم، ويعيد تشكيل وعي الأمة ومعاييرها.
إن الانتقال من حفظ الوجود إلى حفظ المعنى ليس قرارًا عاطفيًا، ولا استجابة لضغط الواقع، وإنما هو انتقال تحكمه قاعدة سننية واضحة:
إذا أصبح الخطر موجهًا إلى المرجعية التي تميز الحق من الباطل، ولم يعد مقتصرًا على تهديد الوجود المادي للمشروع، انتقل التكليف من حفظ الوجود إلى حفظ المعنى.
وعند هذه النقطة، لا يعود استمرار استراتيجية البقاء تعبيرًا عن الحكمة، بل قد يتحول، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى مساهمة في ترسيخ الانحراف الذي كان الواجب منعه.
2. تأجيل بناء القدرة: حين يتحول البقاء إلى غاية، وتضيع فرص النهوض:
ليست غاية حفظ الوجود أن يستمر المشروع في حالة دفاع دائم، كما أن غاية حفظ المعنى ليست أن تبقى الأمة منشغلة إلى الأبد بحراسة بوصلتها. فكل مقصد من المقاصد الأربعة إنما يؤدي وظيفته ليفتح الطريق أمام المقصد الذي يليه. فإذا استقر الوجود، وحُفظ المعنى، أصبح التكليف الجديد هو بناء القدرة؛ لأن الأمم لا تُصان مقاصدها بالنوايا وحدها، وإنما بما تمتلكه من أسباب القوة والعلم والعمران.
ومن هنا، فإن أحد أخطر أشكال التأجيل أن تستمر الأمة حبيسة ذهنية البقاء، رغم زوال أسبابها، فتظل تقيس النجاح بمجرد عدم السقوط، بينما تكون الأمم الأخرى قد انتقلت إلى صناعة القوة. وهنا لا ينهار المشروع بسبب عدوان خارجي، وإنما بسبب عجزه عن الانتقال من مرحلة المحافظة إلى مرحلة الإنجاز.
إذا كان حفظ الوجود يمنع الفناء، فإن حفظ المعنى يمنع الانحراف، أما بناء القدرة فهو الذي يمنع التبعية. ولذلك، فإن تأجيل هذا الانتقال يجعل المشروع يعيش على أمجاد الماضي، ويستهلك ما ورثه، دون أن ينتج من أسباب القوة ما يؤهله لصناعة المستقبل.
يمثل مسار الدولة العثمانية، منذ معاهدة كارلوفتس سنة 1699م، مثالًا معبرًا على هذه الحالة: فقد كشفت الهزائم المتتالية، ولا سيما أمام الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية، أن موازين القوة الدولية بدأت تشهد تحولًا بنيويًا لم يعد يمكن التعامل معه بالأدوات التقليدية. وأصبحت اللحظة التاريخية تفرض الانتقال من منطق المحافظة على ما هو قائم إلى منطق بناء قدرة حضارية جديدة، تقوم على إصلاح التعليم، وتحديث الإدارة، وتطوير الصناعة، وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية.
غير أن هذا الانتقال تأخر عقودًا طويلة، ولم يبدأ بصورة واضحة إلا مع إصلاحات السلطان محمود الثاني، ثم في مرحلة التنظيمات (1839–1876م)، بعد أن اتسعت الفجوة الحضارية مع أوروبا، وأصبحت كلفة الإصلاح أعلى بكثير مما كانت عليه عند بداية التحول. ولم يكن الخلل في غياب الوعي بضرورة الإصلاح، ولا في انعدام محاولاته، وإنما في التأخر في إدراك أن التكليف التاريخي قد انتقل من حفظ الدولة القائمة إلى بناء القدرة التي تضمن استمرارها في عالم تغيرت قواعد القوة فيه.
ويمكن التعرف على هذه الحالة، من خلال جملة من المؤشرات، والتي تدل على أن الأمة لم تعد تؤجل بناء القدرة فحسب، بل فقدت الإحساس بأولويته أصلًا. حيث يبدأ ذلك حين يتحول الحفاظ على المكتسبات السابقة إلى بديل عن إنتاج مكتسبات جديدة، وهو ما سماه ابن خلدون بمرحلة تبذير ثمرات الملك. فيطغى استحضار أمجاد الماضي على الاستثمار في صناعة المستقبل، وتغدو الذاكرة تعويضًا عن المبادرة. ومع هذا المناخ، تُؤجل مشاريع الإصلاح والتعليم والبحث العلمي والصناعة.. بدعوى أن الأولوية ما تزال للمحافظة على الواقع القائم، فيزداد الاعتماد على ما ينتجه الآخرون، بينما تتراجع القدرة على الإنتاج الذاتي والابتكار. وحين تستقر هذه الحالة، تنتقل الأمة من مشروع بناء القوة إلى مجرد إدارة الضعف، فتغدو المحافظة على مستوى العجز القائم إنجازًا، بدل أن يكون تجاوزه هو التكليف التاريخي المطلوب.
إن الانتقال إلى بناء القدرة لا يرتبط ببلوغ الكمال، وإنما ببلوغ الحد الأدنى الذي يضمن بقاء المشروع وحفظ بوصلته. فإذا استقر الوجود، وأصبح الخطر على المعنى تحت السيطرة، فإن تأخير الاستثمار في بناء الإنسان والمؤسسات والعلم والاقتصاد يتحول من حكمة إلى تقصير.
فإذا استقر الوجود، وحُفظ المعنى، أصبح بناء القدرة تكليفًا، وأي تأخير غير مبرر في الانتقال إليه، يفضي إلى استدامة الضعف، ولو لم تتعرض الأمة لهزيمة مباشرة.
3. تأجيل توجيه القدرة: حين تتحول القوة إلى رصيد معطل:
ليس بناء القدرة هو الغاية الأخيرة للمشروع الحضاري، وإنما هو وسيلة تُمكِّن الأمة من أداء رسالتها في التاريخ. ولذلك، فإن الأمة التي نجحت في حفظ وجودها، ثم حفظت معناها، ثم بنت أسباب قوتها، لا يجوز لها أن تتوقف عند هذا الحد؛ لأن القوة التي لا تُوجَّه لتحقيق العدل، ورفع الظلم، وتصحيح الانحراف، تتحول إلى طاقة معطلة، أو قد تصبح غاية في ذاتها.
ومن هنا، فإن أخطر صور التأجيل ليست تلك التي تؤخر بناء القوة، وإنما تلك التي تؤخر توجيهها بعد اكتمالها. فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تكتفي بامتلاك الإمكانات دون أن تحسن استثمارها؛ إذ إن الفرص التاريخية، كغيرها من السنن، لها لحظات إذا مضت لم تعد كما كانت.
ولهذا، فإن التردد في الانتقال من مرحلة الإعداد إلى مرحلة الإنجاز، قد يؤدي إلى ضياع ثمار عقود طويلة من البناء، وإلى منح قوى الانحراف فرصة جديدة لإعادة ترتيب أوضاعها واستعادة زمام المبادرة.
ويقدم تاريخ الصين، في مطلع القرن الخامس عشر، نموذجًا معبرًا على هذه الحالة. ففي عهد الإمبراطور يونغله (1402-1424م)، بلغت الدولة الصينية ذروة ازدهارها الحضاري، وامتلكت واحدة من أعظم القدرات البحرية في العالم آنذاك؛ إذ شيدت أسطولًا ضخمًا بقيادة القائد المسلم تشنغ خه، الذي قاد بين سنتي 1405 و1433م سبع رحلات بحرية وصلت إلى جنوب شرق آسيا والهند والخليج العربي وشرق إفريقيا، في وقت لم تكن فيه القوى الأوروبية قد دخلت بعد عصر الكشوف الجغرافية.
غير أن هذه القدرة لم تتحول إلى مشروع استراتيجي دائم؛ فبعد وفاة الإمبراطور يونغله، اختارت الدولة التراجع عن سياستها البحرية، وأوقفت الرحلات، وأهملت أسطولها، واتجهت إلى الانكفاء الداخلي. وهكذا، بينما كانت الصين تمتلك مقومات قيادة المجال البحري العالمي، تركت تلك الفرصة التاريخية تضيع، لتبدأ، بعد عقود قليلة، مرحلة الصعود البرتغالي ثم الإسباني، ومنها انطلقت التحولات التي أعادت رسم خرائط التجارة وموازين القوة العالمية لقرون تالية.
ولم يكن موطن الخلل افتقار الصين إلى الموارد أو التكنولوجيا أو الكفاءات، وإنما التأخر في توجيه قدرة كانت قد بلغت مستوى يؤهلها لصناعة تحول تاريخي، قبل أن تنتقل المبادرة إلى قوى أخرى أحسنت استثمار اللحظة.
ولم يكن موطن الخلل هو افتقار الصين إلى الموارد أو المعرفة أو القدرة، وإنما التأخر في توجيه تلك القدرة نحو مشروع تاريخي يواكب التحولات الكبرى، قبل أن تتغير موازين القوى نهائيًا.
ويمكن التعرف على هذه الحالة من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن الأمة قد تمتلك قدرًا معتبرًا من القوة، لكنها لا تحسم قرار توجيهها: ويبدأ ذلك حين تتوافر عناصر القدرة، بينما تغيب الإرادة في توظيفها، فيطغى منطق إدارة الواقع على إرادة صناعته، ويصبح الحفاظ على التوازنات القائمة هدفًا في ذاته. ومع مرور الوقت، يتكرر الحديث عن أن “الظروف لم تنضج بعد“، رغم اكتمال معظم الشروط التي تتيح الانتقال إلى الفعل، فتضيع الفرص التاريخية الواحدة تلو الأخرى، إما بسبب التردد، أو الانقسام الداخلي، أو المبالغة في تقدير المخاطر. وعندئذٍ يتحول الإعداد من مرحلة تمهيدية إلى حالة دائمة، ويصبح البناء غاية في ذاته، بينما يبقى الإنجاز مؤجلًا إلى أجل لا يكاد يأتي..
إن بناء القدرة ليس غاية مستقلة في ذاته، وإنما مرحلة تمهيدية: فإذا بلغت الأمة مستوى من القوة يتيح لها معها حماية مشروعها، وتصحيح مساره، وردع الانحراف، فإن الاستمرار في التأجيل يفقد القوة وظيفتها، ويحولها من وسيلة للإصلاح إلى رصيد معطل. وإذا اكتملت القدرة بالقدر الذي يحقق إمكان الفعل، وأصبح تأخير استعمالها سببًا في ضياع المقصد، أو تفويت الفرصة التاريخية، انتقل التكليف من بناء القدرة إلى توجيهها.
| الآفة | الحالة | شاهد تاريخي مقترح | لماذا هو مناسب؟ |
| التأجيل | تأجيل حفظ المعنى | أواخر الدولة الأموية قبل كربلاء | استمر فقه الاستقرار بينما كانت البوصلة تضيع. |
| تأجيل بناء القدرة | الدولة العثمانية في القرن 18–19 | تأخر الإصلاح العسكري والعلمي حتى اتسعت الفجوة مع أوروبا. | |
| تأجيل توجيه القدرة | صلاح الدين بعد حطين لو لم يتجه إلى القدس (يمكن استبداله بمثال أوضح) | ضياع فرصة الحسم بعد تهيؤ شروطه. |
ثانيا: آفة الاستعجال: حين تتحول كل أزمة إلى لحظة حسينية:
إذا كانت آفة التأجيل تنشأ من البقاء في تكليف انتهى زمنه، فإن آفة الاستعجال تنشأ من القفز إلى تكليف لم تستكمل شروطه بعد. والخطأ في الحالتين واحد، وهو سوء تشخيص طبيعة اللحظة التاريخية، غير أن الأول يؤخر الانتقال الواجب، بينما الثاني يعجله قبل أوانه.
وتتمثل هذه الآفة في استدعاء حفظ المعنى خارج مجاله السنني، حتى يصبح النموذج الحسيني هو العدسة الوحيدة التي تُقرأ بها جميع الأزمات، بصرف النظر عن اختلاف مستويات الخطر والقدرة. وهناك، تنزوي الحالة في محاولة الجواب عن سؤال: بل يصبح: كيف نكرر كربلاء؟، بدل التوسع للجواب عن سؤال: ما الذي تفرضه هذه اللحظة؟؛ مع أن السنن لا تعيد إنتاج النماذج، وإنما تعيد إنتاج شروطها.
ومن هنا، قد تتحول الشجاعة إلى استعجال، والتضحية إلى استنزاف، والصدق في حمل المبادئ إلى تجاوز لترتيب المقاصد. فقد يكون الواجب في لحظة ما هو حفظ الوجود قبل كل شيء، أو بناء القدرة قبل خوض المواجهة، أو توجيه القدرة بعد اكتمالها، لا استدعاء لحظة الشهادة التاريخية قبل تحقق شروطها.
ولذلك، فإن هذه الآفة لا تتمثل في تعظيم النموذج الحسيني، وإنما في تعميمه؛ إذ تتحول الحالة الاستثنائية إلى قاعدة عامة، ويُختزل فقه التدافع كله في مقصد واحد، بينما هو في حقيقته منظومة متكاملة من المقاصد، لكل واحد منها زمانه، وشروطه، ووظيفته.
ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المبحث ثلاث صور كبرى للاستعجال: حين يُستدعى حفظ المعنى بدل حفظ الوجود، أو بدل بناء القدرة، أو بدل توجيه القدرة. وفي جميع هذه الصور لا يكون الخلل في قداسة المقصد، وإنما في استدعائه خارج اللحظة التي جعلته السنن تكليفًا واجبًا.
وبعبارة أخرى، تتجلى آفة الاستعجال في إحدى الحالات الثلاث التالية: استدعاء الحسينية محل الخيار الحديبي أو الخيار الفتحي أو العمراني.
4. استعجال حفظ المعنى بدل حفظ الوجود: حين تُقدَّم الشهادة على البقاء:
إذا كان حفظ المعنى هو المقصد الأعلى، حين يبلغ الانحراف درجة تهدد بوصلة الأمة، فإن ذلك لا يعني أن يصبح هو ذات التكليف في كل لحظة: فقبل أن تبلغ الأمة هذا المستوى من الخطر، يكون حفظ وجودها هو الشرط الذي تتوقف عليه جميع المقاصد الأخرى؛ إذ لا يمكن لمشروع أن يحفظ معناه إذا فقد وجوده أصلًا.
ومن هنا، فإن أحد أخطر صور الاستعجال أن تُستدعى استراتيجية حفظ المعنى، بينما لا يزال التكليف الحقيقي هو حفظ الوجود. ففي هذه الحالة تتحول التضحية من وسيلة لحماية المشروع إلى سبب في تعريضه للاستنزاف أو الاستئصال، لا لأن مقصدها غير مشروع، وإنما لأنها جاءت قبل اكتمال شروطها التاريخية.
وهنا لا يكون الخطأ في تعظيم المبادئ، بل في سوء ترتيب المقاصد. فالفقه السنني يتجاوز الجواب عن السؤال عن أشرف المقاصد، إلى الجواب عما هو المقصد الذي تستدعيه هذه اللحظة؟ ولذلك، فإن تقديم حفظ المعنى على حفظ الوجود، قبل أن يبلغ الخطر مستوى تهديد البوصلة، قد يؤدي إلى ضياع المشروع نفسه، فتفقد الأمة القدرة على حفظ وجودها ومعناها معًا.
ويمكن أن يُستشهد هنا بانتفاضة عيد الفصح الأيرلندية سنة 1916م ضد الحكم البريطاني: فقد انطلقت الانتفاضة من دوافع وطنية وأخلاقية صادقة، سعت إلى تحقيق استقلال أيرلندا، بعد قرون من السيطرة البريطانية. غير أن جوهر الصراع آنذاك كان يدور حول السيادة السياسية: ولم يكن الخطر، في تلك اللحظة، قد بلغ الدرجة التي تجعل في خطر حفظ المرجعية الدينية أو الهوية الحضارية للأمة الأيرلندية، أو تعريف منظومتها القيمية، على نحو يستوجب استدعاء نموذج الشهادة التاريخية. ومع ذلك، اختارت مجموعة محدودة من الثوار مواجهةً شاملة مع قوة إمبراطورية تفوقها تفوقًا ساحقًا، فانتهت الانتفاضة خلال أقل من أسبوع، وقُتل نحو 450 شخصًا، وأصيب أكثر من 2500، وكان معظم الضحايا من المدنيين، كما تعرضت أجزاء واسعة من وسط دبلن لدمار كبير.
هنا يظهر جليا أن العدالة وحدها لا تحدد نوع التكليف؛ إذ ليس كل احتلال يستدعي الخيار الحسيني، وإنما يتوقف ذلك على طبيعة الخطر الذي يهدد الأمة، وما إذا كان يمس وجودها، أو بوصلتها، أو يقتصر على صراع سياسي يمكن أن تتعدد فيه مسارات الفعل التاريخي.
ويمكن التعرف على هذه الحالة، من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن مقصد حفظ المعنى قد استُدعي خارج مجاله السنني: ويبدأ ذلك حين تُختزل كل أزمة سياسية، أو كل ظلم قائم، في لحظة تاريخية فاصلة، وكأنها تستوجب بالضرورة استدعاء النموذج الحسيني، دون تمييز بين اختلاف مستويات الخطر التي تواجه الأمة. ومع هذا الاختزال، تتحول التضحية من وسيلة لحفظ المعنى إلى قيمة قائمة بذاتها، ويغيب التفكير في كيفية حفظ المشروع واستمراره بعد المواجهة، حتى يصبح الفعل الرمزي أهم من بقاء الرسالة نفسها. وعندئذٍ يُنظر إلى النموذج الحسيني بوصفه القاعدة العامة في مواجهة كل انحراف، بدل إدراك أنه استجابة استثنائية لحالة بلغ فيها الخطر حدًّا يهدد بوصلة الأمة ومرجعيتها، لا مجرد ظلم سياسي أو اختلال في موازين الحكم.
لا ينتقل التكليف من حفظ الوجود إلى حفظ المعنى، لمجرد وجود الظلم، ولا لمجرد فساد السلطة، وإنما حين يصبح الانحراف نفسه مهددًا للمرجعية التي تميز الحق من الباطل، ويغدو السكوت سببًا في إعادة تشكيل وعي الأمة على أساس ذلك الانحراف.
وعليه، فإن الضابط المنهجي هو: إذا كان الخطر لا يزال موجهًا إلى وجود المشروع أكثر من اتجاهه، وكانت المحافظة على الوجود شرطًا لبقاء الرسالة، فإن التكليف يبقى حفظ الوجود، ولا يجوز الانتقال إلى حفظ المعنى قبل تحقق شروطه السننية.
5. استعجال حفظ المعنى بدل بناء القدرة: حين تُقدَّم المواجهة على الإعداد:
إذا نجحت الأمة في حفظ وجودها، واستقرت بوصلتها، فإن التكليف لا ينتقل مباشرة إلى المواجهة أو الحسم، وإنما يمر بمرحلة لا غنى عنها، هي بناء القدرة. فالمعنى، مهما كان سموه، لا يصنع أثره في التاريخ بمجرد وضوحه، وإنما يحتاج إلى إنسان قادر، ومؤسسات فاعلة، وعلم منتج، واقتصاد قوي، وتنظيم محكم، حتى يتحول من قيمة أخلاقية إلى قوة حضارية.
ومن هنا، فإن أحد أخطر صور الاستعجال، أن تظن الأمة أن سلامة القضية تغني عن بناء أسبابها، أو أن نقاء المبادئ يعوض نقص الإمكانات. وهنا تتحول الشجاعة إلى استنزاف، وتتحول التضحية إلى بديل عن الإعداد، مع أن السنن لا تعفي أصحاب الحق من واجب إعداد القوة.
ولهذا، فإن حفظ المعنى لا يكتمل بمجرد الدفاع عنه، في وقت لا يتهدد الهوية خطر كبير، وإنما يكتمل ببناء القدرة التي تضمن استمراره وتأثيره. أما القفز على هذه المرحلة، فهو لا يعجل بالنصر، بل يؤخره، لأنه يجعل الأمة تدخل معارك لا تملك بعدُ أدوات حسمها.
وتُعد تجربة تشي غيفارا في بوليفيا (1966-1967م) من أبرز الأمثلة على هذه الحالة: فقد سعى إلى نقل النموذج الثوري الذي نجح في كوبا إلى واقع مختلف، منطلقًا من قناعة بأن المبادرة الثورية يمكن أن تسبق تشكل البيئة الحاضنة لها. غير أن المشروع لم يجد قاعدة اجتماعية واسعة، ولا تنظيمًا محليًا راسخًا، ولا بنية لوجستية وسياسية قادرة على حمله واستمراره. فلم تلبث التجربة أن انتهت بمقتله وتفكك المجموعة التي قادها، دون أن تحقق الهدف الذي خرجت من أجله.
ولا يتعلق وجه الاستشهاد هنا بالحكم على فكر غيفارا أو أهدافه، وإنما بإبراز قانون سنني عام، هو أن وضوح الرسالة لا يغني عن بناء القدرة الحاملة لها، خاصة إذا كان الظرف لا يتطلب الاستعجال، وأن استدعاء مشروع تغييري واسع قبل اكتمال شروطه الاجتماعية والتنظيمية قد يحول الفكرة، مهما بلغت قوة حضورها الرمزي، إلى مشروع يعجز عن إحداث التحول الذي ينشده.
ويمكن التعرف على هذه الحالة من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن حفظ المعنى قد استُدعي قبل اكتمال بناء القدرة الحاملة له: ويبدأ ذلك حين يُختزل نجاح المشروع في صدق القضية وعدالة مقصدها، وكأن مشروعية الغاية تغني عن إعداد الوسائل التي تحققها. ومع هذا التصور، يتراجع الاهتمام ببناء الإنسان، وإعداد المؤسسات، وتكوين التنظيمات، وإنتاج المعرفة، بدعوى أن اللحظة لا تحتمل إلا المواجهة، فتُستنزف الطاقات في معارك متتابعة، بينما يظل البناء الاستراتيجي مؤجلًا. ويغلب على الحركة منطق الحماسة الآنية على حساب التخطيط بعيد المدى، حتى يُنظر إلى الإعداد نفسه بوصفه ترفًا يمكن تأجيله، لا جزءًا أصيلًا من التكليف الذي تفرضه المرحلة.
إن سلامة المعنى لا تعفي من استكمال شروط القدرة، لأن السنن لا تتغير بتغير عدالة القضايا. فإذا استقرت البوصلة، ولم يبلغ المشروع بعدُ مستوى من القوة يؤهله للتأثير، فإن التكليف لا يكون بالمواجهة، وإنما ببناء القدرة التي تجعل تلك المواجهة ذات أثر.
فإذا كان المعنى محفوظًا، بينما القدرة لم تكتمل بعد، فإن التكليف ينتقل وجوبا إلى بناء القدرة، لا إلى استنزافها في مواجهات تسبق أوانها. فقد لا تنتصر الأفكار لأنها صحيحة، وإنما لأنها نجحت أولًا في بناء القدرة التي تحملها.
6. استعجال حفظ المعنى بدل توجيه القدرة: حين تستمر عقلية الشهادة بعد اكتمال شروط الإنجاز:
ليست الشهادة غاية في ذاتها، كما أن التضحية ليست المقصد الأخير للمشروع الحضاري. وإنما شُرعت لحماية المعنى عندما يصبح هو المهدد، حتى إذا حُفظ المعنى، وبُنيت القدرة، انتقل التكليف إلى مرحلة جديدة، هي توجيه تلك القدرة نحو تحقيق مقاصد الإصلاح والعدل والعمران.
ومن هنا، فإن من أخطر صور الاستعجال أن تبقى الأمة أسيرة منطق الشهادة، بعد أن تصبح مؤهلة للانتقال إلى منطق الإنجاز. ففي هذه الحالة لا يعود الخلل في نقص القدرة، بل في العجز عن تغيير طبيعة التكليف. فتستمر الأدوات التي كانت صالحة لحماية المشروع، في الوقت الذي أصبح المشروع مطالبًا بقيادة الواقع لا بمجرد الاعتراض عليه.
إن التاريخ لا يطلب من الأمم أن تبقى دائمًا في لحظة كربلاء، كما لا يطلب منها أن تبقى دائمًا في الحديبية. فلكل مرحلة تكليفها، ولكل تكليف منطقه. وحين تكتمل شروط الفعل، يصبح الاستمرار في استدعاء النموذج الحسيني، رغم انتقال الواقع إلى مرحلة تستوجب توجيه القدرة، صورة أخرى من صور سوء تشخيص اللحظة التاريخية.
ولعل من أبرز الشواهد على هذه الحالة ما عرفته بعض حركات التحرر الوطني بعد الاستقلال. فقد نجحت جبهة التحرير الوطني الجزائرية (FLN) في قيادة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، حتى نيل الاستقلال سنة 1962م.. غير أن منطق الشرعية الثورية ظل، إلى حد بعيد، يحكم إدارة الدولة في العقود التالية، فتأخر الانتقال إلى بناء مؤسسات سياسية، تتأسس على التعددية وتداول السلطة..
كما عرف الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي (ZANU-PF)، بعد الاستقلال سنة 1980م، مسارًا مشابهًا؛ إذ احتفظ بمنطق التعبئة الثورية، بعد انتقاله إلى موقع الحكم، فغلبت شرعية التحرير على متطلبات بناء الدولة وإدارة التنمية.
ولا يتعلق وجه الاستشهاد هنا بتقويم هاتين التجربتين في مجملهما، وإنما بإبراز قانون سنني متكرر، هو أن النجاح في مرحلة المقاومة لا يضمن النجاح في مرحلة البناء؛ لأن لكل مرحلة تكليفها الخاص، وقد تتحول أدوات التحرير نفسها إلى عائق أمام التمكين إذا لم تنتقل القيادة من شرعية التضحية إلى شرعية الإنجاز، ومن إدارة الصراع إلى إدارة الدولة.
ويمكن التعرف على هذه الحالة، من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن الأمة ما تزال تؤدي وظيفةً انتهى أوانها، بينما يفرض الواقع عليها وظيفة جديدة: ويظهر ذلك حين يستمر الخطاب التعبوي، وأساليب الحشد، ومنطق التعبئة العامة، بعد انتهاء المرحلة التي استدعتها، فيظل النجاح يُقاس بحجم التضحيات أكثر مما يُقاس بحجم المنجزات. ومع هذا الجمود، تتعثر عملية الانتقال من شرعية المقاومة إلى شرعية الإدارة، وتبقى الهياكل التنظيمية وآليات العمل أسيرة المرحلة السابقة، رغم تغير طبيعة الواقع وتبدل مقتضياته. وعندئذٍ تُستقبل كل دعوة إلى بناء المؤسسات، أو تطوير الإدارة، أو إعادة تنظيم أدوات العمل، بوصفها تراجعًا عن المبادئ، لا انتقالًا إلى التكليف الذي تفرضه المرحلة الجديدة.
إن حفظ المعنى لا يُقصد لذاته، وإنما ليُفسح المجال أمام انتقال المشروع إلى مرحلة الفعل الحضاري. فإذا اكتملت القدرة، وأصبحت الأمة قادرة على التأثير في مجرى الأحداث، فإن استمرارها في استدعاء أدوات مرحلة الشهادة، بدل الانتقال إلى أدوات مرحلة التمكين، يؤدي إلى تعطيل المقصد الذي من أجله حُفظ المعنى أصلًا.
فإذا اكتملت القدرة، وأصبح بالإمكان الانتقال من حماية المعنى إلى تحقيقه في الواقع، انتقل التكليف إلى توجيه القدرة، ولم يعد البقاء في منطق الشهادة هو مقتضى الحكمة. ومما ينبغي أن نجعله في الاعتبار كون نموذج له تاريخ “انتهاء صلاحية”، كما له شروط بداية.
فكما أن استدعاء الحسينية قبل أوانها خطأ، فإن الاستمرار فيها، بعد انتهاء وظيفتها الحقيقية خطأ أيضًا. ومن ثم، فإن معيار النجاح ليس الثبات على نموذج واحد، بل القدرة على الانتقال من نموذج إلى آخر، حين تتغير شروط الواقع. فالوفاء للنموذج لا يكون بتكراره، وإنما بالوفاء للوظيفة التي جاء ليؤديها.
| الآفة | الحالة | شاهد تاريخي مقترح | لماذا هو مناسب؟ |
| الاستعجال | حفظ المعنى بدل حفظ الوجود | ثورة المدينة (وقعة الحرة) | مواجهة قبل توافر شروط حفظ المشروع. |
| حفظ المعنى بدل بناء القدرة | ثورات الزيدية المتكررة في العصر الأموي | تكرار المواجهة دون بناء قدرة مستدامة. | |
| حفظ المعنى بدل توجيه القدرة | بعض الحركات الثورية بعد سقوط الاستعمار التي بقيت في منطق الثورة رغم قيام الدولة | استمرار عقلية الشهادة بعد بدء مرحلة البناء. |
ثالثا: آفة المجازفة: حين يُستدعى توجيه القدرة قبل اكتمال شروطه:
إذا كانت آفة التأجيل تنشأ من البقاء في مقصد انتهى زمنه، وكانت آفة الاستعجال تنشأ من استدعاء مقصد قبل أوانه، فإن آفة المجازفة تنشأ من القفز إلى توجيه القدرة قبل أن تستكمل المقاصد التي يقوم عليها. فالتمكين ليس بداية الصيرورة، وإنما خاتمتها؛ إذ لا يستقيم إلا إذا سبقته مراحل حفظ الوجود، وحفظ المعنى، وبناء القدرة.
ومن هنا، فإن الخلل لا يكون في الرغبة في الحسم، ولا في مشروعية توجيه القوة، وإنما في سوء ترتيب المقاصد؛ حين يُظن أن امتلاك قدر من القوة يكفي للانتقال إلى مرحلة التمكين، مع أن المشروع قد لا يكون قد ضمن بعد بقاءه، أو استقرت بوصلته، أو اكتملت قدرته. وعندئذٍ تتحول القوة، بدل أن تكون ثمرةً للصيرورة، إلى محاولة لاختصارها.
ولذلك لا تتجلى المجازفة في صورة واحدة، بل في ثلاث صور متمايزة: فقد تُوجَّه القدرة قبل أن يُؤمَّن وجود المشروع، أو قبل أن تستقر مرجعيته وبوصلته، أو قبل أن تبلغ قدرته المستوى الذي يسمح بحمل أعباء التمكين. وفي جميع هذه الحالات لا يكون الخلل في مشروعية الغاية، وإنما في تقديمها على ما ينبغي أن يسبقها من شروط.
ولهذا، فإن هذا المبحث لا يناقش مشروعية الحسم، وإنما يناقش توقيت الحسم. فكما أن القوة لا تُغني عن البوصلة، فإن البوصلة لا تُغني عن القدرة، وكما أن القدرة لا تُغني عن حفظ الوجود، فإن تمكين الحق لا يتحقق إلا إذا جاء ثمرةً لتكامل هذه المقاصد جميعًا، لا قفزًا عليها. فالحكمة ليست في استعمال القوة متى وُجدت، وإنما في إدراك اللحظة التي يصبح فيها توجيهها هو التكليف التاريخي الصحيح.
وبعبارة أخرى، تتجلى آفة المجازفة في إحدى الحالات الثلاث التالية: استدعاء الفتحية محل الخيار الحديبي أو الخيار الحسيني أو العمراني.
7. توجيه القدرة قبل حفظ الوجود: حين يصبح الحسم سببًا في ضياع أصل المشروع:
ليست الغاية من توجيه القدرة تحقيق انتصار عسكري أو سياسي مجرد، وإنما ضمان انتقال المشروع إلى مرحلة جديدة من الإصلاح والتمكين. ولهذا، فإن أول شرط لمشروعية توجيه القدرة، هو ألا يؤدي استعمالها إلى تعريض أصل المشروع للفناء أو الاستئصال.
ومن هنا، فإن أخطر صور المجازفة أن تمتلك الأمة قدرًا من القوة، ثم تندفع إلى معركة حاسمة، قبل أن تبلغ من الرسوخ ما يجعل وجودها نفسه بمنأى عن الانهيار. وهنا لا يكون الخلل في شجاعة القرار، وإنما في سوء تقدير العلاقة بين القدرة والوجود. فالقوة التي تهدد أصل المشروع ليست قوة موجهة، وإنما قوة أسيء توظيفها.
ولهذا، فإن الفقه السنني لا يقيس نجاح الحسم بمجرد جرأة الفعل، وإنما بقدرته على المحافظة على المشروع الذي خرج من أجله. فإذا كان توجيه القدرة يؤدي، في الغالب، إلى ضياع أصل الوجود، فإن التكليف لا يزال سابقًا على مرحلة الحسم، مهما بلغت الرغبة فيه.
وتُعد الحملة الصقلية التي أطلقتها مدينة أثينا سنة 415 ق.م، خلال الحرب البيلوبونيسية، من أبرز الشواهد على هذه الحالة: فقد كانت أثينا آنذاك القوة البحرية الأولى في العالم اليوناني، وتمتلك نفوذًا واسعًا وتحالفات قوية، غير أن قيادتها قررت توجيه جانب كبير من قدرتها العسكرية إلى حملة بعيدة في صقلية، طمعًا في حسم الصراع وتوسيع مجال نفوذها. إلا أن هذه المجازفة ستكلفها غاليا: إذ انتهت بكارثة استراتيجية، فدُمِّر الأسطول الأثيني، وفُقد عشرات الآلاف من الجنود، وأُسر كثير من قادته، لتبدأ بعدها مرحلة الانحدار التي انتهت بسقوط الهيمنة الأثينية.
هنا يظهر جليا، أن امتلاك قدرة معتبرة، لا يبرر بالضرورة توجيهها إلى معركة حاسمة، إذا كان ذلك التوجيه يعرض أصل المشروع للخطر. فحين يصبح الحسم سببًا في استنزاف القوة التي يقوم عليها المشروع، يتحول توجيه القدرة من وسيلة للتمكين إلى سبب في تهديد الوجود نفسه.
ويمكن التعرف على هذه الحالة، من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن الأمة قد استعجلت الانتقال إلى مرحلة الحسم قبل اكتمال شروطها: ويبدأ ذلك حين تُضخَّم الإنجازات الأولية، ويُنظر إليها بوصفها دليلًا على أن القدرة قد بلغت مرحلة التمكين، فيُنتقل سريعًا من تحقيق المكاسب الجزئية إلى السعي وراء الحسم النهائي، دون اختبار مدى استقرار القدرة أو قابليتها للاستدامة. ومع هذا الاندفاع، يُستهان بالمخاطر الوجودية التي قد تترتب على المواجهة، ويُختزل النجاح في كسب المعركة الآنية، بدل الحفاظ على المشروع الذي سيواصل حمل الرسالة بعدها. وعندئذٍ تتغلب الحماسة على التقدير الاستراتيجي، فيتحول ما كان يفترض أن يكون ثمرةً للصيرورة إلى مجازفة قد تهدم ما راكمته الأمة خلال سنوات طويلة من البناء.
لا يكون توجيه القدرة مشروعًا لمجرد توافر القوة، وإنما حين تصبح هذه القوة قادرة، بدرجة معقولة، على تحقيق مقصدها دون تعريض أصل المشروع للانهيار. فحفظ الوجود ليس مرحلة تُهمَل بعد تجاوزها، بل يظل شرطًا حاضرًا في جميع المراحل اللاحقة.
وإذا كان توجيه القدرة يفضي، في غالب التقدير، إلى ضياع أصل المشروع أو استئصاله، فإن التكليف يظل متعلقًا بحفظ الوجود، مهما بدا الحسم مغريًا. فلمقصود هنا ليس فقدان الوجود ابتداءً، بل تعريض وجود مشروع قائم للخطر بسبب قرار حسم متعجل.
8. توجيه القدرة قبل حفظ المعنى: حين تسبق القوة بوصلةَ توجيهها:
إذا كان بناء القدرة يجيب عن سؤال: كيف نصبح أقوياء؟ فإن حفظ المعنى يجيب عن سؤال أكثر عمقًا، وهو: لماذا نريد أن نصبح أقوياء؟ ولذلك، فإن القوة لا تكتسب مشروعيتها من مجرد امتلاكها، وإنما من المرجعية التي تحدد غاياتها وحدودها.
ومن هنا، فإن من أخطر صور المجازفة أن تُوجَّه القدرة قبل أن تستقر البوصلة التي تهديها: فالأمة قد تمتلك جيشًا قويًا، أو اقتصادًا متينًا، أو نفوذًا سياسيًا واسعًا، لكنها إذا لم تحسم أولًا منظومة القيم التي تضبط استعمال هذه القوة، فإنها قد تنتقل من مقاومة الانحراف إلى إعادة إنتاجه بصورة جديدة.
ولهذا، فإن الخطر لا يكمن دائمًا في ضعف القوة، بل قد يكمن في قوة بلا معنى؛ إذ تستطيع القدرة أن تحقق انتصارات سريعة، لكنها قد تعجز عن تحقيق العدل الذي شُرعت من أجله، لأن الوسيلة سبقت الغاية، ولأن الحسم سبق حسم السؤال الأخلاقي الذي يوجهه.
إن حفظ المعنى ليس مرحلة مثالية منفصلة عن الواقع، بل هو الشرط الذي يمنع القوة من أن تتحول إلى غاية مستقلة، أو إلى أداة تبرر نفسها بنفسها.
وتقدم الثورة الفرنسية مثالًا معبرًا على هذه الحالة، ولا سيما خلال مرحلة عهد الإرهاب (1793–1794م). فبعد سقوط النظام الملكي، امتلكت القيادة الثورية أدوات واسعة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع، غير أن الخلاف حول المرجعية التي ينبغي أن تضبط استعمال تلك السلطة لم يكن قد استقر. وفي ظل هذا الاضطراب، تحولت القوة التي اكتسبتها الثورة، بقيادة ماكسيميليان روبسبيير ولجنة السلامة العامة، إلى أداة لتصفية الخصوم باسم حماية الثورة، حتى انتهى الأمر بإعدام آلاف الأشخاص، ثم سقوط روبسبيير نفسه، ودخول الثورة مرحلة جديدة أعادت إنتاج كثير من مظاهر الحكم الاستبدادي، قبل أن تؤول السلطة لاحقًا إلى نابليون بونابرت.
وتدفع بعض القراءات المعاصرة إلى التساؤل، عما إذا كانت بعض القوى الكبرى اليوم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لا تواجه بدورها تحديًا مشابهًا، يتمثل في استمرار امتلاك أدوات قوة استثنائية، مقابل تصاعد الخلاف حول المرجعية التي ينبغي أن تضبط توجيه هذه القوة. غير أن هذا التقدير يظل فرضية تحليلية تحتاج إلى اكتمال مسارها التاريخي، قبل الجزم بانطباقها على هذا النموذج السنني.
ومن ضمن المؤشرات التي قد تكشف أن القوة بدأت تتحرك من غير بوصلة تضبط غايتها وحدودها، نجد لحظة تقديم منطق السيطرة على منطق الشرعية، فيصبح السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ أهم من السؤال: لماذا نفعل ما نفعل؟. ومع هذا التحول يتراجع النقاش حول المبادئ المؤسسة، بينما يتضخم الحديث عن الإنجاز، والفاعلية، والقدرة على الحسم، ثم تبدأ الوسائل، مهما بلغت قسوتها أو انحرافها، في اكتساب تبريرها من الغايات المعلنة. وعندئذٍ تتحول المحافظة على السلطة أو النفوذ إلى غاية مستقلة عن الرسالة التي جاءت القوة لخدمتها، وتظهر الفجوة بين الخطاب القيمي والممارسة العملية، حيث تبقى المبادئ حاضرة في اللغة، لكنها تغيب عن توجيه القرار.
إن القوة لا تكتسب مشروعيتها من حجمها، وإنما من المرجعية التي تضبط اتجاهها. فإذا لم يكن المشروع قد حسم منظومة القيم التي تحكم استعمال القوة، فإن توجيهها يصبح أقرب إلى المجازفة منه إلى التمكين، لأن القوة حينئذ تصبح قابلة لأن تخدم الحق أو الباطل على السواء.
فإذا لم تستقر البوصلة التي تحدد غاية القوة وحدودها، فإن توجيه القدرة يظل سابقًا لأوانه، مهما بلغت القوة من الحجم أو التأثير.
9. توجيه القدرة قبل بناء القدرة: حين يُطلب الحسم قبل اكتمال أسبابه:
إذا كان توجيه القدرة يمثل المرحلة الأخيرة في مسار التكليف الحضاري، فإنه يفترض بالضرورة أن تكون القدرة نفسها قد بلغت مستوى يؤهلها لتحقيق مقاصدها. فليس كل امتلاك للقوة يعني امتلاكًا للقدرة، كما أن ليس كل تفوق موضعي دليلًا على اكتمال شروط الحسم.
ومن هنا، فإن من أخطر صور المجازفة أن تُفسَّر النجاحات الأولية، أو التفوق الجزئي، أو الحماسة العامة، على أنها دليل على اكتمال القدرة. وهنا تنتقل الأمة إلى معركة الحسم قبل أن تستكمل أدواتها البشرية، والعلمية، والاقتصادية، والتنظيمية، والسياسية، فتتحول القوة التي كان يفترض أن تكون ثمرة البناء، إلى بديل عنه.
ولهذا، فإن السنن لا تجعل الحسم بداية صناعة القوة، وإنما تجعل صناعة القوة مقدمة لازمة للحسم. فالمعارك الكبرى لا تُكسب بالشجاعة وحدها، ولا بعدالة القضية وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة من القدرات التي تجعل الإنجاز قابلًا للاستمرار، لا مجرد انتصار عابر.
يُعد قرار ألمانيا النازية فتح الجبهة الشرقية ضد الاتحاد السوفيتي سنة 1941م، فيما عُرف بـ عملية بارباروسا، من أبرز الشواهد على هذه الحالة: فبعد سلسلة من الانتصارات العسكرية السريعة في بولندا وفرنسا وغرب أوروبا، بدا للقيادة الألمانية أن قدرتها بلغت مستوى يسمح بحسم الصراع الأوروبي نهائيًا. غير أن هذه النجاحات أخفت حقيقة أن القدرة الاستراتيجية اللازمة لخوض حرب طويلة على جبهات متعددة لم تكن قد اكتملت بعد، سواء من حيث الاستدامة الاقتصادية، أو العمق اللوجستي، أو القدرة على تعويض الخسائر البشرية والمادية.
وقد أدى فتح الجبهة الشرقية إلى استنزاف متواصل للقوة الألمانية، وتحول التفوق العسكري الأولي إلى عبء استراتيجي، حتى انتهت الحرب بسقوط النظام النازي وانهيار مشروعه بالكامل.
إن النجاح المرحلي لا يعني اكتمال القدرة الاستراتيجية، وإن الانتقال إلى معركة الحسم قبل استكمال شروط الاستدامة قد يحول الانتصار الأولي إلى مقدمة للهزيمة النهائية.
ومما يدل على أن المشروع قد خلط بين التفوق المرحلي واكتمال القدرة الاستراتيجية. ويبدأ ذلك حين تُضخَّم آثار الانتصارات الأولى، ويُنظر إليها بوصفها دليلًا على أن شروط الحسم قد اكتملت، بينما تُغفل متطلبات الاستدامة التي تحفظ القدرة على المدى البعيد. ومع هذا التصور، يتراجع الاهتمام بالمقومات الاقتصادية، والبشرية، واللوجستية، والمؤسسية التي تقوم عليها القدرة الشاملة، ويُندفع إلى اتخاذ قرارات توسعية تتجاوز ما تسمح به البنية الحاملة للمشروع. وعندئذٍ يغلب الزخم النفسي الناتج عن النجاحات المبكرة على التقدير الاستراتيجي الهادئ، فيُظن أن الحماسة قادرة على تعويض النقص البنيوي في القدرة، بينما تكون النتيجة استنزاف القوة بدل تحويلها إلى تمكين مستدام..
لا يكون توجيه القدرة مشروعًا لمجرد تحقق التفوق، وإنما بعد التأكد من أن عناصر القوة قد بلغت من التكامل ما يسمح بتحقيق المقصد والمحافظة على نتائجه. فالحسم ليس اختبارًا للشجاعة، بل اختبار لمدى نضج القدرة التي سبق بناؤها. فإذا كانت القدرة لا تزال جزئية، أو غير متكاملة، أو غير قابلة للاستدامة، فإن توجيهها نحو الحسم يتحول من استعمال مشروع للقوة إلى مجازفة قد تفضي إلى هدم ما تحقق من بناء. وهكذا يبدو جليا أن النجاح ليس دليلًا على اكتمال القدرة، كما أن التفوق ليس دليلًا على جاهزية الحسم.
| الآفة | الحالة | شاهد تاريخي مقترح | لماذا هو مناسب؟ |
| المجازفة | توجيه القدرة قبل حفظ الوجود | ثورة سبارتاكوس | مواجهة كبرى قبل تأمين بقاء المشروع. |
| توجيه القدرة قبل حفظ المعنى | نابليون في غزو روسيا (1812) | امتلك القوة لكنه فقد البوصلة الاستراتيجية. | |
| توجيه القدرة قبل بناء القدرة | ألمانيا في الحرب العالمية الثانية (فتح جبهات متعددة) | حسم قبل اكتمال القدرة على الاستمرار. |
المبحث الرابع: آفة الانشغال: حين يطغى بناء القدرة على مقتضيات اللحظة:
إذا كان التأجيل خطأ في البقاء مع تكليف انتهى زمنه، والاستعجال خطأ في الانتقال إلى تكليف لم يحن أوانه، والمجازفة خطأ في توجيه القدرة قبل اكتمال شروطها، فإن الانشغال يمثل نوعًا مختلفًا من الخلل؛ إذ لا يتعلق بالتوقيت، وإنما بتحديد مجال التكليف نفسه. فقد تدرك الأمة زمنها إدراكًا صحيحًا، وتمتلك قدرًا معتبرًا من القدرة، لكنها تنصرف إلى مقصد صحيح ليس هو المقصد الذي تستدعيه اللحظة التاريخية.
ومن هنا، فإن بناء القدرة مقصد حضاري عظيم، بل هو الشرط الذي تقوم عليه النهضة، غير أنه ليس غاية مستقلة، ولا تكليفًا دائمًا في جميع الأحوال. فقد تطرأ على الأمة لحظات يصبح فيها وجودها مهددًا، أو تتعرض بوصلتها للانحراف، أو تتهيأ لها فرصة تاريخية لحسم مسار التدافع؛ وعندئذ، لا يكون استمرار الانشغال بالبناء تعبيرًا عن الحكمة، بل عن سوء تشخيص الأولويات.
ولذلك، فإن الخطر في هذه الآفة لا يكمن في ترك العمل، وإنما في العمل في الاتجاه الخطأ. فالأمة قد تعمر مدارسها، وتوسع اقتصادها، وتراكم قدراتها، لكنها تفعل ذلك بينما يتآكل أصل مشروعها، أو تنحرف مرجعيتها، أو تضيع لحظة تاريخية لا تتكرر. وهنا لا يعود العمران سببًا في النهضة، بل قد يتحول، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى غطاء يؤخر الاستجابة للتكليف الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، فإن هذا المبحث لا ينتقد العمران، ولا يقلل من شأن بناء القوة، وإنما يسعى إلى إعادة كل مقصد إلى موضعه السنني؛ لأن الحكمة لا تتمثل في تعظيم مقصد على حساب آخر، وإنما في تقديم المقصد الذي تفرضه اللحظة التاريخية. فبقدر ما يكون الانشغال بالبناء ضرورة في مرحلة، قد يصبح تأجيلًا للاستجابة في مرحلة أخرى، إذا تغير مستوى الخطر أو تبدلت طبيعة التكليف.
وبعبارة أخرى، تتجلى آفة الانشغال في إحدى الحالات الثلاث التالية: استدعاء العمرانية محل الخيار الحديبي أو الخيار الحسيني أو الفتحي.
10. بناء القدرة بدل حفظ الوجود: حين يُقدَّم البناء على البقاء:
ليس بناء القدرة مقصدًا مؤجلًا إلى ما بعد حفظ الوجود فحسب، بل هو مقصد لا يكتسب مشروعيته إلا إذا كان الوجود نفسه قد أصبح في مأمن من الانهيار. فإذا تعرض أصل المشروع لخطر وجودي، لم يعد الانشغال ببناء القوة هو التكليف الأول، لأن القوة لا معنى لها إذا فقدت الأمة الإطار الذي تُبنى من أجله.
ومن هنا، فإن من أخطر صور الانشغال أن تستمر الأمة في مشاريع التنمية، أو الإصلاح المؤسسي، أو التوسع الاقتصادي، بينما يتعرض وجودها السياسي أو الحضاري لخطر يهدد أصل بقائها. ففي هذه الحالة لا يكون البناء خطأ في ذاته، وإنما يكون تقديمًا لمقصد صحيح على مقصد أولى منه.
إن السنن لا تنفي قيمة البناء، لكنها ترتب أولوياته. فكما لا يُطلب من الأمة أن تخوض معركة الحسم قبل اكتمال قدرتها، لا يُطلب منها أن تنشغل ببناء تلك القدرة إذا كان أصل المشروع مهددًا بالزوال. إذ إن أول الواجبات عند الخطر الوجودي هو تأمين بقاء المشروع، ثم استئناف البناء بعد ذلك.
يمثل سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م مثالًا معبرًا على هذه الحالة من زاوية ترتيب الأولويات، لا من زاوية تفسير الحدث كله. فقد كانت الدولة العباسية، في سنواتها الأخيرة، تواجه خطرًا مغوليًا آخذًا في التصاعد، غير أن استجابة مؤسساتها السياسية والإدارية لم ترتقِ إلى مستوى هذا التهديد الوجودي. وظلت قطاعات واسعة من الدولة تمارس وظائفها المعتادة، بينما لم ينتقل مركز الثقل، بالقدر الكافي، إلى تعبئة الإمكانات اللازمة لحفظ وجود الدولة في مواجهة الخطر الداهم، حتى انتهى الأمر بسقوط بغداد وانهيار الخلافة العباسية في المشرق.
ولا يتعلق وجه الاستشهاد هنا بردِّ سقوط بغداد إلى سبب واحد، فهو حدث تاريخي بالغ التعقيد، تشابكت فيه عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة، وإنما بإبراز قانون سنني عام، هو أن استمرار الانشغال بالوظائف الاعتيادية، بعد أن يتحول الخطر إلى تهديد وجودي، يؤدي إلى اختلال ترتيب المقاصد، فتتقدم المهام الثانوية على التكليف الذي تفرضه اللحظة التاريخية.
ويدل على ذلك حين تكون الأمة ما تزال تُدار بعقلية البناء، بينما أصبحت اللحظة تفرض عليها أولوية البقاء. ويبدأ ذلك حين تستمر المؤسسات في العمل وفق أولويات زمن الاستقرار، رغم أن طبيعة الخطر قد تحولت إلى تهديد وجودي يطال أصل المشروع. ومع هذا الخلل في ترتيب المقاصد، تتقدم مؤشرات النمو والإنجاز المؤسسي على مؤشرات الصمود وحفظ الوجود، وتضعف القدرة على إعادة توجيه الموارد والطاقات بما يتناسب مع حجم التهديد. وعندئذٍ يُظن أن استمرار المشاريع التنموية والإصلاحية كفيل باحتواء الأزمة، بينما يكون الواقع قد انتقل إلى مرحلة تستوجب استنفارًا استراتيجيًا يعيد ترتيب الأولويات وفق مقتضيات اللحظة. وهكذا، لا يكون الخلل في قيمة البناء، وإنما في الاستمرار فيه بعد أن أصبح حفظ الوجود هو التكليف الذي تفرضه المرحلة.
إن بناء القدرة يبقى مقصدًا مشروعًا ما دام وجود المشروع مستقرًا. أما إذا تحول الخطر إلى تهديد مباشر لبقائه، فإن الأولوية تنتقل تلقائيًا إلى حفظ الوجود؛ لأن كل قدرة تُبنى بعد ضياع المشروع تصبح بلا موضوع. فإذا ما أصبح أصل المشروع مهددًا بالزوال، انتقل التكليف إلى حفظ الوجود، ولم يعد بناء القدرة هو المقصد الأول، مهما بلغت أهميته في الأحوال العادية. إذ ليست الأولوية دائمًا للمقصد الأعلى، ولا للمقصد الأعظم أثرًا، وإنما للمقصد الذي تتوقف عليه بقية المقاصد في تلك اللحظة التاريخية.
11. بناء القدرة بدل حفظ المعنى: حين يسبق البناء صيانة البوصلة
إذا كان بناء القدرة يمثل شرطًا لقيام المشروع الحضاري، فإن حفظ المعنى يمثل الشرط الذي يحفظ لهذا البناء غايته واتجاهه. فالقوة، أيًّا كان نوعها، لا تحمل في ذاتها معيار استعمالها، وإنما تستمد مشروعيتها من المرجعية التي تضبط أهدافها وحدودها.
ومن هنا، فإن من أخطر صور الانشغال أن تنصرف الأمة إلى تشييد مؤسساتها، وتطوير اقتصادها، وتعزيز قدراتها، بينما يتعرض وعيها الجمعي، ومنظومتها القيمية، ومرجعيتها الحضارية إلى التآكل أو التشويه. ففي هذه الحالة لا يكون البناء سببًا في النهضة، وإنما يصبح وسيلة لتوسيع أثر الانحراف نفسه.
إن التاريخ لا يشهد فقط على أمم سقطت لأنها كانت ضعيفة، بل يشهد أيضًا على أمم امتلكت أسباب القوة، ثم وجهتها في غير ما شُيدت من أجله؛ لأن البوصلة لم تعد هي التي تقود القوة، بل أصبحت القوة هي التي تعيد تشكيل البوصلة.
يمثل الاتحاد السوفيتي مثالًا معبرًا على هذه الحالة. فمنذ عشرينيات القرن العشرين وحتى سبعينياته، استطاع أن يبني، في فترة وجيزة، واحدة من أعظم القوى العسكرية والصناعية والعلمية في التاريخ الحديث، حتى أصبح أحد القطبين الرئيسيين في النظام الدولي، وحقق إنجازات كبرى، من أبرزها إطلاق أول قمر صناعي (سبوتنيك سنة 1957م)، وإرسال أول إنسان إلى الفضاء (يوري غاغارين سنة 1961م).
غير أن هذا البناء الهائل للقدرة لم يواكبه، بالقدر نفسه، بناءُ شرعية مجتمعية متجددة تحفظ تماسك المشروع من الداخل. ومع مرور الزمن، اتسعت الفجوة بين قوة الدولة وقناعة قطاعات واسعة من المجتمع بأهدافها ومرجعيتها، حتى بدأت عوامل التآكل الداخلي تتراكم، وانتهى الأمر بتفكك الاتحاد السوفيتي سنة 1991م، رغم أن جانبًا كبيرًا من قدراته العسكرية والعلمية ظل قائمًا حتى اللحظات الأخيرة.
ولا يتعلق وجه الاستشهاد هنا بردِّ انهيار الاتحاد السوفيتي إلى هذا العامل وحده، فقد تداخلت فيه أسباب اقتصادية وسياسية وقومية ودولية متعددة، وإنما بإبراز قانون سنني عام، هو أن بناء القدرة لا يغني عن حفظ المعنى الذي يمنحها شرعيتها الداخلية؛ فإذا اتسعت الفجوة بين القوة والمرجعية، بدأت عوامل التآكل تنشأ من داخل المشروع نفسه، مهما بلغت قدراته المادية.
يمكن التعرف على هذه الحالة، من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن بناء القدرة بدأ ينفصل عن حفظ المعنى الذي يمنحها مشروعيتها واستمرارها: ويظهر ذلك حين يتزايد الاهتمام بالمؤشرات المادية، من نمو اقتصادي، أو تفوق تقني، أو كفاءة مؤسسية، مقابل تراجع العناية بالمؤشرات القيمية التي تحفظ تماسك المشروع وشرعيته. ومع هذا الاختلال، قد تحقق مؤسسات الدولة نجاحًا ملحوظًا في الأداء، بينما تتراجع ثقة المجتمع في الرسالة التي تقوم عليها، فتتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والوجدان العام. وعندئذٍ يُتعامل مع الهوية والمرجعية بوصفهما شأنًا ثانويًا أمام متطلبات التنمية والفاعلية، حتى تصبح الكفاءة قيمة مستقلة عن الغاية التي وُجدت لخدمتها، فيتحول البناء إلى مشروع يزداد قوة في ظاهره، بينما تبدأ عوامل التآكل في النمو من داخله.
إن بناء القدرة لا يسبق حفظ المعنى، بل يسير معه في علاقة تكاملية. فإذا بدأ البناء يتم على حساب المرجعية التي تضبط غاياته، فإن المشروع يفقد تدريجيًا سبب وجوده، وتتحول القوة من وسيلة لتحقيق الرسالة إلى أداة قد تعيد تشكيلها أو تفرغها من مضمونها. فإذا أصبح بناء القدرة يفضي إلى إضعاف المرجعية التي تمنحها غايتها واتجاهها، انتقل التكليف إلى حفظ المعنى، لأن البوصلة مقدمة على الوسيلة التي تتحرك بها.
12. بناء القدرة بدل توجيه القدرة: حين يتحول الإعداد إلى غاية:
إذا كان بناء القدرة شرطًا لازمًا للتمكين، فإنه ليس غايته الأخيرة. فالأمم لا تُؤمر ببناء القوة لمجرد امتلاكها، وإنما لتوجيهها نحو تحقيق العدل، وصيانة الحق، ودفع العدوان، وإقامة العمران. ولذلك، فإن القوة التي لا تغادر مرحلة الإعداد، تبقى مشروعًا لم يكتمل، مهما بلغت من الضخامة.
ومن هنا، فإن من أخطر صور الانشغال أن تتحول عملية بناء القدرة إلى غاية مستقلة، فيظل المشروع يؤجل الانتقال إلى مرحلة الفعل، بحجة أن البناء لم يكتمل بعد. ومع مرور الزمن، تصبح ثقافة الإعداد نفسها عائقًا أمام الإنجاز، وتتحول الوسيلة إلى مقصد، حتى تغدو الأمة قادرة على الفعل من حيث الإمكان، لكنها عاجزة عنه من حيث القرار.
إن السنن لا تطلب من الأمم أن تنتظر الكمال؛ لأن الكمال لا يتحقق في التاريخ. وإنما تطلب أن تنتقل إلى توجيه قدرتها حين تبلغ الحد الذي يجعل الفعل راجح المصلحة، وقادرًا على تحقيق مقصوده. أما الاستمرار في البناء بعد اكتمال شروطه الأساسية، فقد يفضي إلى ضياع الفرصة التاريخية التي بُنيت القوة أصلًا من أجلها.
ويقدم التاريخ الإسلامي نموذجًا معبرًا في القرن الخامس الهجري وما تلاه بالأندلس: فبعد انهيار الخلافة الأموية في قرطبة (422هـ/1031م)، وانقسام البلاد إلى دويلات الطوائف، امتلكت مدن أخرى، مثل إشبيلية في عهد المعتمد بن عباد، وسرقسطة في عهد بني هود، وبطليوس في عهد بني الأفطس، وغرناطة في عهد بني زيري ثم بني نصر، ثروات اقتصادية كبيرة، ونهضة علمية وأدبية وعمرانية جعلت الأندلس من أكثر أقاليم العالم الإسلامي ازدهارًا. غير أن هذه الطاقات لم تتحول إلى مشروع سياسي وعسكري موحد، بل استُنزفت في الصراعات البينية، حتى اضطر عدد من ملوك الطوائف إلى دفع الجزية (البارياس) إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، بل والاستعانة به، ضد منافسيهم المسلمين. ورغم ما حققه يوسف بن تاشفين من انتصار كبير في معركة الزلاقة (479هـ/1086م)، ثم ما قام به الموحدون لاحقًا، فإن الفرصة التاريخية لبناء وحدة مستقرة لم تُستثمر على النحو الكافي، لتتغير موازين القوى تدريجيًا حتى انتهى بهم الأمر إلى سقوط غرناطة سنة 897هـ/1492م. حيث لم يكن سبب الإخفاق هو غياب الموارد أو الكفاءات، بقدر ما كان هو التأخر في توجيه القدرة الجماعية، نحو مشروع وحدوي حاسم، قبل أن تميل موازين القوة نهائيًا لصالح الممالك المسيحية.
وهكذا امتلكت الأندلس القدرة، لكنها لم تمتلك في الوقت المناسب لإرادة توجيه تلك القدرة نحو مشروع وحدوي جامع، فضاعت الفرصة قبل أن تضيع القوة نفسها.
ويمكن التعرف على هذه الحالة من خلال جملة من المؤشرات التي تدل على أن المشروع قد استمر في مرحلة الإعداد بعد أن استكملت، في معظمها، شروط الانتقال إلى الفعل. ويظهر ذلك حين يتكرر الحديث عن ضرورة المزيد من البناء والإعداد، رغم نضج جانب كبير من مقومات القدرة، ويتضخم الخوف من اتخاذ القرار التاريخي خشية المخاطرة، حتى يتحول التخطيط من وسيلة تهيئ للتنفيذ إلى بديل دائم عنه. ومع مرور الوقت، تتراكم الإمكانات البشرية، والمؤسسية، والمادية، دون أن تتحول إلى أثر حضاري أو استراتيجي يغير الواقع، وتُفقد الفرص تباعًا انتظارًا لظروف مثالية لا تكاد تتحقق في مسار الأمم. وعندئذٍ لا يكون الخلل في قيمة الإعداد، وإنما في الاستمرار فيه بعد أن أصبح توجيه القدرة هو التكليف الذي تفرضه المرحلة.
إن بناء القدرة ليس تكليفًا دائمًا، وإنما مرحلة في مسار الصيرورة الحضارية. فإذا بلغت الأمة من القوة ما يكفي لتحقيق مقاصدها بدرجة راجحة، فإن استمرارها في البناء، مع تعطيل توجيه تلك القوة، يصبح انحرافًا عن وظيفة البناء نفسها. فإذا بلغت القدرة حدًا يجعل الفعل ممكنًا وراجح المصلحة، انتقل التكليف من بناء القدرة إلى توجيهها، ولم يعد استمرار الإعداد وحده تعبيرًا عن الحكمة، بل قد يصبح سببًا في ضياع الفرصة التاريخية.
إن آفة الانشغال تختلف عن الآفات الثلاث السابقة في بنيتها، إذ تقوم الآفات الثلاث الأولى على الانتقال الخاطئ بين المقاصد، وهي: التأجيل بتأخر الانتقال، والاستعجال بسبق الانتقال، ثم المجازفة بالانتقال قبل اكتمال شروطه.
أما الانشغال فلا يتعلق أصلًا بالانتقال، بل بـ الاستغراق؛ أي أن الأمة تُحسن القيام بمقصد صحيح، لكنها تستغرق فيه حتى يمنعها من أداء المقصد الذي يليه.
فليست الآفة دائمًا أن تعمل في الاتجاه الخطأ، بل قد تكون الآفة أن تستمر في العمل في الاتجاه الصحيح بعد أن يصبح غير كافٍ للاستجابة لمقتضيات اللحظة.
| الآفة | الحالة | شاهد تاريخي مقترح | لماذا هو مناسب؟ |
| الانشغال | بناء القدرة بدل حفظ الوجود | الأندلس قبيل سقوط غرناطة | استمرار العمران بينما الوجود نفسه يتآكل. |
| بناء القدرة بدل حفظ المعنى | بعض الدول الإسلامية الحديثة التي بنت مؤسسات مع تآكل الهوية | قوة إدارية بلا مرجعية جامعة. | |
| بناء القدرة بدل توجيه القدرة | الصين أواخر أسرة تشينغ في بعض مراحلها، أو قوى اقتصادية ترددت في توظيف قوتها سياسيًا | امتلاك القدرة دون حسن توجيهها. |
تكشف هذه الدراسة أن أكثر أخطاء الأمم لا تنشأ، في الغالب، من فساد المقاصد، ولا من غياب النماذج، وإنما من سوء تشخيص نوع التكليف الذي تفرضه اللحظة التاريخية. فكم من مشروع ضاعت بوصلته لأنه استمر في حفظ الوجود بعد انتهاء شروطه، وكم من حركة استُنزفت لأنها استعجلت حفظ المعنى قبل أوانه، وكم من قوة انهارت لأنها اندفعت إلى الحسم قبل اكتمال قدرتها، وكم من نهضة تعطلت لأنها واصلت البناء، بينما كانت اللحظة تستدعي حماية الوجود، أو حفظ المعنى، أو توجيه القدرة.
وبذلك يتبين أن الحديبية، والحسينية، والعمران، والفتح، ليست نماذج متنافسة يختار منها الفاعل ما يوافق ميله، وإنما مقاصد تاريخية متكاملة، ينتقل المشروع بينها كلما تغيرت العلاقة بين مستوى الخطر ومستوى القدرة. ومن ثم، فإن الخطأ لا يكمن في تعظيم أحد هذه النماذج، وإنما في استدعائه خارج شروطه السننية، أو تأخيره بعد أن يصبح هو التكليف الذي تفرضه المرحلة.
ولعل أهم ما انتهينا إليه هو أن لكل مرحلة مقصدها، ولكل مقصد شروطه، ولكل انزياح آفته. فالتأجيل، والاستعجال، والمجازفة، والانشغال، ليست أخطاء متفرقة، وإنما صور متعددة لخلل واحد، هو العجز عن تشخيص طبيعة اللحظة التاريخية، ومن ثم العجز عن تحديد الواجب الذي تفرضه.
غير أن هذا كله يقود إلى سؤال أكثر إلحاحًا، خاصة في ضوء ما تشهده الأمة اليوم، وفي ضوء ما انتهينا إليه من قراءة طوفان الأقصى بوصفه -وفق فرضية هذا البحث- تجسيدًا معاصرًا للحالة الحسينية. فإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن السؤال لم يعد: هل كانت الحالة حسينية أم لا؟ بل أصبح: ما الذي تفرضه هذه الحالة على الأمة بعد وقوعها؟
وهنا ينتقل البحث من فقه الحالة الحسينية إلى فقه ما بعد الحالة الحسينية. فليس المقصود أن تبقى الأمة أسيرة لحظة الشهادة، كما لم يكن المقصود من الحديبية أن تبقى الأمة في مرحلة حفظ الوجود إلى الأبد. وإنما السؤال الحقيقي هو: ما التكليف الذي تنتقل إليه الأمة بعد أن تؤدي الحالة الحسينية وظيفتها التاريخية؟ وهل يبقى حفظ المعنى هو الواجب المتعين، أم أن مقتضيات المرحلة تفرض الانتقال إلى بناء القدرة، أو توجيهها، أو الجمع بينهما في مشروع حضاري شامل؟
ومن هنا، فإن الجزء الخامس لن ينشغل بإعادة تقويم ما مضى، بقدر ما سينصرف إلى تشخيص ما ينبغي أن يأتي. إذ سيحاول بناء منهج يحدد واجبات الأمة، عامة، وواجبها تجاه فلسطين، خاصة، انطلاقًا من تشخيص موقعها الحقيقي في الصيرورة التاريخية؛ حتى لا تتحول الحالة الحسينية إلى محطة يُتغنى بها، وإنما إلى نقطة انتقال تؤسس لمرحلة جديدة، يكون فيها أداء التكليف التالي وفاءً للحالة الحسينية نفسها، لا تكرارًا لها.




