سلخ الأفكار في مرآة الوحي
التجسيد الخَلْقي المتغير والثبات الأخلاقي في القصص القرآني
بقلم: بلقاسم ملوكي

تـمـهـيـد: عتبة السيرة والـسُّـنّة
قصة إبراهيم عليه السلام: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)) [الأنبياء: 68-70]
قصة موسى عليه السلام: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (122)) [الأعراف: 117-122]
في الذاكرة البشرية الغابرة، يقف مشهدان يتجاوزان حدود المألوف المادي: رجل يرفع عصاه الخشبية أمام بحر هائج فينفلق الماء أطواداً راسخة، وشاب يُقذف في أتون نيران مستعرة فلا تحرقه، بل تتحول في فيزيائيتها إلى بساط من برد وسلام.
تغص مكتبات التاريخ البشري بسير الملاحم والأساطير التي طواها الزمن وتحولت إلى ركام مرويات محنطة. وهنا يبرز سؤال معرفي ينفذ إلى قلب البنية البنائية للنص الديني: ما الذي يمنح هذه المقتطفات القصصية في النسق القرآني هذه القوة الإشعاعية الممتدة؟ ولماذا يعمد البيان الإلهي غالباً إلى تنحية تفاصيل الجغرافيا والأنساب والأرقام، ليبقي على المتن وحده عارياً وصالحاً لتفكيك الواقع المعاصر؟
ربما تكمن الإجابة في أن القصة القرآنية ليست توثيقاً زمنياً (كرونولوجياً) ينتهي بموت أبطاله، بل هي عملية قذف وجودي للحدث خارج سجنه الزمني الضيق، ليتخذ مكانه كقانون كوني مطرد يملك صلاحية تعرية مشخصات الحاضر وإعادة قراءتها.
الـمـقـدمـة: بوابة الوعي الإنساني
حين يتأمل الإنسان كتاب الله، يسترعي انتباهه هذا الأسلوب الفريد في سوق القصص؛ فالقرآن لا يعرض الحوادث ككتاب تاريخ يسرد الوقائع بترتيبها التقليدي، بل يقدمها في مقاطع مشحونة بالدلالات، وتتكرر في مواضع شتى بصور وسياقات مختلفة. هل يمكن القول إن هذا التكرار يأتي لتأسيس النفس الإنسانية على الهدى، وإعادتها إلى صواب الفطرة، وتسليحها لخوض معركة الوعي اليومية؟
إن الغاية من هذا المقال هي تلمس الفقه المقارن الحقيقي الذي يربط حدث الأمس بوقائع اليوم، بعيداً عن الانبهار بالقوة المادية أو الانصياع للخداع المعرفي. سنكتشف معاً كيف أن الأطروحات الفلسفية المعاصرة، والنظم السياسية والاقتصادية المحيطة بنا، ليست في جوهرها أفكاراً جديدة تماماً كما تروج الماكينات الحديثة، بل هي امتداد جديد لنفس الدوافع الإنسانية القديمة: إما الاعتراف بالفضل الإلهي والانسجام مع الكون، أو الجحود والاستعلاء.
من خلال هذا التحليل، نهدف إلى تبسيط الرؤية التفكيكية للحياة؛ لنرى كيف يتغير “التجسيد الخَلْقي والمادي” (كالوسائل، والآلات، والمصطلحات البراقة) عبر العصور، بينما يظل “المضمون الأخلاقي والوجودي” ثابتاً لا يتغير. إنها دعوة للنظر إلى حركة التاريخ بنظارات اليقين التي تمنح الإنسان السكينة والقدرة على الاختيار الحر الواعي، مستنجداً بقوة الخالق على ضعفه البشري.
المحور الأول: مصفوفة التكرار وقوانين النماذج البدئية
حين يعزل النص القرآني الحدث عن تفاصيله التاريخية الضيقة، فإنه يعيد إنتاجه في وعي المتلقي كقاعدة مطردة. إن المتتبع لحركة الاجتماع البشري يدرك أن الأقوام والأدوات تتغير في مظهرها المادي، لكنها تتطابق في جوهرها الأخلاقي والوجودي؛ إذ يلقى القول القرآني صداه في واقعنا بوقائع متشابهة السير والمصير، وإن اختلف المتكلم والمشخص.
وفي هذا الفضاء، صاغ الوحي نماذج بدئية (Archétypes) تتحرك كقوانين عابرة للأزمنة:
1. النسق الفرعوني: من “التاج” إلى “الشبكية العولمية“
لم يكن فرعون في السياق القرآني مجرد حاكم محدد في جغرافيا النيل، بل هو النموذج البدئي لظاهرة “الاستعلاء المعرفي والسياسي”. إن آليته البنيوية تقوم على احتكار الحقيقة وسلب وعي الجماهير عبر أدوات الاستخفاف النفسي: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف: 54].
وعندما نسلط التحليل النقدي على الواقع المعاصر، نلاحظ أن هذا النموذج لم يختفِ بذهاب الشخص؛ بل تحول من حاكم فرد يلبس تاجاً ويقول برعونة: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ [النازعات: 24]، إلى “نسق فرعوني شبكي” عابر للقارات. هذا النسق يتمثل في منظومات إعلامية، ومؤسسات مالية، وماكينات توجيه جمعي تمارس ذات الاستخفاف المعرفي، وتدعي بلسان فلسفي وبراق: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: 29]. الدوافع واحدة وإن تبدلت الهياكل وتعددت مراكز القوة الحديثة.
2. النموذج القاروني: توحش المادة ورأسمالية الاستعلاء
يمثل قارون البنية العميقة لـ “رأسمالية الاستعلاء الأنانية”، التي تنزع الفضل الإلهي عن حركة الكسب والإنتاج، وتدّعي الأحقية المطلقة بناءً على جدارة علمية وتقنية ذاتية: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78].
هذا الطرح الفكري القديم ينبعث اليوم في صور شتى؛ ويتجسد في الفلسفات المادية المعاصرة التي تؤله القدرة البشرية، وترى الوجود مجرد مادة خام للاستهلاك بمعزل عن أي قيمة غيبية أو أخلاقية. لقد تطورت خزائن الذهب إلى أسهم رقمية وخوارزميات ذكاء، لكن الجوهر الأخلاقي لا يزال يعيد إنتاج ذات الاستكبار عن الاعتراف بالمنعم وسلب الآخرين حقوقهم.
المحور الثاني: جدلية الشروط وتنازع الممكنات في النفس البشرية
ينبثق التأسيس الفلسفي للقصص القرآني من مركزية العدالة الإلهية، التي تتجلى في توفير “الشروط الضدية” داخل مسرح الابتلاء الوجودي. فالنفس البشرية ليست كائناً مسيراً ميكانيكياً، بل هي ساحة صراع تتنازع فيها الممكنات، وتتوفر فيها أدوات الخيارين معاً في ذات اللحظة.
- مسلك الجحود: حضور الحجة الواعية
يكشف لنا الوحي تشريحاً للبنية النفسية الباطنة لأولئك الذين سلكوا مسلك الجحود؛ فلم يكن خيارهم ناتجاً عن غياب أدوات اليقين المعرفية، بل كانت الآيات شاخصة أمامهم، غير أن خيارهم الداخلي انحاز إلى الكبر والارتهان للمصالح:
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) [الإسراء: 101-102].
(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل: 14].
هنا يتضح أن الكفر في هذا السياق ليس جهلاً بسيطاً، بل هو حالة واعية من الجحود النفسي؛ ففرعون كان يعلم في حرجه الداخلي أن الآيات حق، لكنه آثر العلو. هذا الاختيار المحاط بعلم الله الأزلي لا يعني الجبر، بل هو مصادقة على حقيقة ما اختارته الذات ومضت فيه بحريتها.
- مسلك الهدى: سيكولوجيا الاستنجاد والتحصين
على الجانب المقابل، لا يقدم القرآن المؤمن ككائن يعيش في معزل عن مغريات الردة وضغوط المنظومة الطاغية؛ بل تؤكد القصة أن شروط الضلال تكون محيطة به وقوية. لكن التمايز الجوهري يكمن في آلية الاستنجاد الوجودي؛ حيث يستعين المرء بقوة الله على ضعفه البشري، فيتحصن وعيه ضد التزييف.
ويتجلى هذا الانقلاب الوجودي في قصة سحرة فرعون:
(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * … * وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هي تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * … * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ … لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) [الأعراف: 113-126].
توضح هذه المشهدية الصراع بين الأنساق المادية والفطرية؛ فالسحرة يبحثون أولاً عن الأجر والتحظي الاجتماعي، ووسائل الضغط والإغراء متوفرة بالكامل. ولكن، ما إن اصطدم وعيهم ببرهان الحق، حتى تفتتت دوافع الباطل في داخلهم. لقد تحصنوا ضد تهديد الإبادة بالاستنجاد بقوة الفاطر والتبرؤ من فقرهم الذاتي، فاستدار المشهد على النسق المتحكم صاغراً.
- البُعد التراجيدي: سيكولوجيا الصبر على الخسارة المادية
ربما يتساءل القارئ: لماذا يظهر الباطل منتصراً في بعض الأحيان على المدى القصير؟ إن القصص القرآني مليء بنماذج مؤمنين لحق بهم الأذى والتنكيل المادي في الظاهر (كمؤمن آل فرعون، وزوجة فرعون، وأصحاب الأخدود).
هذه النماذج تعمق فهمنا لآلية التحصين؛ فهي تنقل مفهوم “الانتصار” من مستواه الفيزيائي الضيق (البقاء الجسدي) إلى مستواه الوجودي الأخلاقي (ثبات المبدأ). وهنا يتضح مغزى التوجيه الإلهي: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تُحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139]؛ فالانتصار المعنوي والروحي يتحقق في لحظة رفض الانكسار أمام شروط الطاغية، مما يجعل الموت في سبيل المبدأ هو السحق الأكبر لبرمجة النسق المادي.
المحور الثالث: استراتيجية الصدم المعرفي وتفكيك “أبطال الورق“
تُدار معركة الوعي في المنظور القرآني عبر إستراتيجية قائمة على الصدم المعرفي والمباغتة؛ فالباطل يحيط نفسه غالباً بهالة ضخمة من البروباغندا ويسيج أطروحاته بمغالطات تجعل من أبطاله كيانات معصومة في عيون العامة. وهنا يتدخل المشرط القرآني ليمارس عملية تعرية كاملة تكشف هشاشة هذه الكيانات.
[مناظرة إبراهيم عليه السلام والنمروذ]: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) [البقرة: 258]
[حوار موسى وفرعون]: (قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) [الشعراء: 23-29]
- آلية “البهتان” وتفكيك البديهيات المزيفة
في مناظرة الخليل إبراهيم عليه السلام مع النمرود (النموذج البدئي للحاكم المؤله لذاته)، نرى كيف يعمد الباطل في البداية إلى المغالطة السفسطائية؛ فحين تقررت القاعدة الوجودية الأولى: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، لجأ الطاغية إلى تمييع المصطلح عبر تجسيد سطحي ومضلل: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
ولم يدخل الأنبياء في جدل لفظي عقيم لتفكيك هذا التهافت الفكري، بل واجهه الخليل بصدمة كونية مباغتة نقلت الحوار إلى سعة السنن المطردة: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
والنتيجة البنيوية صيغت في الكلمة الإلهية المحكمة: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. هذا الوجوم المعرفي يصيب المنظومة الباطلة حين تصطدم بعجزها الذاتي أمام حقائق الوجود الصارمة، فتتهافت السردية المصنوعة.
- سيكولوجيا الهروب من الفكرة إلى العنف المادي
عندما ننتقل إلى حوار موسى عليه السلام مع فرعون في سورة الشعراء، يظهر بوضوح كيف يتشابه أئمة الكفر في بنية التفكير؛ ففرعون يبدأ السؤال مستنكراً للماهية: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. وفي كل مرة يعرض فيها موسى عليه السلام الدليل الفطري الشامل لملكوت السماوات والأرض والآباء والأجداد، يلجأ فرعون إلى آليتين معروفتين:
التشويه والشيطنة: عبر اتهام المخالف بالجنون والرجعية: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ.
التهديد بالعنف العاري: حين تفلس المنظومة المعرفية للنسق وتتحطم أقنعته الفلسفية أمام الحضور الطاغي للحق، ينهار البناء الداخلي، فلا يجد مفراً سوى إشهار سلاح القوة: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ.
وهذا التشريح يمنح المتعلم بصيرة إستراتيجية؛ فالقوى الطاغية والفلسفات الجاحدة للفضل الإلهي اليوم، مهما ملكت من ترسانات تكنولوجية، تبدو متماسكة ظاهرياً، لكن بمجرد صدمها بحقائق الفطرة ومصدرية الوحي اليقينية، تظهر بذور عجزها، ولا يتبقى لها سوى سلاح الإلغاء والمنع؛ وهو دليل الإفلاس المعرفي الأكبر.
المحور الرابع: الفقه المقارن وخريطة السنن التاريخية
إن غاية القراءة الواعية للقصص القرآني تتجسد في الانتقال إلى مرحلة التشغيل الإستراتيجي؛ فالقرآن حين يطالبنا بالسير في الأرض والنظر في عواقب الغابرين، يمنحنا نظارات سُننية نقرأ بها ما وراء الأخبار، ونستشرف عبرها مآلات المنظومات القائمة.
[قانون التداول]: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين * ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) [آل عمران: 137-140]
[مآلات الغرور الحضاري]: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا * وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) [الإسراء: 16-17]
- قانون التداول وتفكيك وهم “الخلود الحضاري“
في لحظات الضعف، قد تصاب النفس بالاستلاب والهزيمة الروحية أمام التفوق الكاسح للمنظومة المادية المعاصرة؛ حيث تروج سرديات خادعة تزعم الوصول إلى ثبات الهيمنة ونهاية التاريخ.
هنا يأتي القانون القرآني ليحطم هذا الوهم عبر حتمية التداول: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. فالحضارات المادية مهما بلغت من العلو والتمكن التقني، إذا انسلخت عن قيم الفطرة واستعلت بالجحود، فإنها تدخل أوتوماتيكياً في طور الأفول التاريخي؛ فالأزمات الأخلاقية والتفكك الإنساني يمثلان النفاذ الفعلي للوعيد السُنني: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا.
- سيميائية المترفين وصناعة السقوط من الداخل
يكشف الفقه المقارن للقرآن أن هلاك الأمم الطاغية يبدأ غالباً بتخثر أخلاقي داخلي تقوده النخب المترفة: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا.
وفي عالمنا، يرى المثقف بوضوح كيف تصرخ الوقائع بهذا القانون؛ فالمترفون من نخب اقتصادية وسياسية عولمية يقودون اليوم ممارسات تفكك الفطرة الإنسانية وتدمر البيئة تلبية لشهوة الاستهلاك. هذا الفسق الحضاري المنظم، الذي يبدو ظاهرياً كأنه قمة الرفاهية والحرية، هو في حقيقته المحرك الذاتي لآلة الدمار الكوني، والسنن الإلهية لا تحابي أحداً.
الـخـاتـمـة: مآلات الانفطار وبصيرة النجدين
[جدلية الوجود والزوال]: (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام * فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: 26-28] [حرية الاختيار وبنية الهداية]: (ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين) [البلد: 8-10].
(إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) [الإنسان: 3].
(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس: 99].
في نهاية هذا الطواف المعرفي، نصل إلى الغاية الإستراتيجية العظمى للقصص القرآني؛ وهي تلخيص حقيقة النفس البشرية المتأرجحة بين الهدى والضلال.
إن المأساة الإنسانية الكبرى تبدأ عندما يخرج الإنسان من نقاء “الفطرة” إلى شتات “الانفطار” والتشقق النفسي؛ حيث ينفصل عن غيبه ويتعلق بالأشياء المادية المحيطة به، فيقع في فخ “التشيؤ” (أي تحويل الإنسان إلى مجرد شيء أو ترس مادي). يتحول الإنسان في هذا الطور إلى كائن يحاول الاحتماء بالأشياء الزائلة—من مال وسلطة وتكنولوجيا—ظاناً أنه يحمي نفسه من الفناء ويصنع لنعمه أبدية متوهمة، متناسياً الحقيقة الوجودية الصارمة: أنه هو ذاته كائن مائل إلى زوال، وأن المادة لا تملك صكوك الخلود.
هنا يأتي القصص القرآني ليعيد طرق جدران الوعي البشري، مخبراً إيانا بالنهايات المختلفة للأقوام، ليؤكد أن أصلها واحد: رجوع الخَلْق حتماً إلى الخالق وفق قوانين وسنن مقننة لا يملك أحد الخروج عن حتميتها الكونية: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ.
ومع كل هذا الضلال الذي قد يغلف النفس، ومع كل غيها وفجورها، يبقى معطى بنيوي في غاية الأهمية: إن الهداية معلومة ومستقرة في عمق النفس، حتى لو تنكرت لها ألسنة الجحود. فالاعتراف بالخالق والفضل هو سيد الأدلة؛ إذ تظل طرق الهداية شاخصة وحاضرة في “النجدين” اللذين هدى الله الإنسان إليهما، وترك له كامل الحرية الوجودية ليختار مساره: إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا.
إن تجلي العدالة الإلهية يبسط ظلاله هنا بوضوح؛ فلو كان الأمر قسرياً وغير متروك لحرية الإنسان واختياره، لأُجبر الجميع على الهدى لا على الكفر، ولكان الناس كلهم شاكرين بفعل الآلة الجبرية. ولكن اقتضت الحكمة الربانية أن يوضع الإنسان في مسرح الابتلاء حراً، ليتحمل مسؤولية اختيار شروطه الوجودية، لتسبق كلمة الله المحيطة وعلمه الأزلي على الجميع، مصادقاً على حقيقة ما اختاره العبد لنفسه ومضى فيه.
إن القصص القرآني، في نهاية المطاف، ليس دعوة لزيارة الماضي، بل هو تذكرة يومية للإنسان ليتلمس طريقه في واقعنا المعاصر. إنه طوق النجاة الذي يمنع المرء من التشيؤ والارتهان لآلة المادة، معيداً غرس الفطرة في وعيه، ليعيش معركة الحياة مستنداً إلى الوحي الصادق، شاحذاً بصيرته ليرى السنن وهي تتحرك في تفاصيل الواقع، فيمضي في الأرض شاهداً بالحق، وعابراً نحو الحقيقة المطلقة بثبات ويقين.




