الشهودالعمران المعنويمن اختيارناموقعنا

طوفان الأقصى كتجسيد معاصر للخيار الحسيني

3/5

سلسلة: من كربلاء إلى الطوفان: فقه التدافع وواجبات الأمة بعد اللحظة الحسينية

إذا كان الجزء الأول قد سعى إلى تأطير الحالة الحسينية ضمن فقه التدافع التاريخي، وإذا كان الجزء الثاني قد حاول استقراء الأركان الثلاثة التي تنتظم منطقها الداخلي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل يملك هذا النموذج قدرة تفسيرية تتجاوز كربلاء، ليصبح أداةً لفهم لحظات تاريخية أخرى؟

إن قيمة النماذج الكبرى لا تقاس بقدرتها على تفسير الماضي فحسب، وإنما بقدرتها على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل: فإذا بقيت كربلاء حدثًا تاريخيًا معزولًا، فقد انتهى أثرها بانتهاء زمانها، أما إذا كانت قد كشفت عن سنن تحكم لحظات التدافع الكبرى، فإنها تتحول من واقعة في التاريخ إلى نموذج لفهم التاريخ.

ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تقارن بين الأشخاص، ولا بين المقامات، ولا بين الخصوصيات العقدية أو الشرعية التي ميزت الإمام الحسين عليه السلام، عن أي قائد أو جماعة أخرى في التاريخ؛ فذلك باب آخر له معاييره ومباحثه. وإنما تنصرف المقارنة إلى البنى التاريخية؛ لأن سنن التدافع لا تتكرر بالأشخاص، وإنما تتكرر بالأنماط، ولا تعيد إنتاج الأسماء، وإنما تعيد إنتاج الشروط التي تستدعي أفعالًا متشابهة.

وبهذا المعنى، نتجاوز التساؤل عما إذا كان طوفان الأقصى هو كربلاء جديدة؟ لأنه غير منضبط علميًا، ولنطرح السؤال:  عما إذا كان طوفان الأقصى يمثل حالةً تاريخية تنطبق عليها الشروط التي انتهينا إليها في تأطير الحالة الحسينية؟ وعما إذا كان من الممكن قراءة هذا الحدث المعاصر في ضوء الأركان الثلاثة التي كشف عنها النموذج الحسيني: إدراك اللحظة التاريخية الحاسمة، واستنفاد المشروعية قبل استنفاد القوة، والرهان على المستقبل أكثر من الرهان على نتائج اللحظة؟

فإذا استطاع هذا النموذج أن يفسر بنية الطوفان، لا تفاصيله، فإنه يكون قد تجاوز حدود الوصف التاريخي، إلى بناء نموذج تحليلي، يصلح لقراءة كل لحظة يبلغ فيها التدافع بين الحق والباطل درجة، يصبح معها السؤال الحقيقي: متى يكون التحرك واجبًا؟ وكيف يكون ذلك التحرك؟ ولماذا قد يصبح الرهان على “اشتغال السنة” أهم من الرهان على “حسم اللحظة”؟

ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ معركة طوفان الأقصى هنا، باعتبارها مجرد عملية عسكرية أو حدثًا سياسيًا، وإنما بوصفها اختبارًا لمدى صلاحية النموذج الحسيني، في تفسير إحدى أكثر اللحظات التاريخية تعقيدًا في تاريخ الأمة المعاصر. فإن صدق النموذج في تفسيرها، لم يعد الحديث عن كربلاء حديثًا عن الماضي، بل عن قانون من قوانين التدافع التي تتكرر، كلما واجهت الأمة لحظةً يتهدد فيها الخطر بوصلة وجودها، بينما لا تزال موازين القوة مختلة لصالح خصومها.

أولا: طوفان الأقصى وإدراك اللحظة التاريخية:

لا تتشكل اللحظات الحسينية فجأة، ولا تنشأ بقرار معزول عن سياقه، وإنما تتولّد كثمرة صيرورة تاريخية، تتدرج ضمنها الأحداث، حتى تبلغ عتبة، يصبح معها التأجيل أخطر من الفعل.

ومن هنا، فإن فهم طوفان الأقصى يقتضي العودة إلى المسار الذي سبق اندلاعه، لفهم كيف انتقل الخطر من احتلال الأرض إلى محاولة احتلال المعنى، وكيف تحول المشروع الصهيوني من إدارة الصراع إلى السعي لتصفيته، حتى تشكلت، في تقدير المقاومة، لحظة اللاعودة التي لم يعد معها الصمت حيادًا، بل أصبح موقفًا يسهم في تثبيت الواقع الجديد.

وبهذا المعنى، لا يُقرأ الطوفان بوصفه بداية الصراع، وإنما بوصفه استجابة للحظة تاريخية بلغت فيها الأزمة ذروتها.

1.    من خطر احتلال الأرض إلى خطر احتلال المعنى:

قد يبدو للوهلة الأولى أن معركة طوفان الأقصى جاءت استجابةً لاستمرار الاحتلال، غير أن هذا التفسير، على وجاهته، لا يكفي لفهم توقيتها: فالاحتلال لم يبدأ في السابع من أكتوبر، ولا قبله بسنوات قليلة، بل امتد لعقود طويلة، عاش خلالها الفلسطينيون صورًا متعددة من القتل والتهجير والاستيطان والحصار. ولو كان مجرد وجود الاحتلال كافيًا لتفسير الطوفان، لما كان ثمة معنى لخصوصية هذه اللحظة دون غيرها.

والذي يبدو، إذا قُرئت الأحداث في ضوء النموذج الذي انتهينا إليه، أن المقاومة لم تعد ترى الخطر مقتصرًا على استمرار احتلال الأرض، بل أصبح على يقين من أن المشروع الصهيوني قد دخل مرحلة جديدة، انتقل فيها من السعي إلى السيطرة على الجغرافيا، إلى محاولة السيطرة على المعنى نفسه.

فلم يعد المطلوب مجرد فرض واقع سياسي بالقوة، بل إعادة تشكيل الوعي الذي تُقرأ به القضية الفلسطينية. وذلك عبر تحويل الاحتلال إلى أمر طبيعي، والاستيطان إلى حق تاريخي، والقدس إلى عاصمة نهائية لإسرائيل، والمقاومة إلى إرهاب، والدفاع عن الأرض إلى جريمة، والتطبيع إلى عنوان للحكمة والواقعية.. حتى يصبح ما كان استثناءً قاعدة، وما كان عدوانًا نظامًا مشروعًا، وما كانت مقاومته واجبًا فعلًا ينبغي إدانته.

وهنا يبلغ الصراع مستوى جديدًا؛ إذ لا يعود النزاع على الأرض وحدها، وإنما على المعيار الذي يُحكم به على الأرض: فحين ينجح المحتل في إعادة تعريف الحق والباطل، والضحية والجلاد، والمقاومة والإرهاب، فإنه لا يحتل الجغرافيا فقط، بل يحتل البوصلة التي تهدي الناس إلى الحكم على الجغرافيا.

ومن هذه الزاوية، يلتقي طوفان الأقصى مع النموذج الحسيني عند أخطر نقطة فيه: إذ لم يتحرك الحسين لأن الظلم وُجد، فالظلم قديم قدم التاريخ، وإنما لأنه أدرك أن الانحراف لم يعد مجرد ممارسة منحرفة داخل المنظومة، بل أخذ يتحول إلى المنظومة نفسها، وأصبح يمتلك القدرة على إعادة تعريف المعروف والمنكر، والحق والباطل، والشرعية والغلبة.

والأمر نفسه يمكن أن يقال، من حيث البنية التاريخية لا من حيث الأشخاص، عن اللحظة التي سبقت الطوفان. فقد تجاوز الوضع السؤال عما إذا كانت فلسطين لا تزال محتلة، إلى السؤال عما إذا أصبح الاحتلال نفسه هو الوضع الطبيعي الذي يُطلب من الجميع قبوله والتكيف معه؟ وعما إذا ما أوشكت القضية الفلسطينية أن تتحول من قضية تحرر إلى ملف إنساني يُدار بالمساعدات والإغاثة، بعد أن يُفرغ من مضمونه التحرري؟

وهنا، وفق منطق فقه التدافع، لم يعد ارتفاع مستوى الخطر مرتبطًا فقط بما يُسلب من الأرض، بل بما يُسلب من المعنى. لأن احتلال الأرض، مهما طال، يبقى قابلًا للمراجعة إذا بقي معيار الحق حيًا في ضمير الأمة. أما إذا نجح المحتل في احتلال المعيار نفسه، فإن استعادة الأرض تصبح أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يعود المطلوب تحرير الجغرافيا فحسب، بل تحرير الوعي الذي فقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل.

ومن هنا يمكن فهم لماذا رأت المقاومة، في تقديرها، أن القضية بلغت عتبة تاريخية جديدة، لم يعد الخطر فيها يهدد حدود فلسطين وحدها، وإنما يهدد بوصلة الأمة تجاه فلسطين. وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الحسيني من جديد: متى يصبح السكوت مساهمة في إعادة إنتاج الانحراف، لا مجرد تجنب لمواجهة غير متكافئة؟

2.    من إدارة الصراع إلى تصفية الصراع:

لم يكن التحوّل الذي سبق طوفان الأقصى تحولًا في حجم القوة العسكرية فحسب، وإنما كان تحولًا في طبيعة المشروع الصهيوني نفسه: فقد انتقل، في تقدير كثير من المراقبين، من إدارة الصراع إلى العمل على تصفيته نهائيًا وفق الرؤية الإسرائيلية.

ولعل من أبرز المؤشرات على هذا التحول، ما يمكن تسميته بتطور منطق الصراع نفسه، فقد انتقل، منذ قيام دولة الاحتلال، عبر أربع مراحل متعاقبة: ففي المرحلة الأولى (1948-1967) كان الشعار السائد عربيًا هو: لا سلام مع وجود إسرائيل. ثم، بعد حرب 1967، انتقل الخطاب إلى منطق الأرض مقابل السلام، الذي حكم جانبًا كبيرًا من العملية السياسية لعقود. وبعد معاهدة كامب ديفيد (1978) وما تلاها من اتفاقيات، أخذ يتشكل منطق جديد يمكن تلخيصه في السلام مقابل السلام، حيث لم يعد السلام مشروطًا بإنهاء الاحتلال أو إعادة الأرض، بقدر ما أصبح قيمة قائمة بذاتها. غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2021، كشفت عن انتقال المشروع الصهيوني إلى مرحلة رابعة أكثر جذرية؛ إذ لم يعد الهدف إدارة الصراع أو تسويته، بل تجاوز القضية الفلسطينية نفسها، والعمل على دمج إسرائيل في المنطقة مع إبقاء الوجود الفلسطيني مجرد قضية إنسانية أو إدارية، لا قضية تحرر وطني. وهنا بدا، في نظر كثيرين، أن الصراع لم يعد يدور حول شروط السلام، بل حول إمكان استمرار فلسطين نفسها بوصفها قضية سياسية وحضارية.

خلال المراحل الثلاث الأولى، كان منطق إدارة الصراع، رغم ما فيه من ظلم واختلال، يقوم على إبقاء القضية الفلسطينية مفتوحة على احتمالات متعددة؛ تفاوضًا، أو مقاومة، أو حلولًا سياسية، أو تغيرًا في موازين القوى. أما في المرحلة الأخيرة، فقد أخذ هذا المنطق يفسح المجال لتصفية نهائية لشيء اسمه فلسطين، قوامه إغلاق القضية نفسها، لا البحث عن مخرج لها:

فقد تعثرت مسيرة أوسلو، التي بُني عليها رهان طويل، حتى انتهت عمليًا إلى واقع يزداد فيه الاستيطان اتساعًا، وتتقلص فيه الأرض الفلسطينية يومًا بعد يوم. ثم جاءت صفقة القرن لتطرح تصورًا لا يقوم على إنهاء الاحتلال، وإنما على إعادة تعريف الحقوق الفلسطينية، بما ينسجم مع الوقائع التي فرضها الاحتلال. وبعدها تسارع مسار التطبيع العربي، لا بوصفه علاقات دبلوماسية فحسب، بل باعتباره جزءًا من مشروع أوسع يسعى إلى دمج إسرائيل في بنية المنطقة، باعتبارها شريكًا طبيعيًا في مستقبلها السياسي والاقتصادي والأمني.

وفي الوقت نفسه، أخذت القدس والمسجد الأقصى يشهدان تصاعدًا غير مسبوق في الاقتحامات والإجراءات الهادفة إلى تغيير الوضع التاريخي القائم، بما أوحى لكثيرين أن المشروع لم يعد يقتصر على إدارة احتلال قائم، وإنما يسعى إلى تثبيت وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

وهكذا لم يعد الخطر، في تقدير المقاومة، مجرد استمرار للاحتلال، بل أصبح محاولة لإغلاق الملف الفلسطيني نفسه، وتحويله من قضية تحرر وطني إلى واقع نهائي يُطلب من الجميع التسليم به. ولم يعد المطلوب من الفلسطيني أن يتنازل عن جزء من أرضه فحسب، بل أن يتنازل عن روايته، وعن ذاكرته، وعن حقه في تعريف قضيته.

ومن هنا اكتسبت اللحظة معناها التاريخي: فكما انتهينا في تأطير الحالة الحسينية إلى أن الخطر يبلغ ذروته حين لا يكتفي الانحراف بفرض نفسه، بل يسعى إلى إعادة تعريف الشرعية التي تبرره، بدا للمقاومة أن القضية الفلسطينية بلغت مرحلة لم يعد المشروع الصهيوني يكتفي فيها بإدارة الصراع، بل يعمل على إعادة تعريف الصراع نفسه، بحيث يغدو الاحتلال أصلًا، والمقاومة نشازا، والتطبيع قاعدة، والاعتراض خروجًا على الشرعية.

وهنا تحديدًا، لم يعد السؤال: كيف يُدار الصراع؟ بل أصبح التساؤل عما إذا ما بقي أصلًا من صراع يُراد حله، وعن المستوى التي بلغه المزاج العالمي للتسليم النهائي بتصفية القضية ودفنها.

هنا، وحين يبلغ التدافع هذه العتبة، لا يصبح التحدي الحقيقي مجرد دفاع عن جزء من الأرض، وإنما إنما يغدو التحدي هو منع التاريخ من أن يعلن نهاية حق مشروع أصيل، لا يزال أصحابه يؤمنون بعدالته.

هناك، ومرة أخرى، يلتقي منطق الطوفان مع منطق الحالة الحسينية؛ إذ يتحول التحرك من محاولة لتحسين شروط الصراع، إلى محاولة لمنع تصفية الصراع نفسه.

 

3.    حين تشكلت لحظة اللاعودة:

إذا صح ما انتهينا إليه في تأطير الحالة الحسينية، فإن أخطر ما يميزها ليس مجرد ارتفاع مستوى الخطر، ولا مجرد اختلال ميزان القوة، وإنما اللحظة التي يصبح فيها تأجيل الفعل أخطر من الإقدام عليه.

وهنا، على وجه التحديد، يبدو أن طوفان الأقصى يمثل محاولة لقراءة هذا النوع من اللحظات.

فلو كان ميزان القوة وحده هو معيار القرار، لما كان ثمة ما يدعو إلى التحرك؛ إذ إن اختلال موازين القوى بين المقاومة والاحتلال كان معلومًا، بل ازداد اتساعًا مع مرور السنوات. ولو كانت القدرة العسكرية وحدها مناط الفعل، لكان مقتضى الحسابات المجردة هو مزيدًا من الانتظار، لعل موازين القوة تتغير في المستقبل.

غير أن النموذج الذي حاولنا تأسيسه في هذه الدراسة ينطلق من فرضية أخرى؛ وهي أن القدرة ليست وحدها معيار التكليف التاريخي، وإنما تتحدد مع طبيعة الخطر الذي يواجه الأمة. فكلما ارتفع مستوى الخطر، وانتقل من تهديد المصالح إلى تهديد المرجعية التي تحفظ هوية الأمة واتجاهها، تغيرت طبيعة المسؤولية، حتى وإن بقي ميزان القوة على اختلاله.

ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن فهم قرار الطوفان باعتباره ثمرة قراءة رأت أن القضية الفلسطينية لم تعد تواجه مجرد استمرار للاحتلال، بل مشروعًا يقترب من تثبيت نتائج الاحتلال بوصفها حقائق نهائية، وإعادة تعريف المنطقة سياسيًا وثقافيًا وأخلاقيًا على هذا الأساس. حيث تجاوزت الحالة السؤال عن قدرة موازين القوة بالحسم، لتصل إلى التساؤل عن مدى سماح مستوى الخطر بمزيد من التأجيل.

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق نفسه الذي ميز الحالة الحسينية من قبل: فالحسين لم يتحرك لأن ميزان القوة أصبح في صالحه، وإنما لأنه أدرك أن كلفة الصمت أصبحت، في تقديره، أكبر من كلفة التضحية.

وكذلك يمكن قراءة طوفان الأقصى، لا بوصفه رهانًا على انتصار عسكري سريع، بل بوصفه رهانًا على منع التاريخ من أن يعبُر عتبةً، يصبح بعدها الانحراف واقعًا نهائيًا، يصعب التراجع عنه.

وهنا تتجلى إحدى أهم نتائج فقه التدافع الذي حاولنا بناؤه؛ إذ إن اللحظات التاريخية لا تُقاس دائمًا بمقدار القوة المتاحة، وإنما بنسبة التناسب بين مستوى الخطر ومستوى القدرة. فإذا بقي الخطر محدودًا، كان مقتضى الحكمة انتظار اكتمال القوة. أما إذا بلغ الخطر مستوى يهدد الاتجاه الحضاري للأمة، فقد يصبح التحرك واجبًا، لا لأن القوة اكتملت، بل لأن الزمن نفسه لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل.

وبهذا المعنى، لا يكون طوفان الأقصى، في ضوء هذه القراءة، مجرد انتقال من السكون إلى الفعل، وإنما انتقال من مرحلة كان فيها التأجيل أحد الخيارات الممكنة، إلى مرحلة أصبح فيها التأجيل نفسه جزءًا من المشكلة. وهناك، مرة أخرى، يلتقي الطوفان مع منطق الحالة الحسينية؛ حيث لا يصبح الموضوع موضوع انتصار أو انهزام، وإنما الموضوع هر: هل يجوز أن نصمت الآن؟

 

4.    حين يتحول الصمت إلى موقف:

لقد انتهينا في تأطير الحالة الحسينية إلى أن اللحظة الفاصلة لا تبدأ حين يشتد الظلم، بل حين يصبح السكوت عنه مساهمةً في إعادة إنتاجه: فليس كل باطل يفرض المواجهة، كما أن ليس كل صبر يعتبر حكمة. وإنما تأتي اللحظة التي يتحول فيها الامتناع عن الفعل، من خيار تكتيكي مشروع، إلى موقف تاريخي يشارك، بقصد أو بغير قصد، في تثبيت الانحراف ومنحه فرصة التحول إلى واقع دائم.

وهنا يلتقي السؤال الحسيني بالسؤال الفلسطيني عند مستوى أعمق، من مجرد تشابه الأحداث أو الأشخاص: فالحسين لم يخرج لأن السلطة كانت جائرة فحسب، إذ إن الجور رافق صفحات كثيرة من التاريخ، وإنما لأنه أدرك أن الجور قد بدأ يكتسب شرعية مزيفة، وأن الانحراف لم يعد مجرد ممارسة خاطئة داخل المنظومة، بل أخذ يعيد تعريف المنظومة نفسها، حتى يغدو المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ويصبح ما كان استثناءً قاعدة، وما كان باطلًا حقًا، وما كانت الغلبة، في مرحلة من المراحل، مجرد وسيلة للاستيلاء على الحكم، قد تحولت إلى معيار لإنتاج الشرعية ذاتها.

ولعل هذا التحول يفسر جانبًا من الإشكال الذي عرفه الفقه السياسي الإسلامي، في مراحله اللاحقة؛ إذ إن جانبًا معتبرًا من الفقهاء، تحت ضغط الفتن المتعاقبة، وانهيار الدول، والخوف من انفراط الجماعة، انتهى إلى التسليم بشرعية المتغلب متى استقر له الأمر، تغليبًا لمقصد حفظ الجماعة على غيره من المقاصد.

وربما يكون لهذا الاجتهاد وجاهته في سياقات تاريخية محددة، حيث كان الخطر الأكبر فيها هو انهيار الدولة ودخول الأمة في دوامات من الاحتراب الداخلي. غير أن الإشكال لا يكمن في ذلك الاجتهاد من حيث هو اجتهاد تاريخي، وإنما في تعميمه خارج سياقه، حتى بدا وكأن الغلبة وحدها تكفي لإنتاج الشرعية، بصرف النظر عن طبيعة المشروع الذي تحمله تلك الغلبة. وهنا، في تقديرنا، يظهر القصور المنهجي؛ إذ جرى التركيز على معيار القدرة والاستقرار، بينما غاب معيار لا يقل عنه أهمية، وهو طبيعة الخطر الذي تمثله الغلبة على المرجعية القيمية للأمة.

فإذا كانت الغلبة لا تتجاوز تغيير الحاكم، مع بقاء بوصلة الأمة محفوظة، فقد يكون لتقديم مقصد الاستقرار وجه معتبر. أما إذا تحولت الغلبة إلى أداة لإعادة تعريف المعروف والمنكر، والحق والباطل، والشرعية والانحراف، فإن التسليم بها لا يعود مجرد خيار سياسي لتجنب الفتنة، بل قد يصبح، من حيث لا يشعر أصحابه، مشاركة في ترسيخ الانحراف الذي جاءت الشريعة أصلًا لحماية الأمة منه.

ومن هنا تكشف الحالة الحسينية عن بعد لم يحظ بما يستحقه من التأصيل في الفقه السياسي الإسلامي؛ إذ تضيف إلى معيار القدرة والاستقرار، معيارًا آخر لا يقل أهمية، هو مستوى الخطر على الاتجاه الحضاري للأمة: فليس كل متغلب سواء، كما أنه ليست كل فتنة سواء، وإنما يتغير الحكم بتغير طبيعة المشروع الذي تحمله الغلبة: أهو حافظ لبوصلة الأمة، وإن شابه ظلم أو تقصير، أم عامل على إعادة صياغة تلك البوصلة نفسها؟ وهناك تحديدًا تبدأ الحالة الحسينية، ويتبين أن حفظ المرجعية قد يصبح، في بعض اللحظات التاريخية، مقدمًا على مجرد حفظ الاستقرار.

وبالمنطق نفسه، لم يعد السؤال الفلسطيني، في اللحظة التي سبقت طوفان الأقصى، مقتصرًا على استمرار احتلال الأرض، بل أصبح يتعلق بالمصير الذي تتجه إليه القضية نفسها: هل ستبقى فلسطين قضية تحرر وعدالة، أم ستتحول إلى ملف إداري يُدار بالمفاوضات، والمساعدات الإنسانية، وترتيبات الأمن، بينما يُطلب من الأجيال الجديدة أن تتكيف مع الاحتلال بوصفه حقيقة نهائية؟

ومن هنا لم يعد الدفاع عن الأرض وحدها كافيًا، لأن الأرض قد تُستعاد يومًا إذا بقيت بوصلة الأمة سليمة. أما إذا فُقدت البوصلة، وضاعت الرواية، واختلط الحق بالباطل، فإن تحرير الأرض نفسه يصبح أكثر صعوبة؛ لأن أول ما يحتاج إلى تحرير حينئذ هو الوعي الذي فقد القدرة على تمييز العدل من الظلم، والشرعية من الغلبة.

وهكذا، فإن السؤال الذي بدا للمقاومة أنه يفرض نفسه لم يكن هو: هل نستطيع تغيير موازين القوة الآن؟ وإنما: هل يجوز أن تستمر موازين المعنى في الانقلاب دون مقاومة؟ وهذا هو السؤال نفسه الذي واجهه الحسين، حين لم يعد الخطر موجهًا إلى وجود الأمة، بل إلى الاتجاه الذي ستسير فيه الأمة بعده.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم طوفان الأقصى، بوصفه انتقالًا من الدفاع عن الجغرافيا إلى الاستقرار في الدفاع عن التاريخ، ومن كونه حماية لمساحة الأرض إلى تحقيقه لحماية قرار المعنى، ذلك المعنى الذي بدونه لا يبقى للأرض نفسها قيمة: إذ بمقدور الاحتلال أن يستولي على المدن والحدود، بفعل تفوق في القوة، لكنه لا يستطيع تحقيق أي شرعية بدون تسليم أصحاب الحق له بذلك. فإن هم سلموا، فقد انتقل المحتل من احتلال الأرض إلى احتلال المعنى، فتنتهي القضية من أساسها. وحين تشارف القضية على تلك العتبة، يصبح الصمت أخطر من اختلال ميزان القوة، وأفدح من التعرض لأي إبادة.

ثانيا: طوفان الأقصى واستنفاد المشروعية قبل القوة:

لا يكتمل فهم أي فعل تاريخي بمجرد إدراك دوافعه، بل لا بد من مساءلة الطريق الذي قاد إليه: فليست كل لحظة حرجة تبرر الانتقال إلى القوة، كما أن اختلال موازين القوى لا يسقط واجب استنفاد الوسائل التي تسبقها. ومن هنا، لا يُقرأ طوفان الأقصى باعتباره حدثًا عسكريًا معزولًا، وإنما بوصفه الحلقة الأخيرة في مسار طويل من الخيارات السياسية، وأشكال المقاومة غير العسكرية، ومحاولات احتواء الصراع، قبل أن تصل المقاومة، في تقديرها، إلى قناعة بأن التأجيل لم يعد يحفظ القضية، وأن القوة لم تعد خيارًا من بين خيارات متعددة، بل أضحى هو آخر ما تبقى منها. ومع ذلك، لم تتوقف المشروعية عند لحظة استعمال القوة، بل واصلت حضورها في مسارات التفاوض والهدن وتبادل الأسرى والخطاب السياسي، لتؤكد أن المقصود لم يكن تمجيد القوة، وإنما توظيفها في خدمة المقصد الذي خرجت من أجله.

 

5.    القوة ليست بداية الصراع:

من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة طوفان الأقصى، اختزاله في السابع من أكتوبر، وكأن الصراع بدأ في ذلك اليوم، أو كأن الخيار الحسيني كان هو الخيار الأول الذي لجأت إليه المقاومة. وهو ذات الخطأ الذي يرتكب عند قراءة كربلاء من يوم عاشوراء وحده، مع إغفال المسار الطويل الذي سبقها، وأوصل إليها.

لقد انتهينا في تحليل النموذج الحسيني إلى أن المشروعية لا تُستمد من لحظة استعمال القوة، وإنما من المسار الذي سبقها: فالحسين لم يبدأ بالسيف، وإنما بدأ بالكلمة، والنصح، والبيان، وإقامة الحجة، وإعلان مقصده الإصلاحي، واستنفاد كل ما يمكن أن يدرأ المواجهة، حتى لم يبق في وسعه طريق مشروع لم يسلكه. وعندها فقط أصبحت المواجهة امتدادًا للمشروعية، لا خروجًا عليها.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يُقرأ طوفان الأقصى من لحظة انطلاقه العسكري، وإنما من المسار التاريخي الذي سبق تلك اللحظة. فالقوة، في منطق المقاومة كما يمكن فهمه، لم تكن بداية الصراع، بل جاءت بعد عقود طويلة من مسارات متعددة؛: من تفاوض وتسويات سياسية ومبادرات إقليمية وانتفاضات شعبية وتهدئات مؤقتة ووساطات متعددة ومحاولات متكررة للبحث عن مخارج توقف مسلسل الحصار والصراع أو تخفف من حدته.

وقد يختلف الباحثون في تقييم نجاح تلك المسارات أو إخفاقها، كما قد يختلفون في تقدير مسؤولية كل طرف عنها، لكن الذي يصعب إنكاره هو أن اللجوء إلى استنفاد المقاومة للقوة لم يكن أول ما جُرِّب، بل جاء بعد تاريخ طويل من استنفاد خيارات أخرى، بدا في نظر المقاومة أنها لم تعد قادرة على منع المشروع الصهيوني من التقدم نحو أهدافه.

وهنا تتجلى إحدى أهم نتائج فقه التدافع: فاستنفاد القوة لا يكتسب مشروعيته من ذاته، ولا من مقدار ما يحققه من أثر، وإنما من موقعه داخل سلم الخيارات، فإذا قفزت إليه الأمة قبل استنفاد البدائل، تحول إلى مغامرة تفتقد الحكمة. أما إذا جاء بعد أن تحققت شروطه (اراتفاع مستوى الخطر مع انعدام توازن القوى)، فقد أصبح التأجيل نفسه خطرا ذاتيا يفاقم من تعاظم الخطر الموضوعي. حينها ينتقل التحرك من كونه مجرد خيار إلى كونها استحقاقًا تاريخيًا.

ولذلك، يخطئ من يطرح على أهل الطوفان سؤال: لماذا استعملوا القوة بهذا المستوى؟

لأن الجواب على هؤلاء يكون بسؤال مقابل، وهو: وهل بقي قبلها باب مشروع لم يُطرق، أو وسيلة معتبرة لم تُستنفد؟

6.    استنفاد الخيارات السياسية:

إذا كان النموذج الحسيني قد علمنا أن القوة لا تكتسب مشروعيتها إلا بعد استنفاد أبواب البيان والإصلاح، فإن قراءة طوفان الأقصى لا تكتمل إلا باستحضار المسار السياسي الطويل الذي سبق اندلاعه: فالمقاومة الفلسطينية، شأنها شأن أي حركة تحرر، لم تتحرك في فراغ، ولم تتجاوز مباشرة إلى الخيار العسكري، وإنما جاءت بعد عقود جُرِّبت فيها صور متعددة من المعالجة السياسية.

فقد شُرع، منذ مؤتمر مدريد سنة 1991، في مسار تفاوضي واسع، بلغ ذروته مع اتفاقيات أوسلو، التي قامت على فرضية إمكان الوصول إلى تسوية تاريخية عبر التفاوض. ثم أُنشئت السلطة الفلسطينية باعتبارها إطارًا انتقاليًا يقود إلى قيام الدولة المنشودة، ودخل الفلسطينيون تجربة الانتخابات، وتعددت الحكومات، وتكررت جولات التفاوض، أملاً في أن تفضي العملية السياسية إلى إنهاء الاحتلال أو على الأقل إلى وقف تمدده.

ولم تقتصر المحاولات على الساحة الفلسطينية، بل امتدت إلى الإطار العربي والإقليمي؛ من المبادرة العربية للسلام، إلى الوساطات المتكررة، ثم اتفاقات التهدئة التي رعتها أطراف مختلفة، والتي كانت تهدف إلى احتواء التصعيد، وفتح المجال أمام حلول سياسية أو إنسانية تقلل من كلفة الصراع.

وقد يختلف الباحثون في تقييم هذه المسارات؛ فمنهم من يرى أنها لم تكن تملك منذ البداية مقومات النجاح، ومنهم من يرى أنها أُفشلت بفعل موازين القوى أو غياب الإرادة السياسية. غير أن هذا الاختلاف لا يغير حقيقة منهجية واحدة، وهي أن الخيار السياسي لم يُهمَل، بل جُرِّب على مدى أكثر من ثلاثة عقود، واستُنفدت فيه صور متعددة من المبادرات والوساطات والتنازلات والرهانات.

ومن هنا، فإن طوفان الأقصى لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق الطويل. فهو، في هذه القراءة، لم يكن قفزًا فوق السياسة، وإنما جاء بعد أن بدا، في تقدير المقاومة، أن المسار السياسي لم يعد قادرًا على وقف التحولات التي تناولناها في المبحث السابق؛ من اتساع الاستيطان، وتسارع التطبيع، وتغيير معالم القدس، والاقتراب من تصفية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر.

وهنا تتجلى مرة أخرى إحدى قواعد فقه التدافع؛ إذ إن الانتقال من السياسة إلى القوة لا يكون مشروعًا لمجرد تعثر المفاوضات، وإنما حين يتحول استمرار المسار السياسي نفسه، في تقدير أصحابه، إلى عامل يمنح المشروع المقابل مزيدًا من الوقت لترسيخ وقائعه، حتى يغدو التأجيل وسيلة لتكريس الأمر الواقع بدل تغييره.

وبذلك لا تُقرأ القوة هنا بوصفها نقيضًا للسياسة، وإنما بوصفها المرحلة التي تلي استنفادها. فالحالة الحسينية لا تبدأ برفض الحوار، وإنما تبدأ حين يصبح الحوار، بعد استنفاد أغراضه، عاجزًا عن حماية البوصلة التي خرج أصلًا من أجلها.

7.    استنفاد وسائل المقاومة غير العسكرية:

ولم يكن استنفاد المشروعية مقتصرًا على المجال السياسي، بل امتد إلى طيف واسع من وسائل المقاومة التي لا تقوم على السلاح، وإنما على استنهاض المجتمع، وتحريك الرأي العام، واستثمار القانون الدولي، وإبقاء القضية حية في الضمير الإنساني.

فقد شهدت فلسطين تجربتين كبيرتين في المقاومة الشعبية؛ مثلتهما الانتفاضتان الأولى والثانية، اللتان أعادتا تعريف الشعب الفلسطيني بوصفه فاعلًا في مقاومة الاحتلال، لا مجرد ضحية له. ثم تتابعت صور أخرى من المقاومة المدنية، كان من أبرزها مسيرات العودة، التي حاولت أن تستعيد حق العودة بأدوات شعبية وسلمية، وأن تنقل معاناة الفلسطينيين إلى الضمير العالمي، رغم ما واجهته من قمع وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى.

وفي موازاة ذلك، اتسعت جبهة أخرى لا تقل أهمية، تمثلت في المعركة الإعلامية؛ حيث خاض الفلسطينيون، ومعهم أحرار العالم، مواجهة طويلة لكسر احتكار الرواية، وكشف ممارسات الاحتلال، وإبقاء القضية حاضرة في الفضاء الإعلامي العالمي، رغم اختلال موازين التأثير، وسيطرة المؤسسات الإعلامية الكبرى على جزء معتبر من تشكيل الرأي العام الدولي.

كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، التي حاولت ممارسة ضغط اقتصادي وأخلاقي على الاحتلال، مستلهمةً تجارب تاريخية نجحت في عزل أنظمة استعمارية وعنصرية أخرى. وإلى جانب ذلك، لم يتوقف السعي إلى استثمار أدوات القانون الدولي؛ من اللجوء إلى الهيئات الأممية، والمحاكم الدولية، وتوثيق الانتهاكات، والعمل على ملاحقة المسؤولين عنها وفق الآليات القانونية المتاحة.

وقد يختلف الباحثون في تقدير أثر كل واحدة من هذه الوسائل، وفي مدى نجاحها أو إخفاقها، غير أن ما يعنينا هنا ليس تقييم نتائجها، وإنما ملاحظة دلالتها المنهجية؛ فهي تكشف أن المقاومة لم تحصر فعلها في الوسيلة العسكرية، ولم تجعل القوة لغتها الوحيدة، بل تعاملت مع الصراع بوصفه صراعًا متعدد المستويات: سياسيًا وشعبيًا وإعلاميًا وقانونيًا وأخلاقيًا.

ومن هنا، فإن القراءة التي تختزل طوفان الأقصى في كونه انتقالًا مباشرًا إلى استنفاد الحل العسكري إلى منتهاه، تتجاهل هذا المسار الطويل من استنفاد بقية الوسائل غير العسكرية قبله: فاستنفاد القوة، في ضوء فقه التدافع الذي حاولنا تأصيله، لا يصبح مشروعا لأنه قادر على إحداث الأثر، وإنما لأنه جاء بعد أن استُنفدت كل الوسائل التي كان يُرجى أن تحقق المقصد نفسه بكلفة أقل.

8.    لماذا أصبح الطوفان آخر الخيارات؟

إذا كان النموذج الحسيني يعلمنا أن استنفاد القوة لا يُستدعى إلا بعد استنفاد بقية الخيارات الأخرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما الذي جعل المقاومة ترى أن السابع من أكتوبر لم يعد مجرد خيار من بين خيارات متعددة، بل أصبح آخر ما تبقّى لديها من الخيارات؟

إن الجواب لا يكمن في حدث واحد، ولا في قرار مفاجئ، وإنما في صيرورة طويلة تداخلت فيها عوامل متعددة، حتى كوّنت، في مجموعها، ما يمكن تسميته بـ لحظة انسداد الأفق التاريخي:

فعلى المستوى السياسي، بدا أن المسار التفاوضي قد وصل إلى طريق مسدود، دون أن يوقف تمدد الاحتلال أو يفتح أفقًا حقيقيًا لإنهائه. وعلى المستوى الميداني، استمر الحصار المفروض على قطاع غزة عامًا بعد عام، حتى تحول إلى واقع مزمن، بينما تسارع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، وتزايدت محاولات تغيير هوية القدس، وتصاعدت الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، بما حمله ذلك من دلالات رمزية وسياسية تتجاوز حدود المدينة نفسها.

وفي الوقت نفسه، كانت موجة التطبيع الإقليمي تتسع، مصحوبة بخطاب سياسي وإعلامي، يسعى إلى إدماج إسرائيل في المنطقة، باعتبارها شريكًا طبيعيًا، لا كيانًا احتلاليًا. ولم يعد الحديث يدور عن إنهاء الاحتلال، بقدر ما أصبح يدور عن كيفية التعايش معه، والتكيف مع نتائجه، وإعادة ترتيب المنطقة على أساسه.

وهكذا أخذت تتشكل، في نظر المقاومة، معادلة جديدة؛ فكل يوم يمر لم يكن مجرد تأجيل للمواجهة، بل كان يمنح المشروع المقابل فرصة إضافية لترسيخ وقائعه، حتى يتحول ما فرضته القوة إلى حقائق سياسية وثقافية يصعب نقضها لاحقًا. ولم يعد الزمن عنصرًا محايدًا، كما كان في الحالة الحديبية، بل أصبح يعمل في الاتجاه المعاكس، بحيث غدا التأجيل نفسه جزءًا من عملية تثبيت الأمر الواقع.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الحالة الحديبية والحالة الحسينية: ففي الحديبية كان الزمن حليفًا للمشروع الإسلامي، ولذلك كان كسبه مكسبًا. أما في الحالة التي سبقت الطوفان، فقد بدا الزمن، في تقدير المقاومة، حليفًا للمشروع الصهيوني؛ إذ كان كل تأجيل يعني مزيدًا من الاستيطان، ومزيدًا من التطبيع، ومزيدًا من تآكل مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الإقليمي والدولي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم لماذا لم يُنظر إلى الطوفان بوصفه انتقالًا من السلم إلى الحرب، وإنما بوصفه انتقالًا من مرحلة كان فيها التأجيل يخدم القضية، إلى مرحلة أصبح فيها التأجيل يخدم تصفية القضية. وهنا لم تعد القوة خيارًا مفضَّلًا، بل أصبحت، في تصور أصحابها، آخر الوسائل القادرة على كسر مسار تاريخي، أخذ يتجه نحو تثبيت الاحتلال كبنية، لا مجرد استمراره كعَرَض.

ولعل هذه هي إحدى أهم نتائج فقه التدافع الذي حاولنا تأسيسه؛ إذ إن مشروعية الانتقال إلى القوة لا تُقاس فقط بامتلاك القدرة، وإنما أيضًا بانقلاب وظيفة الزمن نفسه. فإذا كان الزمن يبني القوة ويحفظ المشروع، كان الانتظار حكمة. أما إذا أصبح الزمن يهدم المشروع ويمنح الانحراف مزيدًا من الرسوخ، فقد يصبح التحرك، رغم اختلال ميزان القوة، هو الخيار الأقل كلفة على مستقبل الأمة.

9.    استمرار المشروعية بعد استعمال القوة:

ومن أهم ما يكشف عمق النموذج الحسيني، أن المشروعية لا تنتهي بمجرد الانتقال إلى القوة، كما لا يتوقف البيان بمجرد بدء المواجهة: فالحسين، بعد أن أحاطت به الجيوش، لم يعتبر أن زمن الكلمة قد انتهى، بل ظل يخاطب خصومه، ويقيم عليهم الحجة، ويدعوهم إلى مراجعة مواقفهم، حتى في اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاده. وكأن حمل السيف لم يكن إلغاءً للكلمة، وإنما دفاعًا عنها حين عجزت وحدها عن حماية الحق.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما أعقب طوفان الأقصى: فاستعمال القوة لم يؤد، في تقدير المقاومة، إلى إغلاق أبواب السياسة، ولا إلى القطيعة مع كل الوسائل الأخرى، وإنما بقيت تلك الوسائل حاضرة، تتحرك بالتوازي مع الميدان. فقد استمرت قنوات التفاوض، وتكررت الوساطات الإقليمية والدولية، وعُقدت اتفاقات متعددة للهدن المؤقتة، وأُنجزت عمليات تبادل للأسرى، كما ظل الخطاب السياسي حاضرًا في عرض المواقف، وبيان الأهداف، والتفاعل مع المبادرات المطروحة.

وهذا يكشف أن القوة، في هذه القراءة، لم تكن بديلًا عن السياسة، وإنما كانت وسيلة لإعادة فتح المجال السياسي بعد أن أوشك أن يُغلق نهائيًا. فلم يكن المقصود إلغاء التفاوض، وإنما منع التفاوض من أن يتحول إلى غطاء لتكريس الأمر الواقع. ولم يكن المقصود تعطيل الوساطات، وإنما إعادة التوازن إليها، بحيث تصبح جزءًا من البحث عن حل، لا مجرد إدارة لنتائج اختلال ميزان القوة.

ومن هنا تتأكد إحدى أهم خصائص الحالة الحسينية؛ إذ إن الانتقال إلى القوة لا يعني الانتقال إلى منطق القوة وحده: فالمشروعية لا تُستنفد باستعمال السلاح، بل تستمر في مرافقة الفعل حتى بعده، من خلال إبقاء باب البيان مفتوحًا، واستمرار إقامة الحجة، وعدم إغلاق كل السبل التي يمكن أن تفضي إلى تحقيق المقصد بأقل قدر من الكلفة.

ولذلك، فإن قراءة طوفان الأقصى، من زاوية السابع من أكتوبر وحده، أو اختزاله في البعد العسكري، تُغفل أن المشروعية قد واصلت حضورها بعد بدء المواجهة نفسها. وهو ما يعزز الفارق بين القوة بوصفها غاية، والقوة بوصفها مرحلة داخل مسار أوسع، يبقى فيه الهدف النهائي هو إعادة تعريف الحق، لا مجرد تمجيد الصراع، وتحقيق العدل، لا إدامة الحرب.

وهنا يكتمل الركن الثاني من النموذج الحسيني؛ إذ لا يبدأ باستنفاد المشروعية قبل القوة فحسب، وإنما يستمر أيضًا بالحفاظ على المشروعية بعد استعمال القوة. فالقوة، في هذا المنطق، ليست قطيعة مع السياسة، ولا مع الحوار، ولا مع البيان، وإنما هي أداة استثنائية لحماية تلك القيم، حين تصبح مهددة بالانهيار.

ثالثا: طوفان الأقصى والرهان على المستقبل:

يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا بعد كل حدث تاريخي كبير: بأي معيار يُقاس نجاحه؟ هل تُختزل قيمته فيما يحققه من مكاسب عسكرية آنية، أم فيما يطلقه من تحولات تتجاوز حدود اللحظة؟

وهنا يلتقي طوفان الأقصى مرة أخرى بالنموذج الحسيني؛ إذ لا يصبح الرهان منصبًا على كسب معركة عابرة، بقدر ما ينصرف إلى إعادة توجيه مسار التاريخ نفسه. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا المبحث التمييز بين نتائج اللحظة ونتائج الصيرورة؛ فيقف عند ما تحقق بالفعل من تحولات سياسية وقانونية وأخلاقية، وما لا يزال ينتظر اكتمال شروطه، ثم يتساءل: لماذا لا يزال الرهان قائمًا، رغم أن الصراع لم يحسم بعد؟ ذلك أن الأحداث المؤسسة لا تُقاس بنهاياتها المباشرة، وإنما بقدرتها على غرس بذور التحول في مجرى التاريخ، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال التي تأتي بعدها.

10. لماذا لم يكن النصر العسكري هو الرهان؟

إذا كان الركنان الأول والثاني قد فسرا لماذا وقع الطوفان، فإن الركن الثالث يجيب عن سؤال لا يقل أهمية: على ماذا راهن إخوان الضيف والسنوار؟

ذلك أن كثيرًا من القراءات، المؤيدة منها والرافضة، انطلقت من فرضية واحدة، وهي أن معركة طوفان الأقصى كانت محاولة لتحقيق انتصار عسكري مباشر. ثم جعلت نجاحها أو فشلها مرهونًا بمقدار ما أحرزته من مكاسب ميدانية أو بما تكبدته من خسائر.

غير أن هذه القراءة، في تقديرنا، تعيد إنتاج الخطأ نفسه الذي وقع فيه كثير من المؤرخين عند قراءتهم لكربلاء: فقد افترضوا أن الحسين قد خرج ليكسب معركة عسكرية، ثم انتهوا إلى أنه قد خسرها في النهاية. بينما تكشف القراءة السننية أن الحسين لم يكن يخوض معركة عسكرية، وإنما كان يخوض حربا قيمية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة طوفان الأقصى بمنطق مختلف: فالسؤال المؤسس لفعل الطوفان قد تجاوز مستوى: هل يمكن هزيمة إسرائيل عسكريًا في السابع من أكتوبر؟ وتطلع إلى أفق: هل يجوز أن تستمر إسرائيل في احتكار تعريف القضية الفلسطينية، وفي إعادة تشكيل وعي المنطقة والعالم، دون أن يطرأ حدث يعيد فتح التاريخ من جديد؟

وهنا يظهر يكمن الفارق بين ربح المعركة وربح التاريخ: فربح المعركة يتعلق بما يتحقق في الميدان خلال أيام أو أشهر، أما ربح التاريخ فيتعلق بإعادة تشكيل المسار الذي ستسلكه الأحداث، خلال العقود اللاحقة: الأول تقيسه مساحات الجغرافيا، والثاني تقيسه سنن التاريخ.

ولذلك لم يكن الرهان، في هذه القراءة، على تحرير الأرض قبل كل شيء، وإنما على تحرير المعيار الذي يُحكم به على الأرض. لأن الأرض قد تُحتل زمنًا، لكنها لا تُفقد تماما، ما دام الحق فيها حيًا في ضمير أصحابه والأمة والإنسانية. أما إذا نجح المحتل في احتلال الوعي، وفي إعادة تعريف الضحية جلادًا، والمقاومة إرهابًا، والاحتلال سلامًا.. فإن الخطر لا يعود على الأرض وحدها، بل على القدرة المستقبلية على استعادتها.

وهنا يلتقي الطوفان مرة أخرى مع النموذج الحسيني: فكما لم يكن الحسين يراهن على أن ينتصر في يوم عاشوراء، بل على ألا يسمح ليوم عاشوراء أن يصبح مرجعية للتطبيع من الباطل.. كذلك يمكن فهم أن أهل الطوفان لم يراهنوا على تحقيق التحرير يوم السابع من أكتوبر، بل على ألايسمحوا ليوم السابع من أكتوبر أن يصبح مرجعية للتطبيع مع الاحتلال.

وبذلك، لم يعد معيار النجاح محصورًا في حدود غلاف غزة، بل اتسع ليشمل ميدانًا أكبر؛ هو ميدان التاريخ الحديث نفسه: فالتاريخ لا يحفظ دائمًا أسماء الأقوى في لحظتهم، بل يحفظ أولئك الذين نجحوا في تغيير الاتجاه على مستوى الصيرورة، ولو كانوا أضعف من خصومهم على مستوى التناظر.

ومن هنا تتجلى إحدى أهم نتائج فقه التدافع الذي حاولنا تأسيسه: إذ إن اللحظات الحسينية لا تُقاس أولًا بما تكسبه من أرض، وإنما بما تمنع خصومها من كسبه من معنى: فإذا ما حُفظ المعيار، بقى المستقبل مفتوحًا أمام استعادة الأرض. أما إذا ما ضاع المعيار، فإن الأرض نفسها تصبح قابلة للنسيان، مهما بقيت حاضرة في الخرائط.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي في طوفان الأقصى، إذا قُرئ في ضوء النموذج الحسيني، لم يكن على انتصار عسكري خاطف، بل على إعادة فتح فجوة في جدار التاريخ، وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز التدافع العالمي، ومنع مسار طويل من كفاح شعب من أن ينتهي، بإعلان هزيمة لم تقع في الميدان، بقدر ما كانت ستقع في الوعي.

 

11. ما الذي تحقق بالفعل؟

إذا كان طوفان الأقصى قد قُرئ، في ضوء النموذج الحسيني، باعتباره رهانًا على المستقبل أكثر من كونه رهانًا على نتائج اللحظة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل بقي ذلك الرهان مجرد فرضية نظرية وهمية، أم أن التاريخ بدأ يكشف بالفعل عن بعض آثاره الواقعية؟

من المبكر، بطبيعة الحال، إصدار أحكام نهائية على حدث لا تزال فصوله تتشكل، لأن السنن التاريخية لا تُقاس بالأشهر ولا بالسنوات القليلة، وإنما بالعقود: غير أن ذلك لا يمنع من رصد مؤشرات أولية تدل على أن الطوفان لم يبق حبيس ميدانه العسكري، بل أطلق صيرورات جديدة تجاوزت حدود فلسطين، وأعادت تشكيل كثير من المعادلات التي كانت تبدو مستقرة قبل السابع من أكتوبر.

ولعل أول هذه التحولات، والتي لا يجادل فيها مؤيد أو معارض، تمثَّل في إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، بعد أن كانت تتجه، شيئًا فشيئًا، إلى التراجع في سلم الأولويات الدولية والإقليمية: فقد عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة أجندة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، وتحولت جلسات لاهاي إلى حدث عالمي غير مسبوق. كما شهدت الجامعات الغربية، من كولومبيا وهارفارد إلى أكسفورد وكامبريدج، أكبر موجة احتجاجات طلابية منذ حرب فيتنام، بينما عادت فلسطين إلى واجهة الإعلام العالمي، وأعادت دول مثل إسبانيا والنرويج وإيرلندا الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. وهي مؤشرات متضافرة تكشف أن القضية التي كانت تتجه إلى التهميش قد استعادت موقعها في قلب النقاش السياسي والقانوني والأخلاقي العالمي.

وبالتوازي مع ذلك، تعرضت السردية الأخلاقية التي استند إليها الاحتلال طوال عقود إلى اهتزاز غير مسبوق: فقد دفعت مشاهد الحرب والدمار قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى إعادة مساءلة الرواية الإسرائيلية، وبرز ذلك في اتساع الاحتجاجات الشعبية، وتنامي الانتقادات الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان، واتساع النقاش داخل وسائل الإعلام الغربية والجامعات حول قضايا الاحتلال والإبادة الجماعية والعدالة الدولية. ولم يعد الحديث مقتصرًا على أمن إسرائيل، بل عاد سؤال الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني ليحتل موقعًا متقدمًا في الخطاب السياسي والأخلاقي العالمي.

وانعكس ذلك بوضوح في التحولات المتسارعة داخل الرأي العام العالمي، ولا سيما بين الأجيال الشابة؛ فقد شهدت جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الشرارة الأولى لاعتصامات طلابية امتدت إلى أكثر من 300  جامعة أمريكية وأوروبية، ووصلت إلى أكسفورد وكامبريدج والسوربون، مطالبة بوقف الحرب وسحب الاستثمارات من المؤسسات المرتبطة بالاحتلال. كما برزت منظمات يهودية أمريكية، مثل: صوت اليهود من أجل السلام Jewish Voice for Peace ، و”إذا لم لكن الآن” IfNotNow، في قيادة أو المشاركة في احتجاجات واسعة، داخل الكونغرس ومحطات القطارات والجامعات، معلنة رفضها للحرب ولسياسات الحكومة الإسرائيلية، في مشهد لم يكن مألوفًا بهذا الحجم منذ عقود.

ومن النتائج اللافتة أيضًا اتساع حركة المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية والثقافية؛ إذ أعلنت جامعات واتحادات طلابية ونقابات مهنية في الولايات المتحدة وأوروبا سحب استثماراتها أو مراجعة شراكاتها مع مؤسسات مرتبطة بالاحتلال، كما اتسعت حملات المقاطعة العالمية بصورة غير مسبوقة. وبالتوازي مع ذلك، دخلت القضية مرحلة قانونية جديدة، بعد الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، وصدور أوامر احترازية من المحكمة، ثم إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، وهي تطورات أعادت القانون الدولي إلى قلب النقاش حول القضية الفلسطينية، بعد سنوات من التهميش.

كما شهدت المرحلة التالية للطوفان تزايدًا في الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، بعد أن أعلنت إسبانيا والنرويج وإيرلندا اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، ثم انضمت إليها دول أخرى مثل سلوفينيا، بالتوازي مع تصاعد النقاش داخل برلمانات أوروبية حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومراجعة العلاقات مع الاحتلال. وقد عكس ذلك عودة الملف الفلسطيني إلى أجندة الدبلوماسية الدولية، بعد أن كان يتجه إلى التراجع، وإن ظل هذا المسار دون مستوى تحقيق الحقوق الفلسطينية كاملة.

أما داخل إسرائيل نفسها، فقد كشفت الحرب عن اهتزازات سياسية واجتماعية وأمنية غير مسبوقة؛ إذ شهدت تل أبيب ومدن أخرى مظاهرات حاشدة ومتواصلة تطالب بإسقاط الحكومة وإبرام صفقة لإطلاق الأسرى، وتفاقمت الخلافات بين المستويين السياسي والعسكري، وتعرضت القيادات الأمنية والعسكرية لانتقادات حادة بسبب إخفاق السابع من أكتوبر، في الوقت الذي عاد فيه الجدل بقوة حول مستقبل المشروع الصهيوني، وحدود القوة العسكرية في تحقيق الأمن الذي قامت عليه عقيدة الدولة الإسرائيلية.

وفي الدائرة الإسلامية، أعاد الطوفان القضية الفلسطينية إلى مركز الوعي الجمعي للأمة، بعد سنوات من الانشغال بأزمات داخلية وصراعات إقليمية متعددة. فقد شهدت عواصم إسلامية وعربية، من الرباط وطنجة إلى إسطنبول وعمّان وجاكرتا وكوالالمبور، أكبر موجات تضامن شعبي منذ سنوات، وعادت القضية الفلسطينية لتتصدر خطب الجمعة، وبيانات العلماء، وأنشطة الاتحادات الطلابية والنقابات، كما عاد المسجد الأقصى ليحتل موقعه بوصفه الرمز الجامع الذي تتقاطع عنده الهويات والانتماءات، وتتجدد حوله معاني الانتماء الحضاري للأمة.

بطبيعة الحال، كل هذه المؤشرات لا تعني أن أهداف الطوفان قد تحققت، ولا أن موازين الصراع قد حُسمت، لكنها تكشف أن الحدث نجح مبكرا في تحقيق ما هو أعمق من المكاسب العسكرية المباشرة؛ إذ أعاد فتح التاريخ بعد أن كان يتجه نحو الإغلاق، وأعاد فتح الأسئلة بعد أن كان يُراد لها أن تنتهي، وأعاد الاعتبار للرواية الفلسطينية بعد أن كان يُراد اختزالها في ملف إنساني أو أمني.

12. هذا ما تحقق، فما الذي لم يتحقق بعد؟

غير أن الاعتراف بما أحدثه طوفان الأقصى من تحولات لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج متعجل بأن أهدافه قد اكتملت، أو أن الصيرورة التاريخية قد بلغت منتهاها. فذلك يناقض المنطق نفسه الذي حاولنا استخلاصه من النموذج الحسيني:

إن أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الأحداث التاريخية هو الخلط بين المؤشرات المباشرة والنتائج التاريخية: فالمؤشرات المباشرة تُقاس بما تلا يوم المعركة من تحولات في المشهد.. أما النتائج التاريخية فتُقاس بما يترتب على تلك المعركة من تحولات في الوعي، وفي موازين القوة، وفي اتجاه حركة التاريخ خلال السنوات والعقود اللاحقة.

ومن هنا، فإن من يطلب من طوفان الأقصى أن يحقق في أشهر قليلة ما تعجز السنن التاريخية عن تحقيقه إلا عبر مسارات ممتدة، إنما يقيس التاريخ بمنطق اللحظة، لا بمنطق القانون. وهذا هو الخطأ نفسه الذي قاد العديد من السطحيين المتعجلين إلى الحكم على كربلاء بأنها قد انتهت يوم عاشوراء، بينما لم تكن عاشوراء سوى بداية أثرها التاريخي، لا نهايته.

إن السنن الإلهية في العمران والتدافع لا تعمل بقانون القفزات المفاجئة، وإنما بقانون التراكم المتدرج: فالأفكار الكبرى لا تغير الأمم في يوم واحد، والثورات لا تعيد تشكيل المجتمعات في معركة واحدة، والتحولات الحضارية لا تنضج بمجرد صدور قرار أو وقوع حدث، بل تحتاج إلى زمن تستكمل فيه أسبابها، وتتفاعل فيه عناصرها، حتى تبلغ لحظة النضج التاريخي.

ولهذا، فإن كثيرًا من النتائج التي راهن عليها طوفان الأقصى لا تزال مفتوحة على المستقبل: إذ إن فلسطين لا تزال تحت الاحتلال، والاستيطان لم يتوقف، والانقسام الفلسطيني لم يُطوَ.. كما أن اختلال موازين القوة الدولية لا يزال قائمًا، والتحديات التي تواجه الأمة في بناء عناصر قوتها الحضارية ما تزال أكبر من أن تعالجها معركة واحدة، مهما بلغت أهميتها.

غير أن عدم تحقق هذه الغايات لا يعني إخفاق رهان الطوفان؛ كما أن عدم تحققها فورًا لا ينقض منطق الحالة الحسينية: وهنا تتجلى إحدى أهم سنن التدافع؛ فهناك لحظات تُكلَّف فيها الأمة بإطلاق التاريخ، لا بإنهائه. ويكون النجاح فيها مرهونًا بقدرتها على تحريك الصيرورة، لا ببلوغ نهايتها. لأن النهاية ليست من صنع جيل واحد، ولا ثمرة فعل واحد، وإنما هو حصيلة تراكم طويل، يشترك في بنائه جيل بعد جيل.

ولذلك، فإن السؤال الصحيح ينبغي أن يتجاوز: لماذا لم تتحقق جميع النتائج؟ إلى سؤال: هل بدأ التاريخ يتحرك فعلا في الاتجاه الذي يجعل تلك النتائج ممكنة؟

وهذا، في تقديرنا، هو السؤال الذي ينسجم مع منطق الحالة الحسينية؛ لأنها لم تكن يومًا رهانًا على سرعة الثمرة، وإنما على سلامة البذرة. فإذا صلحت البذرة، وأُخذ بأسباب رعايتها، كان المستقبل القريب هو المجال الطبيعي الذي تعمل فيه السنن، وتتكشف فيه ثمارها.

 

13. لماذا لا يزال الرهان قائمًا؟

إذا كان طوفان الأقصى لم يحقق بعد جميع النتائج التي يطمح إليها أصحابه، فإن ذلك لا يعني أن رهانه قد سقط، لأن الرهان لم يكن، منذ البداية، معقودًا على سرعة الثمرة، وإنما على سلامة البذرة التي أُلقيت في مجرى التاريخ.

وهكذا، نكون قد انتهينا في تحليل النموذج الحسيني، إلى أن بعض الأحداث الكبرى لا تُقاس بما تنجزه في يومها، وإنما بما تطلقه من صيرورات تتجاوز عمر أصحابها، وتستمر في إعادة تشكيل الوعي والواقع عبر الأجيال: فالحسين لم ير بعينيه سقوط الدولة الأموية، ولم يشهد الثورات التي قامت بعده، ولا التحولات العميقة التي أحدثتها كربلاء في الوجدان الإسلامي، ولا تزال.. ومع ذلك كان فعله هو البذرة التي دخلت في تفاعل طويل مع سنن التاريخ، حتى تجاوز أثرها حدود عصره بقرون.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى طوفان الأقصى بوصفه بذرة تاريخية، ستؤتي أكلها بعد حين، أكثر منه نتيجة نهائية نتوقع تحققها هذا الحين.

وليس هذا منطقًا خاصًا بكربلاء، ولا بفلسطين، بل هو منطق التاريخ نفسه: فكم من حدث بدا صغيرًا في لحظته، ثم أصبح نقطة انعطاف كبرى بعد عقود. وكم من مقاومة بدت عاجزة أمام موازين القوة، ثم صنعت، مع الزمن، تحولات لم يكن أحد يتوقعها: لقد احتاجت مقاومة الأمير عبد الكريم الخطابي سنوات حتى أصبحت مدرسة عالمية في حروب التحرير.. واحتاجت ثورة عمر المختار إلى ما بعد استشهاده لتتحول إلى رصيد معنوي ألهم الأجيال الليبية حتى الاستقلال.. كما لم تتحقق ثمار مقاومة الشعب الفيتنامي بقيادة هوشي منه في معركة واحدة، بل عبر صبر تاريخي طويل أعاد تشكيل موازين القوة نفسها.

وهكذا تعمل السنن؛ فهي لا تمنح التاريخ لمن يفوز بالجولة الأولى، وإنما لمن يمتلك القدرة على الإمساك بالجمر، وعلى تحويل الحدث إلى مشروع، والتضحية إلى وعي، والوعي إلى قوة. فالزمن، في المنظور السنني، ليس مجرد وعاء تمر فيه الأحداث، بل عنصر فاعل في صناعة التحولات، يتفاعل مع صدق الفكرة، وعدالة القضية، واستمرار العمل، حتى يبلغ المجتمع لحظة النضج التي لا يمكن استعجالها.

وبدل أن نُسائل: هل انتهى أثر الطوفان؟ علينا أن نتساءل:  هل ننجح كأمة في تحويل الطوفان من حدث إلى مشروع، ومن صدمة إلى نهضة، ومن تضحية إلى تراكم حضاري؟

وبهذا يكتمل التناظر بين كربلاء والطوفان؛ فكلاهما لم يكن خاتمة لمسار، وإنما بداية لمسار جديد. وكلاهما لم يقدّم للأمة ثمرة جاهزة، وإنما سلّمها جمرة، تاركًا لها مسؤولية أن تحولها، أو أن تضيعها، حيث هناك ينتهي دور الحدث، ويبدأ دور الأمة.

خاتمة:

إذا كان الجزء الأول قد انشغل بتأطير الحالة الحسينية ضمن فقه التدافع، وكان الجزء الثاني قد سعى إلى استقراء منطقها الداخلي، من خلال أركانها الثلاثة، فإن هذا الجزء قد حاول اختبار صلاحية ذلك النموذج في قراءة إحدى أكثر اللحظات تعقيدًا في التاريخ المعاصر، ممثلة في طوفان الأقصى.

وليس المقصود من هذا الاختبار إثبات تطابق ما، بين واقعتين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا عقد مقارنة بين أشخاص أو مقامات أو خصوصيات شرعية، وإنما المقصود هو التحقق من أن النموذج الحسيني يكشف بالفعل عن سنة تاريخية تتكرر كلما بلغ الخطر مستوى يهدد بوصلة الأمة، بينما تبقى موازين القوة مختلة لصالح خصومها.

وقد بينت القراءة السابقة أن الطوفان، سواء اتُّفِق مع تقديراته أو اختُلِف معها، يمكن تفسيره من خلال الأركان الثلاثة التي انتهينا إليها، وهي: إدراك اللحظة التي لم يعد معها التأجيل يحفظ القضية، واستنفاد المشروعية قبل استنفاد القوة، ثم الرهان على التاريخ أكثر من الرهان على نتائج اللحظة.

غير أن نجاح النموذج في تفسير حالة تاريخية معينة، لا يعني أن الأمة، عبر تاريخها، قد أحسنت دائمًا استدعاءه: فالتاريخ لم يشهد أخطاءً ناتجة عن غياب النماذج، بقدر ما شهد أخطاءً ناتجة عن سوء تشخيص اللحظة. فكثيرًا ما استُدعي خيار الصبر في موضع كان الواجب فيه هو المواجهة، واستُدعيت المواجهة في موضع كانت الحكمة فيه هي خيار البناء، واستُدعي خيار الفتح قبل اكتمال شروطه، أو انشغل الناس بالعمران بينما كانت البوصلة نفسها تتعرض للضياع.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في معرفة النماذج التاريخية، وإنما في التمييز بين الشروط التي تستدعي كل نموذج منها. فالحكمة ليست في تعظيم الحديبية أو كربلاء أو الفتح أو العمران كلٌّ على حدة، وإنما في إدراك اللحظة التي يصبح فيها كل واحد منها هو الخيار الشرعي والحضاري المناسب.

وهذا ما يقودنا إلى الجزء التالي، حيث سنتجاوز التساؤل عما إذا كانت الحالة حسينية أم لا؟، لننفتح على التساؤل عن كيف تخطئ الأمم حين تستدعي النموذج الصحيح في اللحظة الخطأ، أو تستدعي النموذج الخطأ في اللحظة الصحيحة؟ وهناك ينتقل البحث من بناء النموذج إلى اختبار دقة استعماله، لأن فساد التشخيص قد لا يقل خطرًا عن غياب التشخيص نفسه.

ماهر الملاخ

الدكتور ماهر الملاخ- أكاديمي متدرّج في مجالات اللسانيات والتأويل والسيميائيات وسيميولوجيا الصورة، امتد من التكوين اللغوي والتربوي إلى البحث السيميائي المتقدم. تُوّج بإنجاز أطروحة دكتوراة حول بناء نموذج تحليلي جديد للعلامة، يقوم على التوازن بين "الصيرورة" و"التناظر"، تحت اسم: "نموذج تناظر الصيرورة". كاتب وباحث في قضايا السيميائيات والفكر الحضاري والتاريخي والإعلام والصورة. فاعل مهني في مجالات التكوين والإعلام السمعي-البصري. شغل مناصب قيادية واستشارية ومؤسِّسة في مؤسسات إعلامية وطنية ودولية. مخرج ومنتج ومشرف وثائقي لأكثر من 90 فيلمًا ووثائقيًا وسلسلة وبرامج تلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى