حروب اختبار معنى وجود الاحتلال (2023 فما بعد)
3/3
من فرض الشرعية بالقوة إلى تآكل الوجود بالمعنى (1948 فما بعد 2023)
قراءة استراتيجية سيميائية في تحولات الحرب والعزلة والتحالف

مقدمة:
لقد ارتبط تاريخ دولة الكيان الصهيوني منذ تأسيسها سنة 1948 بسلسلة من الحروب التي لم تكن مجرد مواجهات عسكرية، بل أدوات لإعادة إنتاج القوة والشرعية والتحالفات. فكل حرب كبرى خاضتها الدولة العبرية تقريبًا انتهت إلى ترسيخ صورة معينة عنها: دولة قادرة على الحسم، ومجتمع قادر على التعبئة، وحليف استراتيجي يمثل ركيزة أساسية داخل النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
ولهذا لم تكن الحروب في التجربة الصهيونية مجرد وسيلة للدفاع عن الحدود أو إدارة الصراعات، بل كانت جزءًا من الآلية التي حافظت بها الدولة على صورتها ومكانتها وموقعها داخل شبكة التحالفات الغربية. فمن حرب 1948 إلى حرب 1967، ومن حرب 1973 إلى الحروب اللاحقة، ظل المنطق العام واحدًا: قد تتغير الوقائع الميدانية، لكن الحرب كانت تنتهي غالبًا بإعادة إنتاج القوة أكثر مما تنتهي بإعادة تعريفها.
غير أن التحولات التي بدأت مع السابع من أكتوبر 2023 فتحت مسارًا مختلفًا. فالهجوم الذي تعرضت له دولة الكيان الصهيوني لم يكن حدثًا أمنيًا وعسكريًا فحسب، بل لحظة كشفت حدود عدد من المسلمات التي استقرت لعقود طويلة. ومع اتساع الحرب في غزة، ثم انتقال المنطقة إلى مواجهة أوسع مع إيران، بدأت الأسئلة تتجاوز حدود الميدان العسكري لتطال قضايا أعمق تتعلق بالشرعية والصورة والتحالفات ومستقبل البيئة الدولية التي تحركت دولة الكيان الصهيوني داخلها طوال العقود الماضية.
ومن هنا لا تنبع أهمية هذه المرحلة من حجم المعارك التي شهدتها أو من نتائجها المباشرة فقط، بل من طبيعة التحولات التي أظهرتها. فالحرب التي كان يُفترض أن تعيد ترميم الردع، بدأت تثير أسئلة حول حدود الردع نفسه. والقوة التي كانت تُستخدم لتعزيز الشرعية، بدأت تُنتج مستويات متزايدة من المساءلة. أما التحالفات التي كانت تتحرك بدرجة عالية من اليقين، فقد بدأت تكشف عن ترددات وشقوق لم تكن ظاهرة بالوضوح نفسه من قبل.
ولا تسعى هذه الدراسة إلى تقييم النتائج العسكرية للحروب الأخيرة، ولا إلى التنبؤ بمآلات الصراع في المدى القريب، بقدر ما تحاول رصد التحولات الجيوسياسية الأعمق التي كشفتها هذه الحروب. فهي تنطلق من فرضية مفادها أن الأهمية الحقيقية لما جرى منذ سنة 2023 لا تكمن فقط في الوقائع التي حدثت، بل في التحولات التي بدأت تظهر في موقع الكيان الصهيوني داخل الرأي العام العالمي، وداخل التحالف الغربي، وداخل البيئة الدولية الآخذة في التشكل من جديد.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى حروب ما بعد 2023 بوصفها حروبًا لا تختبر حدود القوة العسكرية وحدها، بل تختبر أيضًا قدرة دولة الكيان الصهيوني على المحافظة على الشرعية والتحالفات والبيئة الدولية التي شكلت أحد أهم مصادر قوتها منذ تأسيس الدولة. وهنا تحديدًا يبدأ التحول الأهم: حين تنتقل الحرب من كونها أداة لإنتاج المكانة إلى أداة لاختبار شروط استمرارها.
المحور الأول: عزلة الدولة: حرب غزة 2023: لحظة انهيار الصورة:
لم تكن حرب غزة سنة 2023 مجرد محطة جديدة في تاريخ الصراع الفلسطيني–الصهيوني، بل مثلت نقطة انعطاف عميقة في موقع الكيان داخل الوعي العالمي. فخلال عقود طويلة نجحت دولة الكيان الصهيوني في الحفاظ على توازن دقيق بين امتلاك القوة العسكرية من جهة، والاحتفاظ بصورة أخلاقية وسياسية مقبولة داخل جزء كبير من العالم الغربي من جهة أخرى. غير أن الحرب كشفت عن بداية تصدع هذا التوازن، إذ انتقل النقاش الدولي تدريجيًا من التركيز على حق الكيان الصهيوني في الأمن إلى التركيز على مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن أفعالها.
ومن هنا لا تكمن أهمية هذه المرحلة في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في التحول الذي أحدثته في بنية الإدراك العالمي للصراع. فالدول قد تستمر في امتلاك القوة حتى بعد أن تبدأ صورتها الرمزية بالتآكل، غير أن فقدان الشرعية المعنوية غالبًا ما يكون المؤشر الأول على تحولات أعمق قد تظهر آثارها السياسية والقانونية لاحقًا.
وقد تجلى هذا التحول في اتساع دائرة الانتقادات الدولية، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية في الغرب، وانتقال القضية الفلسطينية إلى الجامعات ومراكز التأثير الثقافي، ثم دخولها بقوة إلى المجال القانوني الدولي عبر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وبذلك بدأت دولة الكيان الصهيوني تواجه لأول مرة منذ عقود مسارًا متدرجًا من العزلة، ليس على المستوى العسكري أو الاقتصادي، بل على مستوى الصورة والشرعية والتمثلات الرمزية التي حكمت موقعها داخل النظام الدولي.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى حرب غزة 2023 بوصفها لحظة انتقال من مرحلة التفوق غير المثير للأسئلة إلى مرحلة المساءلة المتزايدة، ومن مرحلة التعاطف التلقائي إلى مرحلة التدقيق والمحاسبة، وهي تحولات تمثل المؤشرات الأولى لما يمكن تسميته: بداية العزلة الأخلاقية والقانونية للكيان داخل المجال العالمي.
- الانتقال من موقع التعاطف إلى موقع الإدانة:
في الأيام الأولى بعد السابع من أكتوبر، بدا المشهد وكأنه يعيد دولة الكيان الصهيوني سريعًا إلى صورتها القديمة التي عرفها الغرب لعقود: دولة تعرضت لهجوم دموي مفاجئ، ومدنيون يفرون من المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وقادة غربيون يتسابقون لإعلان التضامن. وقف الرئيس الأمريكي جون بايدن إلى جانب دولة الكيان الصهيوني معلنًا دعمه الكامل، بينما كانت العواصم الأوروبية ترفع شعارات “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. وفي تلك اللحظة، بدا وكأن دولة الكيان قد استعادت بسرعة موقع “الضحية” الذي طالما منحها تعاطفًا سياسيًا وأخلاقيًا واسعًا داخل الغرب.
لكن مع اتساع الحرب داخل غزة، بدأت الصورة تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا. فكل يوم كانت تخرج صور جديدة من تحت الركام: أحياء مدمرة، عائلات كاملة اختفت، مستشفيات مكتظة، وأطفال يُنتشلون من بين الأنقاض أمام عدسات الكاميرات. وفي زمن الهواتف الذكية والبث المباشر، لم تعد الحرب تُروى فقط عبر البيانات العسكرية أو الروايات الرسمية، بل عبر سيل هائل من الصور التي انتشرت في كل مكان خلال دقائق.
وفي جامعتي كولومبيا وهارفارد وداخل جامعات ومدن غربية أخرى، بدأت خيام الاعتصامات ترتفع، بينما خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع يهتفون لفلسطين. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأت قطاعات واسعة من الشباب الغربي تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة: ليس فقط ماذا حدث لدولة الكيان الصهيوني، بل ماذا تفعل دولة الكيان الصهيوني بغزة؟
ثم جاءت المحاكم الدولية لتضيف طبقة أخرى إلى هذا التحول. فالقضية لم تعد مجرد حرب ضد تنظيم مسلح، بل بدأت تدخل لغة القانون والمساءلة والاتهامات الدولية. وهنا تحديدًا بدأ التغير الأخطر في معنى الحرب: دولة الكيان الصهيوني التي دخلت الحرب وهي تستند إلى صورة الضحية، بدأت تجد نفسها تدريجيًا في موقع الدولة المُساءَلة.
ولم يكن هذا التحول مجرد أزمة إعلامية عابرة، بل تحولًا في البنية الرمزية التي رافقت الكيان لعقود. فالصورة التي تشكلت بعد 1948، ثم تعززت بعد عقود من الحديث عن “الدولة الصغيرة المحاصَرة”، بدأت تواجه اختبارًا غير مسبوق أمام مشهد عالمي جديد يرى في الحرب شيئًا آخر تمامًا.
ومن هنا بدأت الحرب تُنتج أثرًا مختلفًا عن كل ما سبقها: لم تعد فقط معركة على الأرض، بل معركة على المعنى نفسه؛ معنى الضحية، ومعنى القوة، ومعنى الشرعية داخل عالم يتغير بسرعة هائلة.
- 2. الجامعات الغربية والمحاكم الدولية: بداية عزلة الدولة:
في ربيع عام 2024، بدا المشهد داخل كثير من الجامعات الغربية غريبًا على الوعي السياسي الأمريكي والأوروبي التقليدي. ففي ساحات الجامعات الأمريكية كانت الخيام تنتشر، واللافتات ترتفع، والطلاب يهتفون لفلسطين في مشهد أعاد إلى الأذهان احتجاجات حرب فيتنام أكثر مما يشبه الخطاب الغربي المعتاد حول دولة الكيان الصهيوني.
لم تكن تلك مجرد مظاهرات عابرة ضد حرب بعيدة، بل كانت مؤشرًا على تحول أعمق داخل الوعي الغربي نفسه. فالأجيال الجديدة التي نشأت في عصر الصورة المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد ترى الحرب فقط من زاوية “أمن إسرائيل”، بل من زاوية أخرى تتعلق بالحصار والدمار والضحايا المدنيين. ولهذا لم يعد السؤال المطروح داخل كثير من الجامعات: “كيف تدافع إسرائيل عن نفسها؟”، بل: “إلى أي حد يمكن تبرير ما يحدث في غزة؟”.
وفي الوقت نفسه، كانت المعركة تنتقل إلى ساحة أخرى أكثر حساسية: ساحة القانون الدولي: ففي محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بدأت تُفتح ملفات وتحقيقات غير مسبوقة مرتبطة بالحرب. ومع كل جلسة جديدة، كانت دولة الكيان الصهيوني تجد نفسها أمام لغة مختلفة تمامًا عن لغة الردع العسكري: لغة الاتهام، والمساءلة، والشرعية القانونية.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لم يكن متعلقًا فقط بالحكومات، بل بالبنية الرمزية التي حكمت علاقة الغرب بدولة الكيان الصهيوني لعقود طويلة. فالدولة التي اعتادت أن تتحرك داخل مساحة واسعة من التعاطف السياسي والأخلاقي، بدأت تواجه بيئة جديدة أكثر نقدًا وأقل استعدادًا لمنحها الشرعية القديمة نفسها دون مساءلة.
وفي واشنطن ولندن وباريس بدأت الحكومات الغربية تشعر تدريجيًا بأن المسافة بينها وبين مجتمعاتها تكبر مع استمرار الحرب. فبينما كانت القيادات السياسية تحاول الحفاظ على دعمها التقليدي للكيان، كانت الشوارع والجامعات ووسائل الإعلام تكشف أن الرأي العام يتحرك في اتجاه مختلف.
وهكذا، لم تعد الحرب تُنتج فقط دمارًا داخل غزة، بل بدأت تُنتج شيئًا آخر أكثر تعقيدًا: عزلة متزايدة للكيان داخل المجال الأخلاقي والرمزي العالمي. وربما للمرة الأولى منذ تأسيسها، بدأت دولة الكيان الصهيوني تواجه احتمال أن تتحول الحرب نفسها من مصدر لتعزيز شرعيتها إلى عامل يعيد مساءلة هذه الشرعية أمام العالم.
- 3. لماذا أصبحت صورة إسرائيل تتآكل داخل الغرب نفسه؟:
إذا كانت حرب غزة سنة 2023 قد دشّنت مرحلة العزلة الأخلاقية والقانونية للكيان الصهيوني على المستوى الدولي، فإن أحد أكثر التحولات عمقًا خلال هذه المرحلة لم يقع في الجنوب العالمي أو في الدوائر المناهضة لها تقليديًا، بل داخل الغرب نفسه؛ أي داخل المجال الحضاري الذي وفر للكيان، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أهم مصادر شرعيتها السياسية والأخلاقية والثقافية.
لقد استندت صورة الكيان لعقود طويلة إلى منظومة رمزية متماسكة: دولة صغيرة محاطة بالأعداء، تخوض معركة بقاء داخل منطقة مضطربة، وتمثل في الوقت نفسه امتدادًا للقيم الديمقراطية الغربية. ولم تكن هذه الصورة حاضرة في الخطاب السياسي وحده، بل ترسخت داخل الإعلام والجامعات والسينما والمؤسسات الثقافية، حتى أصبحت جزءًا من البنية الإدراكية التي حكمت فهم الصراع في الوعي الغربي.
غير أن حرب غزة سنة 2023 كشفت عن بداية تصدع هذه البنية. فبينما كانت الحكومات الغربية الكبرى لا تزال تقدم دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا للكيان، بدأت قطاعات متزايدة من الرأي العام تتحرك في اتجاه مختلف. وخلال أشهر قليلة شهدت مئات المدن في أوروبا وأمريكا موجات احتجاج غير مسبوقة، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين المواقف الرسمية وبين المزاج الشعبي العام. ولم تعد القضية الفلسطينية تُناقش بوصفها ملفًا أمنيًا فحسب، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى قضية أخلاقية وقانونية تتعلق بالمسؤولية والشرعية وحقوق الإنسان.
ومع انتقال الاحتجاجات إلى أكثر من ستين جامعة أمريكية خلال سنة 2024، لم يعد الأمر مجرد تعبير عاطفي عابر، بل أصبح مؤشرًا على انتقال التحول إلى النخب الفكرية والثقافية نفسها. فالجامعات الغربية تمثل أحد أهم الفضاءات المنتجة للمعنى داخل المجتمعات الحديثة، وحين تنتقل القضية إليها فإنها تتحول من نقاش سياسي ظرفي إلى سؤال أخلاقي طويل الأمد يتعلق بطبيعة العلاقة بين الغرب والكيان.
وفي الوقت نفسه بدأت المؤسسات القانونية الدولية تضيف بعدًا جديدًا إلى هذا التحول. فإعلان محكمة العدل الدولية سنة 2024 عدم قانونية الاحتلال، ثم صدور مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين صهاينة، نقلا النقاش من حقل الأمن والسياسة إلى حقل القانون الدولي والمساءلة القضائية. وهنا ظهرت أولى علامات العزلة القانونية التي لم تعرفها دولة الكيان الصهيوني بهذا الوضوح من قبل.
ثم بدأت آثار هذا التحول تنعكس على مواقف الدول نفسها. فجنوب إفريقيا قادت المواجهة القانونية الدولية أمام محكمة العدل الدولية، بينما انتقلت إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا إلى مواقف أكثر صراحة في نقد السياسات الصهونية، وتوسعت دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية عبر أكثر من عشر دول جديدة بحلول سنة 2025. وفي أمريكا اللاتينية وصلت بعض الدول، مثل بوليفيا وكولومبيا، إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الكيان الصهيوني، بينما تصاعدت الضغوط الشعبية والسياسية في دول أخرى مثل تشيلي والبرازيل. أما داخل أوروبا الغربية، فقد بدأت دول مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا وكندا تشهد تصاعدًا متدرجًا للضغوط الحقوقية والقانونية، حتى في الحالات التي استمر فيها الدعم الرسمي لدولة الكيان الصهيوني.
ولعل المؤشر الأكثر دلالة يتمثل في التحول الذي أصاب اللغة السياسية نفسها. فبعد أن كان الخطاب الدولي يتمحور لعقود حول مفاهيم الأمن والدفاع والردع، بدأت مفردات جديدة تحتل موقع الصدارة: القانون الدولي، المساءلة، الشرعية، جرائم الحرب، والحقوق الإنسانية. ولم يعد السؤال المطروح هو: كيف تدافع دولة الكيان الصهيوني عن نفسها؟ بل أصبح يتجه تدريجيًا نحو: ما حدود القوة المشروعة؟ وما مسؤولية الدولة عن نتائج أفعالها؟ وهذا التحول في اللغة ليس مجرد تغير لفظي، بل يعكس تحولًا أعمق في البنية الرمزية التي تُدرك من خلالها دولة الكيان الصهيوني داخل العالم.
ومن هنا تبرز المفارقة الاستراتيجية الكبرى. فدولة الكيان الصهيوني لم تُهزم عسكريًا في حرب غزة، ولم تفقد تفوقها العسكري أو التكنولوجي، لكنها بدأت تخسر شيئًا آخر أكثر عمقًا: الصورة التي قامت عليها شرعيتها داخل الغرب. فالدولة التي استخدمت الحروب لعقود لتعزيز الردع وكسب التعاطف وإعادة إنتاج الشرعية، وجدت نفسها أمام حرب تُنتج آثارًا معاكسة تمامًا؛ إذ تحولت من موضوع تعاطف إلى موضوع مساءلة، ومن رمز للحماية إلى رمز للأزمة. حيث تجسد ذلك عمليًا في انتقال النقاش داخل الجامعات الغربية من الدفاع عن دولة الكيان إلى مساءلة سياساتها، وفي انتقال القضية من المجال السياسي إلى المجال القانوني عبر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
وهنا تبدأ العزلة الحقيقية: ليس عندما تفقد الدولة قوتها، بل عندما تبدأ بفقدان المعنى الذي منح تلك القوة شرعيتها.
ولهذا يمكن النظر إلى حرب غزة سنة 2023 بوصفها لحظة انتقال تاريخية: من مرحلة كانت فيها دولة الكيان الصهيوني قادرة على الجمع بين القوة والشرعية، إلى مرحلة بدأت فيها القوة نفسها تُنتج تآكلًا متزايدًا في الشرعية. وقد ظهر ذلك في شكل امتناع معظم دول الناتو عن المشاركة العسكرية، ومعارضة 60% من الأمريكيين لتوسيع الحرب، وتزايد الاعترافات بفلسطين، وتوسع البريكس.
غير أن هذا المسار لم يتوقف عند حدود العزلة الأخلاقية والقانونية. فمع حرب إيران سنة 2026 بدأ التحول ينتقل إلى مستوى جديد أكثر حساسية، لم يعد يتعلق بصورة دولة الكيان الصهيوني وحدها، بل بموقعها داخل النظام الدولي وبحدود قدرة الولايات المتحدة نفسها على الاستمرار في حشد العالم خلفها كما كان يحدث في العقود السابقة.
المحور الثاني: حرب إيران 2026: لحظة الانشقاق في صفوف الحليف:
حين بدأت المواجهة المفتوحة بين الكيان الصهيوني ودولة إيران في العاشر من رمضان الأخير، بدا واضحًا أن المنطقة دخلت نوعًا مختلفًا من الحروب. فهذه المرة، لم تكن دولة الكيان الصهيوني تواجه تنظيمًا مسلحًا على حدودها، ولا جبهة محاصرة يمكن احتواؤها بالقصف والحصار، بل دولة إقليمية كبيرة تمتلك شبكة ممتدة من الحلفاء والنفوذ والقدرات العسكرية، فيما كانت المنطقة كلها تقف على حافة انفجار واسع قد يمتد من إيران وسوريا إلى لبنان والخليج الإسلامي (الفارسي العربي).
لكن المفاجأة الأهم لم تكن في اتساع ساحة الحرب فقط، بل في رد فعل الحلفاء. فبعد عقود طويلة اعتادت فيها دولة الكيان الصهيوني أن تتحرك وهي مطمئنة إلى اصطفاف غربي شبه تلقائي خلفها، بدأت هذه الحرب تكشف شيئًا مختلفًا: ترددًا متزايدًا داخل المعسكر الغربي نفسه. لم يعد الحلفاء يندفعون بسهولة نحو الانخراط العسكري المباشر، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على تعبئة العالم بالطريقة ذاتها التي نجحت بها في حروب سابقة.
وهنا بدأت تظهر مرحلة جديدة في تاريخ الحروب الصهيونية. فإذا كانت حرب غزة قد فتحت باب عزلة الدولة، فإن حرب إيران بدأت تطرح سؤالًا أكثر خطورة: ماذا يحدث حين تبدأ الحروب نفسها في استنزاف الحليف، وإحراجه، ودفعه إلى إعادة حساباته؟ وهكذا لم تعد الحرب تختبر فقط قوة دولة الكيان الصهيوني، بل بدأت تختبر أيضًا حدود التحالف الذي شكّل لعقود أهم مصادر قوتها وشرعيتها داخل النظام الدولي.
- لماذا لم يذهب الناتو إلى الحرب؟ :
في الأسابيع الأولى من المواجهة مع إيران، كانت الأنظار تتجه نحو العواصم الغربية بقدر ما كانت تتجه نحو ساحات القتال نفسها. ففي الحروب الكبرى التي خاضتها الدولة العبرية خلال العقود الماضية، كان المشهد شبه معروف مسبقًا: دعم أمريكي واسع، اصطفاف أوروبي سريع، وتحالف غربي يتحرك باعتبار أمن الكيان جزءًا من أمنه الاستراتيجي. لكن هذه المرة، بدا شيء مختلف يتشكل بهدوء خلف البيانات الدبلوماسية الحذرة.
في بروكسيل، حيث مقر الناتو، لم تظهر مؤشرات على رغبة حقيقية في الانخراط في حرب إقليمية واسعة. وفي برلين وباريس وروما، كانت الحكومات الأوروبية تتحدث أكثر عن “ضبط التصعيد” و”منع توسع الحرب” مما تتحدث عن المشاركة فيها. وحتى أكثر الدول دعمًا لدولة الكيان الصهيوني بدت حريصة على البقاء خارج مواجهة مباشرة مع إيران.
ولم يكن السبب مجرد الخوف من الحرب وحده، بل من طبيعة هذه الحرب تحديدًا. فإيران ليست تنظيمًا مسلحًا يمكن احتواؤه بضربات محدودة، بل دولة تمتلك قدرات صاروخية واسعة، وشبكات نفوذ تمتد عبر عدة جبهات، فضلًا عن قدرتها على تهديد طرق الطاقة والتجارة العالمية. ولهذا كانت العواصم الغربية تدرك أن أي انخراط مباشر قد يفتح حربًا طويلة ومكلفة في لحظة يعيش فيها الغرب أصلًا إنهاكًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايدًا.
وفي الخلفية، كانت حرب غزة لا تزال تلقي بظلها الثقيل على المشهد كله. فالحكومات الغربية التي واجهت خلال الشهور السابقة احتجاجات جامعية وشعبية غير مسبوقة بسبب دعمها لدولة الكيان الصهيوني ، كانت تدرك أن الذهاب إلى حرب جديدة دفاعًا عنها قد يفجر انقسامات داخلية أكثر خطورة. ولهذا بدا التردد الغربي هذه المرة مختلفًا: ليس خلافًا على دعم الكيان سياسيًا، بل شكوكًا متزايدة حول حدود الانخراط العسكري من أجلها.
وهنا ظهرت مفارقة لم تكن مألوفة في تاريخ الصراع. فالدولة التي اعتادت أن تُنتج حروبها اصطفافًا غربيًا واسعًا، بدأت تجد نفسها أمام تحالف يريد دعمها دون أن يغرق معها في الحرب نفسها. ومن هذه اللحظة تحديدًا، بدأ يظهر لأول مرة سؤال لم يكن مطروحًا بهذا الوضوح من قبل: هل ما يزال الغرب مستعدًا لدفع الكلفة الاستراتيجية الكاملة للحروب الصهيونية كما كان يفعل في الماضي؟
- 2. حين فقدت أمريكا تفقد قدرتها على الحشد؟:
إذا كانت حرب غزة سنة 2023 قد كشفت بداية العزلة الأخلاقية والقانونية للكيان داخل الرأي العام العالمي، فإن حرب إيران سنة 2026 كشفت تحولًا أكثر عمقًا يتعلق بالبنية الدولية التي دعمت دولة الكيان الصهيوني طوال العقود الماضية. فالسؤال لم يعد يقتصر على صورة دولة الكيان الصهيوني داخل العالم، بل امتد إلى قدرة الولايات المتحدة نفسها على حشد ذلك العالم خلف سياساتها كما كانت تفعل في السابق.
لقد اعتادت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، أن تتحرك بوصفها القوة القادرة على تحويل نفوذها العسكري والاقتصادي إلى تحالفات واسعة النطاق. ففي حرب الخليج سنة 1991 نجحت في تشكيل أحد أكبر التحالفات الدولية في التاريخ المعاصر خلال فترة زمنية قصيرة، كما تمكنت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من تعبئة حلفائها الغربيين والانخراط معهم في حروب امتدت لسنوات طويلة تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”. وحتى في الأزمات والحروب التي خاضتها دولة الكيان الصهيوني لاحقًا، ظل الموقف الأمريكي يشكل، بدرجات متفاوتة، مرجعية تحدد اتجاه المعسكر الغربي بأكمله.
غير أن الحرب مع إيران أظهرت أن البيئة الدولية لم تعد تستجيب بالكيفية نفسها. فواشنطن لم تعد تتحرك من موقع القائد الذي يفرض الإجماع بسهولة، بل من موقع الدولة التي تضطر إلى إدارة شبكة متزايدة من التحفظات والاعتراضات والترددات. ولم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات الأمريكية يتعلق فقط بكيفية دعم دولة الكيان الصهيوني، بل بحدود ذلك الدعم وكلفته واحتمالات تحوله إلى عبء استراتيجي على الولايات المتحدة نفسها.
وقد ظهرت مؤشرات هذا التحول داخل المجتمع الأمريكي قبل أن تظهر خارجه. فبعد عقود من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، أصبح قطاع واسع من الرأي العام الأمريكي أكثر تحفظًا تجاه الانخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط. ومع تصاعد الدين العام، وتزايد الضغوط الاقتصادية، واتساع الاستقطاب السياسي الداخلي، بدأت فكرة “القيادة العالمية المكلفة” تفقد جزءًا من الجاذبية التي تمتعت بها خلال العقود السابقة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تُظهر استطلاعات الرأي خلال أزمة إيران سنة 2026 معارضة نحو 60% من الأمريكيين لتوسيع نطاق الحرب، وهو مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين منطق القوة التقليدي وبين المزاج المجتمعي الأمريكي المتشكل بعد عقدين من الحروب الطويلة.
وفي الوقت نفسه، كانت البيئة الدولية تشهد تحولات موازية لا تقل أهمية. فالصين وروسيا لم تعودا فاعلين يمكن تجاوزهما بسهولة كما كان الحال في تسعينيات القرن الماضي، بل أصبحتا مركزين رئيسيين لإنتاج التوازنات الدولية الجديدة. كما بدأت دول عديدة، بما في ذلك بعض الحلفاء التقليديين لواشنطن، تبحث عن هامش أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، الأمر الذي جعل عملية الحشد الدولي أكثر تعقيدًا وأقل تلقائية مما كانت عليه سابقًا.
غير أن العامل الأكثر حساسية في هذا التحول كان مرتبطًا بدولة الكيان الصهيوني نفسها. فبعد حرب غزة، لم تعد الولايات المتحدة تتحرك داخل بيئة دولية تمنحها الشرعية الأخلاقية ذاتها للدفاع غير المشروط عن السياسات الصهيونية. فكل محاولة لحشد الدعم كانت تصطدم بآثار الحرب التي ما تزال حاضرة في الوعي العالمي: صور الدمار، والاحتجاجات الجامعية، والانتقادات الحقوقية، والانقسامات المتزايدة داخل المجتمعات الغربية نفسها. وهكذا أصبحت دولة الكيان الصهيوني، للمرة الأولى منذ عقود، جزءًا من مشكلة الحشد الأمريكي بدل أن تكون أحد عناصر سهولته.
ومن هنا تبرز أهمية هذا التحول. فالمسألة لم تعد تتعلق بحجم القوة الأمريكية، إذ لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم، وإنما بقدرتها على تحويل تلك القوة إلى شرعية وتحالفات وإجماع دولي كما كانت تفعل في الماضي. وهذا فرق جوهري؛ لأن النفوذ لا يقاس فقط بما تملكه الدولة من أدوات القوة، بل بقدرتها على إقناع الآخرين بالسير خلفها.
وبذلك يمكن النظر إلى حرب إيران سنة 2026 بوصفها لحظة كشفت بداية انتقال النظام الدولي من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على قيادة التحالفات الدولية شبه تلقائيًا، إلى مرحلة أصبحت فيها مضطرة إلى التفاوض المستمر مع حلفائها وخصومها وحتى مع رأيها العام الداخلي من أجل تحقيق الأهداف نفسها. وإذا كانت حرب غزة قد مثلت بداية عزلة دولة الكيان الصهيوني عن الرأي العام العالمي، فإن حرب إيران كشفت بداية تآكل قدرة الولايات المتحدة على حشد ذلك الرأي العام والمجتمع الدولي خلف دولة الكيان الصهيوني كما كان يحدث في العقود السابقة.
- 3. بداية تحول إسرائيل من كيان وظيفي إلى عبء استراتيجي:
إذا كانت حرب غزة سنة 2023 قد كشفت بداية العزلة الأخلاقية والقانونية لدولة الكيان الصهيوني داخل الرأي العام العالمي، وإذا كانت الحرب مع إيران سنة 2026 قد أظهرت حدود قدرة الولايات المتحدة على حشد المجتمع الدولي خلف سياساتها كما كان يحدث في العقود السابقة، فإن التحول الأعمق ربما بدأ يظهر في مستوى آخر أكثر حساسية: طبيعة الموقع الذي تحتله دولة الكيان الصهيوني نفسها داخل الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
فلسنوات طويلة، لم تُنظر إلى دولة الكيان الصهيوني في واشنطن بوصفها عبئًا على المصالح الأمريكية، بل باعتبارها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فقد مثّلت قاعدة متقدمة للنفوذ الغربي، وشريكًا عسكريًا واستخباراتيًا عالي الكفاءة، وأداة مهمة في إدارة توازنات المنطقة وردع الخصوم. ولهذا لم يكن الدعم الأمريكي لدولة الكيان الصهيوني يُقدَّم فقط بوصفه التزامًا سياسيًا أو أخلاقيًا، بل باعتباره استثمارًا يخدم المصالح الأمريكية نفسها.
غير أن الحروب المتلاحقة بدأت تطرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة سابقًا بالدرجة نفسها. فمع تصاعد التوتر مع إيران خلال سنة 2025، اضطرت الولايات المتحدة إلى رفع مستوى التعبئة العسكرية في منطقة الخليج، في مؤشر على انتقال الصراع من دائرة الاحتواء التقليدي إلى مستوى إقليمي أوسع. ثم جاءت الحرب المفتوحة سنة 2026، التي استمرت قرابة ستة أسابيع، لتدفع الأزمة إلى مستوى دولي غير مسبوق، لم تعد فيه واشنطن تدير مواجهة محدودة، بل أزمة إقليمية ذات انعكاسات عالمية. وهنا بدأ يظهر السؤال الاستراتيجي الجديد: ما حجم الكلفة التي أصبحت دولة الكيان الصهيوني تفرضها على الحليف الأمريكي من أجل الحفاظ على موقعها وتفوقها؟
ولم تقتصر المؤشرات على الجانب العسكري. فخلال الحرب امتنعت أغلبية دول حلف شمال الأطلسي عن الانخراط المباشر في المواجهة، وهو تطور ذو دلالة خاصة؛ لأن التحالفات الغربية التي كانت تتحرك بدرجات عالية من الانسجام في أزمات سابقة، أظهرت هذه المرة مستويات واضحة من التردد والتحفظ. ولم يعد الدعم لدولة الكيان الصهيوني كافيًا بحد ذاته لتعبئة الحلفاء خلف الخيار العسكري، الأمر الذي كشف بداية تراجع الالتزام العملي، حتى مع استمرار الدعم السياسي العام.
وفي الداخل الأمريكي ظهرت مؤشرات أكثر وضوحًا. فقد أظهرت استطلاعات الرأي معارضة نحو 60% من الأمريكيين لتوسيع نطاق الحرب، وهو رقم يعكس تغيرًا مهمًا في المزاج الاستراتيجي للمجتمع الأمريكي بعد عقود من الاستنزاف في العراق وأفغانستان. فالنقاش لم يعد يدور حول كيفية الانتصار في حرب جديدة، بل حول كيفية تجنب الانزلاق إلى حرب جديدة أصلًا. وهنا بدأت تتسع الفجوة بين متطلبات حماية دولة الكيان الصهيوني وبين استعداد المجتمع الأمريكي لتحمل أكلاف تلك الحماية.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد كشفت الحرب عن بعد آخر لا يقل أهمية. فمع ارتفاع أسعار النفط بصورة ملحوظة واتساع الاضطرابات في الأسواق العالمية، لم تعد تكلفة الصراع محصورة في ميدان القتال، بل بدأت تمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة والتجارة الدولية. وكلما اتسعت رقعة التأثير الاقتصادي للحروب المرتبطة بدولة الكيان الصهيوني، ازدادت حساسية القوى الغربية تجاه استمرارها وتكرارها.
لكن التحول الأكثر أهمية لا يتعلق بالحرب ذاتها، بل بما كشفته من تغير في طبيعة العلاقة بين دولة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة. فواشنطن لا تزال تمتلك من القوة ما يكفي لحماية دولة الكيان الصهيوني، لكنها أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في حشد الحلفاء، وإقناع الرأي العام، وتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية المتصاعدة للحروب المرتبطة بها. ومن هنا بدأ يظهر سؤال كان يُعد حتى وقت قريب شبه محرّم داخل كثير من الدوائر الغربية: هل ما تزال دولة الكيان الصهيوني أصلًا استراتيجيًا خالصًا، أم أن تكرار الحروب واتساع نطاقها بدأ يدفع بها تدريجيًا نحو التحول إلى عبء استراتيجي متزايد الكلفة؟
وتكمن خطورة هذا السؤال في أنه لا يتعلق بمستقبل دولة الكيان الصهيوني وحدها، بل بمستقبل العلاقة الخاصة التي ربطتها بالولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فحين تبدأ الدولة في استنزاف الحليف الذي وفر لها الحماية والغطاء لعقود طويلة، فإن الحرب لا تعود مجرد اختبار للقوة العسكرية، بل تتحول إلى اختبار لقدرة التحالف نفسه على الاستمرار.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الحرب مع إيران بوصفها مواجهة إقليمية عابرة، بل باعتبارها لحظة كشفت تغيرًا أعمق داخل بنية التحالف الأمريكي–الصهيوني. فإذا كانت حرب غزة قد بدأت بعزل دولة الكيان الصهيوني عن الرأي العام العالمي، وإذا كانت حرب إيران قد أظهرت حدود القدرة الأمريكية على الحشد الدولي، فإن المرحلة الجديدة بدأت تطرح سؤالًا أكثر حساسية: إلى أي مدى يستطيع الحليف الأمريكي الاستمرار في تحمل الكلفة المتزايدة للمشروع الصهيوني؟
وهنا لا تظهر الأزمة في صورة قطيعة أو تخلي مباشر، بل في صورة تآكل تدريجي لمنطق العلاقة نفسه؛ أي الانتقال من النظر إلى دولة الكيان الصهيوني بوصفها أصلًا استراتيجيًا يحقق المكاسب، إلى النظر إليها بوصفها ملفًا يفرض أكلافًا متزايدة على السياسة الأمريكية. وعندما يبدأ هذا التحول في الترسخ داخل مراكز التفكير وصناعة القرار، فإننا نكون أمام بداية مرحلة جديدة تختلف نوعيًا عن كل ما سبقها.
ومن هنا تتضح الدلالة الأعمق لهذه المرحلة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بنتائج الحرب العسكرية المباشرة، بقدر ما أصبحت مرتبطة بالتحولات التي كشفتها الحرب في بنية التحالفات الدولية نفسها. فامتناع معظم دول الناتو عن الانخراط العسكري المباشر، وارتفاع الكلفة الاقتصادية للصراع على الأسواق العالمية، وتراجع التأييد الشعبي للحروب داخل الولايات المتحدة والغرب، وتصاعد الدعوات الدبلوماسية إلى احتواء التصعيد، كلها مؤشرات تدل على أن البيئة الدولية لم تعد تتفاعل مع الحروب المرتبطة بدولة الكيان الصهيوني بالطريقة التي اعتادت عليها خلال العقود السابقة.
وتكشف هذه المؤشرات عن ثلاث علامات سيميائية ذات دلالة استراتيجية عميقة. أولها أن الحلفاء لم يعودوا مستعدين تلقائيًا لتحويل الدعم السياسي إلى مشاركة عسكرية مباشرة، وثانيها أن المعارضة لم تعد محصورة في دوائر النخب أو الحركات الاحتجاجية، بل بدأت تمتد إلى قطاعات أوسع داخل المجتمعات الغربية نفسها، أما ثالثها ـ وهي الأهم ـ فتتمثل في انتقال الولايات المتحدة تدريجيًا من موقع “قائد الإجماع الدولي” إلى موقع “طرف في نزاع دولي”، وهو تحول يمس جوهر المكانة التي بنت عليها واشنطن نفوذها العالمي منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي هذا السياق لا تبدو العزلة بوصفها غيابًا للحلفاء أو انهيارًا للتحالفات، بل بوصفها بداية التردد داخل تلك التحالفات نفسها. فالولايات المتحدة لم تُهزم عسكريًا، ودولة الكيان الصهيوني لم تُترك وحيدة، لكن القدرة التقليدية على الحشد والإقناع والتعبئة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها التي عرفها العالم في حروب الخليج أو في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.
ولهذا يمكن القول إن التحول الذي كشفت عنه حرب إيران كان تحولًا نوعيًا في طبيعة السؤال المطروح عالميًا. ففي حرب غزة كان الجدل يدور أساسًا حول ما إذا كانت دولة الكيان الصهيوني تستخدم قوة مفرطة في إدارة الصراع. أما في حرب إيران فقد انتقل السؤال إلى مستوى آخر أكثر حساسية: هل أصبحت السياسات الصهيونية نفسها عاملًا من عوامل زعزعة الاستقرار الدولي؟ وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المرحلتين.
فإذا كانت حرب غزة قد دشنت مرحلة العزلة الأخلاقية والقانونية لدولة الكيان الصهيوني، فإن حرب إيران دشنت بداية عزلتها الاستراتيجية؛ أي انتقالها التدريجي في نظر قطاعات متزايدة من المجتمع الدولي من موقع الحليف الذي يُسهم في حفظ التوازنات إلى موقع الفاعل الذي يُنظر إليه بوصفه مصدرًا متزايدًا للاضطراب وعدم الاستقرار. وهذا التحول، بصرف النظر عن مآلاته النهائية، يمثل أحد أهم المؤشرات الجيوسياسية التي أفرزتها المرحلة الراهنة.
المحور الثالث: الحرب القادمة (ما بعد 2026): اختبار حدود تحالف أمريكا/إسرائيل: من التحالف المطلق إلى التحالف المشروط:
إذا كانت حرب غزة سنة 2023 قد أطلقت مسارًا متسارعًا لعزل دولة الكيان الصهيوني عن الرأي العام العالمي، عبر تآكل صورتها الأخلاقية وتراجع قدرتها على التحكم في السردية الدولية للصراع، وإذا كانت حرب إيران سنة 2026 قد وسّعت هذا المسار ليطال موقع دولة الكيان الصهيوني وحلفائها داخل المجتمع الدولي نفسه، فإن السؤال الجيوسياسي الذي يفرض نفسه في المرحلة التالية هو: إلى أي مدى يمكن أن يمتد هذا الاتجاه؟
فالعزلة الدولية لا تتطور دائمًا بالوتيرة نفسها، ولا تتوقف بالضرورة عند حدود الرأي العام أو المؤسسات الدولية، بل قد تنتقل تدريجيًا إلى الدوائر الأكثر حساسية وتأثيرًا في بنية القوة العالمية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة الأمريكية–الصهيونية بوصفها الحلقة المركزية التي قام عليها النظام الداعم لدولة الكيان الصهيوني طوال العقود الماضية. ذلك أن التحول الأهم لا يتمثل في اتساع الانتقادات الدولية لدولة الكيان الصهيوني، بل في احتمال انتقال آثار تلك التحولات إلى طبيعة الدعم الأمريكي نفسه، من حيث حجمه أو شروطه أو حدود التزامه.
غير أن تحليل هذا الاحتمال يقتضي التمييز بين مستويين مختلفين: مستوى الاتجاهات الاستراتيجية التي يمكن رصدها من خلال المؤشرات المتراكمة، ومستوى الأشكال المحتملة التي قد تتجسد من خلالها تلك الاتجاهات على أرض الواقع. فالاتجاهات تمثل المسارات العامة التي تتحرك نحوها الوقائع، أما الأشكال فتمثل الصور التاريخية المتغيرة التي قد تتخذها تلك المسارات. ولذلك سنبدأ أولًا بدراسة اتجاه تقييد الدعم الأمريكي لدولة الكيان الصهيوني ومؤشراته الترجيحية، قبل الانتقال إلى الأشكال المحتملة التي قد يتجسد من خلالها هذا الاتجاه في السنوات القادمة.
1. اتجاه تقييد الدعم الأمريكي لإسرائيل ومؤشراته الترجيحية:
إذا كان من المبكر الجزم بالشكل الذي ستتخذه التحولات المقبلة في العلاقة بين الولايات المتحدة ودولة الكيان الصهيوني، فإن عددًا متزايدًا من المؤشرات الاستراتيجية يوحي بأن هذه العلاقة قد تكون مقبلة على مرحلة مختلفة عن تلك التي حكمتها طوال العقود الماضية. ولا يعني ذلك بالضرورة انتقال الولايات المتحدة إلى موقع الخصومة مع دولة الكيان الصهيوني، وإنما انتقالها تدريجيًا من موقع الدعم غير المقيد إلى موقع الدعم المحكوم باعتبارات الكلفة والمصلحة وإدارة التوازنات الدولية.
وتستند هذه الفرضية إلى جملة من المؤشرات المتراكمة:
- التراجع النسبي لمركزية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية مقارنة بما كان عليه الحال خلال العقود السابقة، مقابل تصاعد أولوية ملفات أخرى مثل الصين والمحيط الهادئ والتنافس التكنولوجي العالمي. فكلما ازداد انشغال الولايات المتحدة بمراكز الثقل الجديدة، ازدادت حساسيتها تجاه الانخراط المفتوح في أزمات إقليمية طويلة ومكلفة.
- التغير التدريجي في البيئة السياسية والثقافية داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث لم تعد دولة الكيان الصهيوني تحظى بالإجماع التقليدي الذي تمتعت به لعقود طويلة، سواء داخل النخب الأكاديمية أو الإعلامية أو حتى داخل بعض الدوائر السياسية الأمريكية. ولا يعني ذلك انقلابًا على دولة الكيان الصهيوني، لكنه يشير إلى بداية تآكل تدريجي في مستوى الإجماع التاريخي حولها.
- التحولات التي أفرزتها حرب غزة 2023، والتي نقلت دولة الكيان الصهيوني من موقع الحليف الذي يصعب مساءلته إلى موقع باتت فيه سياساته محل جدل متزايد داخل قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ثم جاءت حرب إيران 2026 لتوسع دائرة هذا الجدل، بحيث لم يعد النقاش مقتصرًا على السياسات الصهيونية وحدها، بل امتد إلى حدود الانخراط الأمريكي نفسه في حماية تلك السياسات.
- المؤشر الرابع، والأكثر ارتباطًا بالمستقبل، فهو انتقال الساحة السورية تدريجيًا إلى منطقة تماس بين المشروعين الصهيوني والتركي. فتركيا ليست فاعلًا هامشيًا في البيئة الإقليمية، بل دولة ذات ثقل عسكري واقتصادي وسكاني، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك مشروعًا إقليميًا خاصًا بها. ومع تزايد الاحتكاك بين مجالي النفوذ الصهيوني والتركي في سوريا، يصبح احتمال انتقال العلاقة من التنافس غير المباشر إلى مستويات أعلى من الصدام أحد السيناريوهات الجديرة بالمتابعة.
ولا تكمن أهمية هذا السيناريو في الحرب ذاتها، بل في المعضلة التي قد يفرضها على الولايات المتحدة. إذ إن أي مواجهة واسعة بين دولة الكيان الصهيوني وتركيا من شأنها أن تضع واشنطن أمام اختبار غير مسبوق بين التزاماتها تجاه دولة الكيان الصهيوني من جهة، وضرورات الحفاظ على تماسك المنظومة الغربية والأطلسية من جهة أخرى. ومن هنا تبرز فرضية أن تشهد المرحلة المقبلة أشكالًا متزايدة من إعادة ضبط الدعم الأمريكي لدولة الكيان الصهيوني، ليس بالضرورة عبر القطيعة أو التخلي، وإنما عبر محاولات متنامية لتقييد نطاق ذلك الدعم وتحديد سقوفه بما يمنع تحوله إلى عبء استراتيجي على المصالح الأمريكية الأوسع.
وعليه، فإن الاتجاه الذي تشير إليه المؤشرات الحالية ليس بالضرورة اتجاهًا نحو فك التحالف الأمريكي–الصهيوني، بل نحو إعادة تعريف حدوده وشروطه. أما الأشكال التي قد يتجسد من خلالها هذا الاتجاه — سواء عبر أزمات متعلقة بسوريا، أو احتكاكات مع تركيا، أو تحولات داخلية أمريكية، أو ضغوط دولية متزايدة — فتبقى ضمن دائرة الاحتمال التي ينبغي التمييز بينها وبين الاتجاه العام نفسه.
2. من تردد الحلفاء إلى اختبار الخطوط الحمراء: لماذا قد تصبح سوريا ساحة الاحتكاك المقبلة؟
إذا كانت حرب غزة قد كشفت بداية العزلة الأخلاقية والقانونية لدولة الكيان الصهيوني، وإذا كانت الحرب مع إيران قد أظهرت حدود القدرة الأمريكية على حشد الحلفاء والانخراط العسكري بالطريقة التي حكمت العقود الماضية، فإن السؤال الجيوسياسي الذي يفرض نفسه في المرحلة التالية لا يتعلق بدولة الكيان الصهيوني وحدها، بل بكيفية قراءة القوى الإقليمية لهذه التحولات.
ففي العلاقات الدولية لا يقتصر أثر تراجع الدعم أو تردد الحلفاء على الطرف المعني مباشرة، بل يمتد إلى بقية الفاعلين الذين يراقبون المشهد ويعيدون حساباتهم على ضوء التوازنات الجديدة. فالقوة لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من قدرات عسكرية واقتصادية، بل أيضًا بدرجة الثقة التي يمنحها الآخرون لاستعداد حلفائها للدفاع عنها عند الأزمات الكبرى. وكلما ظهرت مؤشرات على ارتفاع كلفة الحماية أو تراجع اليقين داخل التحالفات، ازدادت احتمالات أن تبدأ القوى المنافسة في اختبار حدود الواقع الذي فرضته تلك القوة خلال المراحل السابقة.
ومن هذا المنظور، لا تبدو أهمية التحولات التي أعقبت حرب غزة والحرب مع إيران في أنها أضعفت دولة الكيان الصهيوني عسكريًا بصورة مباشرة، بل في أنها قد تدفع قوى إقليمية صاعدة إلى إعادة تقييم الخطوط الحمراء التي استطاعت دولة الكيان الصهيوني تثبيتها طوال العقود الماضية. فخلال سنوات طويلة اعتمدت دولة الكيان الصهيوني على معادلة تجمع بين تفوقها العسكري وبين المظلة السياسية والاستراتيجية الغربية التي وفرت لها هامشًا واسعًا من حرية الحركة داخل الإقليم. أما اليوم، فإن تزايد الانتقادات الدولية، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على الحشد، وارتفاع كلفة الانخراط في أزمات الشرق الأوسط، كلها عوامل بدأت تطرح أسئلة جديدة حول مدى صلابة تلك المعادلة وقدرتها على الاستمرار بالشكل نفسه.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تحديدًا لا تبدأ التحولات الكبرى عادة بانهيار مفاجئ لموازين القوى، بل بسلسلة من الاختبارات التدريجية. فالقوى الصاعدة لا تتحرك غالبًا انطلاقًا من يقين بانتصارها، بل انطلاقًا من شك متزايد في قدرة الطرف المقابل على فرض قواعد اللعبة القديمة. ولهذا فإن التحول الأهم لا يكمن في تراجع القوة ذاتها، بل في تراجع اليقين المحيط بها.
ومن هنا يمكن فهم كيف قد يؤدي تقييد الدعم الأمريكي التدريجي، وتزايد التباينات داخل البيئة الغربية، إلى خلق فراغ استراتيجي نسبي في بعض ساحات الإقليم. والمقصود بالفراغ هنا ليس غياب القوة الأمريكية أو انهيار التحالفات القائمة، وإنما تراجع القدرة على استخدامها بالمرونة والحسم نفسيهما اللذين طبعا العقود السابقة. وعندما تظهر مثل هذه الفراغات تبدأ القوى الإقليمية الكبرى في البحث عن فرص لإعادة رسم حدود النفوذ واختبار الوقائع التي كانت تبدو مستقرة في السابق.
وتبرز سوريا بوصفها الساحة الأكثر قابلية لاحتضان هذا النوع من الاختبارات. فهي تمثل اليوم نقطة التقاء بين مشاريع إقليمية متعددة، كما أنها المجال الذي تتداخل فيه المصالح الأمنية والعسكرية الصهيونية والتركية بصورة مباشرة. فدولة الكيان الصهيوني تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءًا من عمقها الأمني الاستراتيجي، بينما تنظر إليها تركيا باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي ومجالها الحيوي. ومع تزايد التداخل بين هذين المسارين، يصبح احتمال الاحتكاك أكثر ارتباطًا بمنطق الجغرافيا والمصالح منه بالرغبة المسبقة في الحرب.
ومن هنا فإن السؤال الذي قد يحكم المرحلة المقبلة ليس: هل ستقع مواجهة صهيونية–تركية؟ بل: إلى أي مدى تستطيع دولة الكيان الصهيوني الحفاظ على الخطوط الحمراء التي فرضتها خلال العقود الماضية إذا بدأت القوى الإقليمية في اختبارها داخل بيئة دولية أقل يقينًا، وأقل استعدادًا للانخراط المباشر في الدفاع عنها؟
هذا ما يجعل الساحة السورية مرشحة لأن تتحول من مجرد مسرح للصراعات الإقليمية إلى ساحة اختبار فعلية لمستقبل التوازنات التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بحدود النفوذ داخل سوريا، بل بحدود القدرة على فرض تلك الحدود أصلًا، وبمدى استعداد الحلفاء للاستمرار في الدفاع عنها عندما تصبح كلفتها أعلى من ذي قبل.
– المسرح السوري: ساحة الاختبار:
إذا كانت التحولات التي أعقبت حرب غزة ثم الحرب مع إيران قد فتحت الباب أمام إعادة تقييم حدود القوة الصهيونية وحدود الدعم الغربي لها، فإن سوريا تبدو اليوم الساحة الأكثر قابلية لتجسد هذه التحولات على أرض الواقع. فالمسألة لا تتعلق فقط بكونها ساحة صراع مفتوحة منذ سنوات، بل بكونها نقطة التقاء بين معظم التناقضات الجيوسياسية التي تشكل الشرق الأوسط الجديد.
ففي الجغرافيا السورية تتداخل المصالح الصهيونية والتركية والإيرانية والروسية والعربية والدولية بصورة يصعب العثور على نظير لها في أي ساحة إقليمية أخرى. كما أن سوريا تمثل، بالنسبة لدولة الكيان الصهيوني، المجال الأمني الأكثر حساسية بعد فلسطين نفسها، بحكم قربها من الجولان المحتل وموقعها داخل معادلة التوازنات الإقليمية. وفي المقابل تنظر تركيا إلى سوريا باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي ومجالًا حيويًا لا يمكن تركه خارج حساباتها الاستراتيجية.
ولهذا فإن أهمية الساحة السورية لا تكمن في احتمالية اندلاع حرب جديدة فيها فحسب، بل في كونها المجال الذي قد تُختبر فيه لأول مرة حدود الترتيبات التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية. فخلال سنوات طويلة كانت دولة الكيان الصهيوني قادرة على فرض خطوط حمراء واضحة داخل سوريا، سواء فيما يتعلق بالوجود العسكري المعادي لها أو بحرية الحركة الجوية أو بمنع تشكل توازنات إقليمية تهدد تفوقها الأمني. غير أن التحولات الأخيرة بدأت تطرح تساؤلات حول مدى قدرة دولة الكيان الصهيوني على المحافظة على هذه المعادلات بالسهولة نفسها التي عرفتها سابقًا.
ويزداد هذا الاحتمال كلما اتسعت الفجوة بين حجم الطموحات الإقليمية للقوى الصاعدة وبين قدرة الولايات المتحدة على فرض الضبط الاستراتيجي الذي ميز مرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة. فمع انتقال واشنطن تدريجيًا إلى سياسة أكثر انتقائية في إدارة الأزمات الدولية، ومع تزايد حساسية الرأي العام الأمريكي تجاه الانخراط في حروب الشرق الأوسط، تصبح الساحات الحدودية والرمادية أكثر قابلية للتحول إلى ميادين اختبار وإعادة تموضع.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى سوريا بوصفها مجرد ساحة مواجهة محتملة بين أطراف متنافسة، بل باعتبارها مختبرًا جيوسياسيًا ستُقاس فيه خلال السنوات المقبلة درجة صلابة التحالفات القديمة، وحدود النفوذ الصهيوني، ومستوى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن ترتيبات إقليمية أصبحت كلفتها أعلى من أي وقت مضى.
ولهذا فإن السؤال المركزي الذي تطرحه الساحة السورية لا يتعلق بمن يسيطر على منطقة أو مدينة أو محور ميداني معين، بل بمن يمتلك القدرة على تثبيت قواعد اللعبة الإقليمية نفسها. فكل اختبار ناجح للخطوط الحمراء الصهيونية داخل سوريا لا يغير فقط ميزان القوى المحلي، بل يرسل إشارات أوسع إلى بقية الفاعلين الإقليميين حول طبيعة المرحلة الجديدة وحدود القوة التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
– تركيا: القوة الإقليمية الأكثر ترجيحًا للاختبار:
إذا كانت سوريا تمثل الساحة الأكثر قابلية لاختبار التحولات التي بدأت تصيب التوازنات الإقليمية والدولية، فإن تركيا تبدو، من بين مختلف القوى الإقليمية، الطرف الأكثر ترجيحًا للعب دور الفاعل الذي قد يدفع هذا الاختبار إلى مستويات جديدة. ولا يعود ذلك إلى وجود قرار معلن بالمواجهة أو إلى حتمية الصدام، بل إلى طبيعة التحولات التي تدفع مساري النفوذ التركي والصهيوني إلى الاقتراب المتزايد من بعضهما داخل المجال السوري.
فخلال العقود الماضية كانت دولة الكيان الصهيوني تتمتع بوضع استثنائي داخل البيئة الإقليمية. فمعظم الدول العربية كانت إما منشغلة بأزماتها الداخلية أو مقيدة بتوازنات دولية وإقليمية تحد من قدرتها على تحدي التفوق الصهيوني بصورة مباشرة. أما تركيا، فقد كانت لفترة طويلة تتحرك ضمن أولويات مختلفة، جعلت التنافس مع دولة الكيان الصهيوني يحتل موقعًا ثانويًا داخل حساباتها الاستراتيجية.
غير أن البيئة الإقليمية شهدت خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة. فقد توسع الحضور التركي سياسيًا وعسكريًا في عدد من الملفات الإقليمية، من القوقاز إلى ليبيا، ومن شرق المتوسط إلى سوريا. وفي الوقت نفسه اتسعت مساحة التداخل بين المصالح التركية والصهيونية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بسوريا والقدس وشرق المتوسط وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحروب الكبرى.
وتزداد أهمية هذا التداخل إذا أُخذت في الاعتبار التحولات التي شهدها موقع دولة الكيان الصهيوني داخل البيئة الدولية منذ حرب غزة ثم الحرب مع إيران. فالقضية لم تعد مقتصرة على حجم القوة الصهيونية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمدى استعداد الحلفاء الغربيين لتحمل أكلاف الدفاع عن هذه القوة في كل الظروف. وكلما ازداد التردد داخل التحالفات الغربية، وكلما ارتفعت كلفة الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، ازدادت احتمالات أن ترى القوى الإقليمية في ذلك فرصة لاختبار حدود الواقع القائم.
ومن هذا المنطلق لا تبدو تركيا مجرد خصم محتمل لدولة الكيان الصهيوني، بل تمثل نموذجًا لقوة إقليمية صاعدة تمتلك من القدرات العسكرية والاقتصادية والديموغرافية والسياسية ما يسمح لها بإعادة طرح أسئلة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في العقود السابقة. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، وتحظى بعمق جغرافي وبشري كبير، كما أنها تنظر إلى نفسها بوصفها فاعلًا مستقلًا لا مجرد جزء من الترتيبات الغربية التقليدية.
ولهذا فإن أهمية العامل التركي لا تكمن في احتمال وقوع مواجهة عسكرية مباشرة فحسب، بل في كونه يعكس تحولًا أوسع داخل المنطقة. فحين تبدأ قوة إقليمية بهذا الحجم في اختبار بعض الخطوط الحمراء التي رسختها دولة الكيان الصهيوني لعقود طويلة، فإن القضية لا تتعلق بطرفين فقط، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل من حولهما.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين اتجاه الأحداث وأشكالها. فالاتجاه الذي تشير إليه المؤشرات الحالية يتمثل في تزايد احتمالات الاحتكاك والتنافس بين المجالين التركي والصهيوني داخل الساحة السورية ومحيطها الإقليمي. أما الشكل الذي قد يتخذه هذا الاحتكاك فيبقى مفتوحًا على احتمالات متعددة: أزمات سياسية، صراعات نفوذ، مواجهات غير مباشرة، أو حتى احتكاكات عسكرية محدودة عبر أطراف وسيطة. ولذلك فإن الحديث هنا لا يتعلق بالتنبؤ بحرب حتمية، بقدر ما يتعلق برصد مسار استراتيجي يجعل تركيا المرشح الأكثر ترجيحًا لاختبار حدود القوة الصهيونية في مرحلة تتسم بتراجع اليقين الدولي الذي أحاط بها لعقود طويلة.
ومن هنا يمكن النظر إلى تركيا لا بوصفها سببًا للتحول الجاري، بل بوصفها أحد أبرز المؤشرات عليه. فكلما اتسعت الفجوة بين القوة الصهيونية وبين استعداد الحلفاء لتحمل كلفة حمايتها، ازدادت احتمالات أن تتحول القوى الإقليمية الصاعدة إلى مختبرات عملية لاختبار تلك الفجوة، وفي مقدمتها تركيا بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها الاستراتيجية وطبيعة الملفات التي تتقاطع فيها مع دولة الكيان الصهيوني.
– الاختبار من الداخل:
إذا كانت الساحة السورية تمثل المجال الأكثر ترجيحًا لاختبار التوازنات الإقليمية الجديدة، وإذا كانت تركيا تمثل القوة الإقليمية الأكثر قابلية للقيام بهذا الاختبار، فإن التحول الأعمق قد لا يأتي من الخارج أصلًا، بل من داخل دولة الكيان الصهيوني نفسها.
فالتاريخ الاستراتيجي للدول والقوى الكبرى يكشف أن التحديات الخارجية لا تصبح خطيرة إلا عندما تلتقي مع توترات داخلية متراكمة. فالقوة التي تبدو متماسكة من الخارج قد تحمل في داخلها عوامل إنهاك يصعب ملاحظتها في مراحل الصعود، لكنها تبدأ في الظهور كلما ارتفعت كلفة المحافظة على التفوق واستمر الضغط لفترات طويلة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فهم التحولات التي شهدتها دولة الكيان الصهيوني خلال السنوات الأخيرة باعتبارها مجرد نتيجة للحروب أو الضغوط الخارجية، بل بوصفها جزءًا من نقاش داخلي متصاعد حول طبيعة الدولة نفسها ومستقبل مشروعها السياسي والاجتماعي. فقد كشفت الأزمات المتتالية عن اتساع الانقسامات بين التيارات الدينية والعلمانية، وبين اليمين واليسار، وبين دعاة التوسع وأنصار إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، كما أعادت طرح أسئلة تتعلق بهوية الدولة وحدود مشروعها ومستقبل علاقتها بالمحيط الإقليمي والعالم.
وقد ازدادت أهمية هذه التوترات مع استمرار الحروب وتعدد الجبهات. فالحروب القصيرة والحاسمة كانت تاريخيًا أحد مصادر التماسك الداخلي في دولة الكيان الصهيوني، أما الحروب الطويلة والمفتوحة فتنتج غالبًا آثارًا معاكسة، لأنها ترفع كلفة الأمن، وتزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتفتح المجال أمام مساءلة القرارات السياسية والعسكرية بصورة أوسع من السابق.
وتبرز في هذا السياق مؤشرات لا ينبغي تجاهلها، من بينها تصاعد النقاشات حول مستقبل الاستقرار الداخلي، وازدياد المخاوف المرتبطة بالهجرة العكسية، وتراجع مستويات الثقة بين بعض مكونات المجتمع والدولة، فضلًا عن التوترات المتكررة بين المؤسستين السياسية والأمنية حول إدارة الأزمات الكبرى. وقد لا تبدو هذه الظواهر حاسمة بمفردها، لكنها تكتسب دلالة مختلفة حين تُقرأ بوصفها أجزاء من مسار واحد يتشكل تحت ضغط التحولات المتراكمة.
ومن هنا فإن الاختبار الداخلي لا يتعلق فقط بقدرة دولة الكيان الصهيوني على مواجهة خصومها، بل بقدرتها على المحافظة على مستوى التماسك الضروري للاستمرار في إدارة تلك المواجهات. فالدول لا تُقاس قوتها بحجم ترساناتها العسكرية وحدها، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على الثقة المشتركة بين مكوناتها المختلفة، وعلى تحويل الضغوط الخارجية إلى عوامل تماسك بدل أن تتحول إلى مصادر استقطاب وانقسام.
ولهذا قد يكون السؤال الأهم في السنوات القادمة ليس: كيف ستتعامل دولة الكيان الصهيوني مع التحديات القادمة من خارج حدودها؟ بل: إلى أي مدى تستطيع المحافظة على التوازن الداخلي الذي مكّنها لعقود من تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي ومجتمعي؟
فإذا كانت سوريا تمثل ساحة الاختبار الخارجي، وإذا كانت تركيا تمثل أحد الفاعلين الأكثر ترجيحًا لخوض ذلك الاختبار، فإن الداخل الصهيوني نفسه قد يتحول إلى الساحة التي تتحدد فيها، في النهاية، قدرة الدولة على الاستمرار في إدارة هذه الضغوط مجتمعة. فالتاريخ كثيرًا ما يُظهر أن التحولات الكبرى تبدأ عندما تلتقي التحديات الخارجية المتصاعدة مع التوترات الداخلية المتراكمة، وعند تلك النقطة يصبح الاختبار الحقيقي متعلقًا بقدرة البنية نفسها على الاستمرار أكثر من تعلقه بطبيعة التهديدات المحيطة بها.
– الاختبار من الخارج:
إذا كانت الساحة السورية تمثل مجال الاختبار الإقليمي، وإذا كانت تركيا تمثل أحد أبرز الفاعلين المحتملين في هذا الاختبار، وإذا كانت التوترات الداخلية تمثل اختبارًا لقدرة المجتمع الصهيوني على المحافظة على تماسكه، فإن هناك مستوى آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق، يتمثل في البيئة الدولية المحيطة بدولة الكيان الصهيوني نفسها.
فالدول لا تعيش داخل حدودها فقط، بل داخل شبكة واسعة من التصورات والتحالفات والشرعيات التي تمنح القوة معناها السياسي. ولهذا فإن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع وحده أن يضمن الاستقرار طويل الأمد إذا بدأ الرصيد السياسي والأخلاقي والدبلوماسي الذي يحيط به في التآكل التدريجي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحولات التي شهدها الموقف الدولي منذ حرب غزة ثم الحرب مع إيران. فالقضية لم تعد مقتصرة على انتقادات ظرفية مرتبطة بحرب معينة، بل بدأت تأخذ شكل مراجعة أوسع لموقع دولة الكيان الصهيوني داخل النظام الدولي ولطبيعة العلاقة التي تربطها بعدد متزايد من الدول والمجتمعات والمؤسسات الدولية.
وقد ظهر ذلك في اتساع الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، وفي تصاعد الضغوط القانونية والحقوقية، وفي تنامي استقلالية بعض القوى الدولية عن المواقف الغربية التقليدية، فضلًا عن انتقال النقاش العالمي من التركيز على أمن دولة الكيان الصهيوني إلى التركيز على آثار سياساتها على الاستقرار الإقليمي والدولي. وهي تحولات لا تعني بالضرورة انقلابًا دوليًا شاملًا على دولة الكيان الصهيوني، لكنها تشير إلى تغير تدريجي في البيئة التي تحركت داخلها لعقود طويلة.
وتزداد أهمية هذه التحولات مع التغيرات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي نفسه. فالعالم يتجه بصورة متزايدة نحو تعددية أكبر في مراكز القوة والقرار، ومع صعود قوى اقتصادية وسياسية جديدة، لم يعد بالإمكان افتراض استمرار أنماط الاصطفاف الدولي القديمة بالدرجة نفسها التي عرفها العالم بعد نهاية الحرب الباردة. وكلما اتسعت هذه التعددية، ازدادت قدرة الدول المختلفة على اتخاذ مواقف أكثر استقلالية تجاه القضايا الدولية الحساسة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومن هنا فإن الاختبار الخارجي لا يتمثل فقط في عدد الدول التي تؤيد دولة الكيان الصهيوني أو تعارضها، بل في طبيعة البيئة الدولية التي ستتحرك داخلها خلال السنوات القادمة. فالدولة التي كانت تستفيد لعقود من منظومة دولية تميل بصورة واضحة إلى صالحها، قد تجد نفسها تدريجيًا أمام منظومة أكثر تنوعًا وأقل استعدادًا لمنحها الامتيازات السياسية والدبلوماسية ذاتها دون مساءلة أو كلفة.
ولهذا فإن السؤال المطروح لم يعد: هل ما تزال دولة الكيان الصهيوني تمتلك حلفاء أقوياء؟ فالإجابة عن هذا السؤال ما تزال إيجابية إلى حد كبير. وإنما أصبح السؤال: هل البيئة الدولية التي منحت تلك التحالفات فاعليتها التاريخية ما تزال قائمة بالدرجة نفسها؟ فالفارق بين السؤالين كبير؛ لأن التحالفات قد تستمر سنوات طويلة، بينما تكون البيئة التي منحتها معناها وقوتها قد بدأت بالفعل في التغير.
ومن هنا يمكن النظر إلى الاختبار الخارجي بوصفه الحلقة الأخيرة في سلسلة الاختبارات التي تواجهها دولة الكيان الصهيوني في المرحلة المقبلة. فبين اختبار الخطوط الحمراء في الإقليم، واختبار التماسك في الداخل، واختبار الشرعية في الخارج، تتشكل بيئة استراتيجية جديدة تختلف تدريجيًا عن البيئة التي حكمت العقود السابقة. وقد لا تؤدي هذه التحولات إلى نتائج فورية أو حاسمة، لكنها تشير إلى أن التحدي الذي يواجه دولة الكيان الصهيوني لم يعد يتعلق فقط بإدارة الصراعات القائمة، بل بالتكيف مع عالم تتغير فيه قواعد القوة والشرعية والتحالف بصورة متسارعة.
3. من العزلة الظرفية إلى العزلة البنيوية:
تكشف قراءة التحولات السابقة مجتمعة أن المسألة لم تعد مرتبطة بحرب بعينها، ولا بأزمة دبلوماسية عابرة، ولا حتى بتراجع مؤقت في شعبية دولة الكيان الصهيوني داخل بعض المجتمعات الغربية. فمثل هذه الظواهر عرفتها دول كثيرة عبر التاريخ، ثم استعادت مواقعها بعد انتهاء الأزمات. أما السؤال المطروح اليوم فيتعلق بطبيعة التحول نفسه: هل نحن أمام عزلة ظرفية مرتبطة بأحداث محددة، أم أمام بداية تحول أعمق يمس البيئة التي منحت دولة الكيان الصهيوني مكانتها الاستراتيجية طوال العقود الماضية؟
إن العزلة الظرفية تنشأ عادة نتيجة حدث استثنائي أو أزمة مؤقتة، فتؤدي إلى تراجع في الشعبية أو إلى توتر في العلاقات الدولية، ثم تبدأ آثارها في الانحسار مع تغير الظروف. أما العزلة البنيوية فتختلف عن ذلك جذريًا؛ لأنها لا تنبع من حدث واحد، بل من تراكم تحولات متعددة تبدأ تدريجيًا في إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تتحرك الدولة داخلها.
ومن هذه الزاوية، تبدو المؤشرات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة ذات دلالة خاصة. فالتوسع المتزايد في استخدام العملات المحلية خارج المنظومة الدولارية، وتنامي دور مجموعة البريكس، وصعود قوى دولية وإقليمية أكثر استقلالية عن المواقف الغربية التقليدية، كلها مؤشرات على أن النظام الدولي نفسه يدخل مرحلة إعادة تشكل بطيئة ولكن عميقة. وقد لا تكون هذه التحولات موجهة ضد دولة الكيان الصهيوني بصورة مباشرة، لكنها تؤثر في البيئة التي استفادت منها دولة الكيان الصهيوني لعقود طويلة.
وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر مؤشرات داخلية لا تقل أهمية. فارتفاع معدلات الهجرة من دولة الكيان الصهيوني، وتنامي المخاوف المرتبطة بالاستقرار طويل الأمد، واستمرار الحروب على أكثر من جبهة، كلها عوامل ترفع منسوب الإرهاق الاستراتيجي وتدفع قطاعات من المجتمع إلى إعادة طرح أسئلة تتعلق بالمستقبل والهوية والأمن. ومثل هذه المؤشرات لا تؤدي وحدها إلى تحولات حاسمة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتزامن مع تحولات أوسع في البيئة الدولية المحيطة.
وتزداد أهمية هذا المسار إذا أُخذت في الاعتبار الاتجاهات المتوقعة خلال السنوات القادمة. فاحتمال تراجع الانخراط العسكري الأمريكي المباشر مقابل الاكتفاء بأشكال أكثر محدودية من الدعم، واتساع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، واستمرار التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، كلها عوامل تشير إلى أن التحدي الذي تواجهه دولة الكيان الصهيوني قد لا يكون مرتبطًا بخصم بعينه، بل بطبيعة البيئة الجديدة التي تتشكل من حولها.
ومن هنا فإن التحول الأبرز لا يتمثل في تراجع القوة العسكرية الصهيونية، ولا في اختفاء التحالف الأمريكي، بل في احتمال تراجع ملاءمة البيئة الدولية التي سمحت لهذه القوة ولتلك التحالفات بأن تعمل بالفاعلية نفسها طوال العقود الماضية. فالقوة لا تعمل في الفراغ، والتحالفات لا تستمد قيمتها من وجودها النظري فقط، بل من البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تمنحها معناها وفاعليتها.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المسار ليس: هل ستواجه دولة الكيان الصهيوني أزمة جديدة؟ فالأزمات جزء طبيعي من تاريخ الدول. وإنما السؤال هو: هل بدأت بعض الشروط البنيوية التي قامت عليها المكانة الصهيونية منذ منتصف القرن العشرين تدخل مرحلة إعادة تعريف تدريجية؟
ولا تسمح المؤشرات الحالية بإصدار أحكام نهائية أو قطعية في هذا الشأن. غير أن ما يمكن قوله هو أن التحولات المتراكمة منذ حرب غزة، مرورًا بالحرب مع إيران، وصولًا إلى التغيرات التي يشهدها النظام الدولي، لا تبدو مجرد أحداث منفصلة، بل أجزاء من مسار أوسع قد يقود، إذا استمر بالاتجاه نفسه، إلى انتقال دولة الكيان الصهيوني من مواجهة أزمات ظرفية متعاقبة إلى مواجهة تحدٍ أكثر عمقًا يتعلق بقدرتها على التكيف مع بيئة دولية تختلف بصورة متزايدة عن البيئة التي نشأت وتوسعت داخلها.
وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح معنى العزلة مختلفًا. فهي لا تعود مجرد انخفاض في مستوى التأييد أو توتر في العلاقات، بل تتحول إلى ظاهرة بنيوية تتعلق بتغير موقع الدولة داخل شبكة القوة والتحالف والشرعية التي تحكم النظام الدولي نفسه. وهنا لا يكون التحدي متعلقًا بكيفية تجاوز أزمة معينة، بل بكيفية التكيف مع عالم جديد بدأت قواعده تختلف تدريجيًا عن قواعد العالم الذي تشكلت فيه معادلات العقود السابقة.
الخاتمة:
تكشف القراءة المتأنية لمسار الحروب الصهيونية منذ تأسيس الدولة سنة 1948 أن القضية لم تكن تتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل بالوظيفة السياسية والاستراتيجية التي أدتها تلك القوة داخل النظام الدولي. فالحروب الأولى ساهمت في تثبيت الوجود، وحروب لاحقة رسخت الردع، ثم تحولت القوة العسكرية إلى أحد أهم مصادر الشرعية السياسية والتحالفات الدولية التي تمتعت بها دولة الكيان الصهيوني طوال عقود.
غير أن التحولات التي أفرزتها حرب غزة سنة 2023 ثم الحرب مع إيران سنة 2026 تشير إلى أن العلاقة التقليدية بين الحرب والقوة بدأت تعرف تغيرًا تدريجيًا. فالحروب التي كانت تُستخدم لترسيخ الصورة الدولية لدولة الكيان الصهيوني أصبحت تُنتج أسئلة متزايدة حول تلك الصورة. والتحالفات التي كانت تتحرك بدرجة عالية من اليقين بدأت تُظهر مستويات متزايدة من التردد والحسابات المعقدة. أما البيئة الدولية التي منحت دولة الكيان الصهيوني، لعقود طويلة، هامشًا واسعًا من الحركة والمبادرة، فقد بدأت هي الأخرى تشهد تحولات بنيوية تتجاوز القضية الصهيونية نفسها لتطال بنية النظام الدولي برمته.
ومن هنا لا تبدو أهمية المرحلة الراهنة في نتائج معركة بعينها أو حرب محددة، بل في كونها تكشف انتقالًا أعمق من منطق إلى آخر. فبدل أن تكون الحرب أداة لإنتاج مزيد من الشرعية والتحالفات، بدأت تتحول تدريجيًا إلى عامل يرفع كلفة المحافظة عليهما. وبدل أن يكون السؤال محصورًا في ميزان القوة العسكري، أصبح يمتد إلى ميزان الشرعية والصورة والتحالفات والقدرة على الحشد داخل عالم يتجه نحو مزيد من التعددية والتعقيد.
ولهذا فإن التحول الأبرز الذي ترصده هذه الدراسة لا يتمثل في تراجع القوة الصهيونية بقدر ما يتمثل في تغير البيئة التي تعمل داخلها تلك القوة. فالدول لا تستمد مكانتها من قدراتها الذاتية فقط، بل من توافق تلك القدرات مع البيئة الدولية المحيطة بها. وعندما تبدأ هذه البيئة في التغير، تبدأ معها قيمة القوة نفسها في إعادة التشكل.
وفي ضوء ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمن سينتصر في الحرب القادمة، ولا بشكل المواجهة المقبلة، بل بطبيعة العالم الذي ستجري فيه تلك المواجهة. فكلما اتجه النظام الدولي نحو مزيد من التعددية، وكلما ازدادت كلفة الحروب المفتوحة، وكلما تراجعت قدرة القوى الكبرى على فرض الإجماع الدولي كما كان الحال في العقود السابقة، ازدادت أهمية الأسئلة المتعلقة بالشرعية والتحالفات والاستدامة الاستراتيجية.
ومن هنا يمكن النظر إلى الحروب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة بوصفها أكثر من مجرد مواجهات عسكرية؛ إنها مؤشرات على مرحلة انتقالية أوسع يعاد فيها تشكيل كثير من المسلمات التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. وقد لا تكون نتائج هذه المرحلة محسومة بعد، لكن المؤكد أن البيئة التي تتحرك فيها دولة الكيان الصهيوني اليوم لم تعد هي البيئة نفسها التي صنعت تفوقها وأدارت تمددها خلال العقود الماضية.
وهكذا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه دولة الكيان الصهيوني في المرحلة المقبلة قد لا يكون تحديًا عسكريًا بالدرجة الأولى، بل تحديًا يتعلق بقدرتها على التكيف مع عالم تتغير فيه مصادر القوة، وتتبدل فيه أنماط التحالف، وتزداد فيه كلفة الحروب أكثر مما تزداد عوائدها. وعند هذه النقطة تحديدًا لا يعود السؤال: كيف تُخاض الحرب؟ بل: كيف يمكن الحفاظ على المكانة والشرعية والتحالفات في عالم لم تعد الحرب وحدها كافية لضمانها؟
- ملاحق الجداول:
الجدول رقم 1:
| مؤشرات التحول في البيئة الاستراتيجية الدولية (2026–2027) | |||
| السنة | الحدث الرئيسي | المؤشر الرقمي | الدلالة الاستراتيجية |
| 2026 | تراجع الاعتماد على الدولار | توسع استخدام العملات المحلية في التجارة | بداية التحول في النظام المالي |
| 2026 | توسع مجموعة البريكس | زيادة عدد الدول المنضمة | إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي |
| 2026 | زيادة الهجرة من دولة الكيان الصهيوني | ارتفاع طلبات الهجرة | تراجع الثقة الداخلية |
| 2026 | استمرار الحروب المتكررة | تعدد الجبهات العسكرية | إرهاق استراتيجي |
| 2027 (متوقع) | حرب جديدة محتملة | مشاركة أمريكية محدودة | بداية إعادة التموضع العسكري |
الجدول رقم 2:
| الاتجاهات الاستراتيجية المرجحة في البيئة الدولية والإقليمية (2026–2030) | ||||
| السنة | الحدث/المؤشر | البيانات الرقمية التقريبية | نقطة التحول | درجة الاحتمال |
| 2026 | توسع استخدام العملات غير الدولار | اتفاقيات تجارة بعملات محلية | بداية التحول المالي | متوسط |
| 2027 | زيادة الهجرة من دولة الكيان الصهيوني | ارتفاع طلبات الهجرة | تراجع الثقة الداخلية | متوسط |
| 2027 | استمرار الحروب المتكررة | تعدد الجبهات | إرهاق استراتيجي | مرتفع |
| 2028 | تراجع المشاركة العسكرية الأمريكية | دعم سياسي دون تدخل مباشر | بداية إعادة التموضع | متوسط |
| 2029 | توسع الاعتراف الدولي بفلسطين | اعتراف دول جديدة | تحول دبلوماسي عالمي | مرتفع |
| 2030 | إعادة تعريف موقع دولة الكيان الصهيوني | مراجعة التحالفات | تثبيت العزلة البنيوية | محتمل |
الجدول رقم 3:
| التطور التاريخي لموقع إسرائيل الدولي من خلال حروبها الكبرى (1948–2030) | ||||||||
| الحرب / المرحلة | طبيعة الحرب | مستوى الشرعية الدولية | صورة دولة الكيان الصهيوني في الغرب | مستوى الردع | وضع الحليف الأمريكي | وضع التحالف الغربي | مستوى العزلة | الدلالة السيميائية المركزية |
| 1948 – حرب التأسيس | حرب وجود وبناء دولة | مرتفع نسبيًا | دولة صغيرة تبحث عن البقاء | مرتفع | دعم سياسي متصاعد | تعاطف غربي واسع | شبه منعدم | ولادة الشرعية بالقوة |
| 1956 – العدوان الثلاثي | حرب نفوذ إقليمي | متوسط | حليف غربي ضد القومية العربية | مرتفع | دعم غربي مباشر | تحالف ثلاثي | محدود | توسيع الشرعية عبر التحالف |
| 1967 – حرب الأيام الستة | حرب حسم خاطف | مرتفع جدًا | رمز التفوق العسكري | ذروة الردع | دعم استراتيجي متزايد | اصطفاف غربي واسع | ضعيف | صناعة أسطورة التفوق |
| 1973 – حرب أكتوبر | حرب استعادة توازن | ما يزال مرتفعًا | بداية اهتزاز صورة التفوق | تراجع نسبي | تدخل أمريكي حاسم | تماسك التحالف | محدود | بداية تصدع أسطورة الحسم |
| 1978 – اجتياح جنوب لبنان | حرب حدود واستنزاف | متوسط | قوة توسعية | متوسط | دعم مستمر | تحفظ محدود | بداية تآكل الصورة | الانتقال من الردع إلى الاستنزاف |
| 1982 – حرب لبنان الأولى | حرب نفوذ مفتوح | متراجع | تصاعد الانتقادات بعد بيروت وصبرا وشاتيلا | مرتفع عسكريًا | دعم مع حرج سياسي | بداية الانقسام الأخلاقي | متزايد | الحرب التي فقدت وضوحها الأخلاقي |
| 1993–2000 – استنزاف الجنوب اللبناني | حرب استنزاف طويلة | متراجع تدريجيًا | دولة عالقة في احتلال مكلف | متآكل | دعم حذر | تراجع الحماس الغربي | متزايد | بداية الحرب التي لا تنتهي |
| 2006 – حرب لبنان الثانية | حرب ضد فاعل غير دولتي | متوسط | اهتزاز صورة الجيش الذي لا يُهزم | تراجع واضح | دعم سياسي دون حسم | قلق غربي | متوسط | سقوط صورة الحسم الكامل |
| 2008–2009 – حرب غزة الأولى | حرب احتواء تكتيكي | متراجع | صور دمار مدني واسعة | ردع مؤقت | دعم قوي | دعم مع انتقادات حقوقية | متزايد | بداية تآكل المعنى الأخلاقي |
| 2012 – حرب غزة الثانية | جولة ردع دورية | متراجع أكثر | تعاطف أقل | محدود | دعم سياسي ثابت | فتور متزايد | متصاعد | الحرب كإدارة تهديد |
| 2014 – حرب غزة الثالثة | حرب استنزاف متكرر | منخفض نسبيًا | تصاعد النقد الحقوقي | محدود | دعم متوتر | انقسام داخل الرأي العام | مرتفع | تكرار الحرب وفقدان الحسم |
| 2021 – سيف القدس | حرب متعددة الجبهات | منخفض | اهتزاز الصورة داخل الغرب | هش | دعم مع ضغط داخلي | تراجع الإجماع | مرتفع | بداية أزمة المعنى |
| 2023–2025 – حرب الطوفان | حرب شرعية وعزلة | متآكل بشدة | انتقال من صورة الضحية إلى المُساءلة | مهتز | دعم أمريكي مُحرِج داخليًا | انقسام غربي واضح | مرتفع جدًا | الحرب التي بدأت تنتج العزلة |
| 2026 – حرب إيران | حرب إقليمية مفتوحة | شديد التآكل | دولة الكيان الصهيوني كعامل اضطراب إقليمي | غير محسوم | تردد أمريكي واضح | امتناع عن الانخراط المباشر | مرتفع جدًا | بداية تقييد الحليف |
| 2027–2030 (متوقع) – صدام سوريا / تركيا | حرب اختبار التحالف | مرهون بالتحولات القادمة | دولة الكيان الصهيوني كعبء استراتيجي محتمل | مجهول | دعم مشروط | احتمال تصدع داخل الناتو | قد يبلغ الذروة | اختبار حدود التحالف نفسه |
الجدول رقم 4:
| مؤشرات تراجع القدرة الأمريكية على الحشد الدولي خلال حرب إيران (2025–2026) | |||
| السنة | الحدث الرئيسي | المؤشر الرقمي | الدلالة الاستراتيجية |
| 2025 | تصاعد التوتر مع إيران | تعبئة عسكرية في الخليج | انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي |
| 2026 | اندلاع الحرب مع إيران | حرب استمرت نحو 6 أسابيع | تحول الصراع إلى أزمة دولية |
| 2026 | امتناع دول الناتو عن المشاركة | أغلبية دول الحلف لم تشارك | بداية تراجع الالتزام العسكري |
| 2026 | استطلاعات الرأي في أمريكا | نحو 60% عارضوا الحرب | ضغط داخلي على القرار السياسي |
| 2026 | ارتفاع أسعار النفط | زيادة ملحوظة في الأسواق العالمية | اتساع كلفة الحرب عالميًا |
الجدول رقم 5:
| المؤشرات الزمنية لتحول صورة دولة الكيان الصهيوني في الغرب (2023–2025) | |||
| السنة | الحدث الرئيسي | المؤشر الرقمي | الدلالة الاستراتيجية |
| 2023 | اندلاع حرب غزة | أكثر من 150 دولة طالبت بوقف إطلاق النار | بداية تآكل الشرعية الدولية |
| 2023 | موجات مظاهرات عالمية | مئات المدن في أوروبا وأمريكا | انفصال الرأي العام عن الحكومات |
| 2024 | احتجاجات الجامعات الأمريكية | أكثر من 60 جامعة شهدت اعتصامات | انتقال الاحتجاج إلى النخب |
| 2024 | رأي محكمة العدل الدولية | إعلان الاحتلال غير قانوني | تحول القضية إلى ملف قانوني |
| 2024 | مذكرات توقيف المحكمة الجنائية الدولية | صدور أوامر اعتقال لقادة صهيونيين | بداية العزلة القضائية |
| 2025 | اعتراف دول غربية بدولة فلسطين | أكثر من 10 دول جديدة | توسع الاعتراف السياسي |
الجدول رقم 6:
| المؤشرات الجغرافية لتحول المواقف الدولية تجاه دولة الكيان الصهيوني | ||
| الدولة | سنة التحول البارز | طبيعة الموقف أو التراجع تجاه دولة الكيان الصهيوني |
| جنوب إفريقيا | 2023–2024 | قادت دعوى الإبادة أمام International Court of Justice ورفعت مستوى المواجهة القانونية والسياسية |
| إسبانيا | 2024 ثم 2026 | تصعيد سياسي ضد حرب غزة، الاعتراف بفلسطين، ثم رفض الانخراط في حرب إيران وتبني خطاب أكثر حدة |
| أيرلندا | 2024 | انتقادات سياسية وقانونية متصاعدة للحرب على غزة |
| النرويج | 2024 | الاعتراف بدولة فلسطين وتصاعد النقد للسياسات الصهيونية |
| سلوفينيا | 2024 | انتقال إلى خطاب أوروبي أكثر تشددًا تجاه دولة الكيان الصهيوني |
| البرازيل | 2023–2024 | تصعيد سياسي وإعلامي ضد الحرب على غزة |
| تركيا | 2023 ثم 2026 | تصعيد سياسي واقتصادي بعد حرب غزة، ثم مواجهة خطابية واستراتيجية أوسع خلال حرب إيران |
| كولومبيا | 2024 | قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الكيان الصهيوني |
| بوليفيا | 2023 | قطع العلاقات رسميًا احتجاجًا على حرب غزة |
| الشيلي | 2024 | تصاعد الضغط الشعبي والسياسي ضد دولة الكيان الصهيوني |
| فرنسا | 2024–2026 | انتقال تدريجي من الدعم التقليدي إلى خطاب أكثر حذرًا وضغطًا |
| كندا | 2024 | تصاعد الضغط الداخلي والجامعي والحقوقي |
| بلجيكا | 2024 | مواقف حقوقية وقانونية أكثر تشددًا |
| هولندا | 2024–2026 | تصاعد الانقسام الداخلي والضغط القانوني والسياسي |
| المملكة المتحدة | 2024 | استمرار الدعم الرسمي مع تصاعد ضغط الشارع والجامعات |
| ألمانيا | 2024–2026 | بقاء الدعم الرسمي مع تنامي التردد والضغط المجتمعي |
| العربية السعودية | 2026 | تفضيل التهدئة ورفض الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة ضد إيران |
| قطر | 2026 | دفع دبلوماسي نحو منع توسع الحرب |
| باكستان | 2026 | إدانة الضربات الأمريكية–الصهيونية على إيران |
| الصين | 2026 | رفض التصعيد العسكري وإدانة الحرب على إيران |
| روسيا | 2026 | اعتبار الحرب عامل زعزعة للاستقرار الدولي |
بعنوان: حروب تجذير شرعية الاحتلال الإسرائيلي بالقوة 1948 و 1981
اقرأ الجزء الثاني من مقالة: من فرض الشرعية بالقوة إلى تآكل الوجود بالمعنى (1948 فما بعد 2023): قراءة استراتيجية سيميائية في تحولات الحرب والعزلة والتحالف
بعنوان: حروب اختبار شرعية الاحتلال بين القوة والمعنى (1982-2022)
اقرأ الجزء الثالث من مقالة: من فرض الشرعية بالقوة إلى تآكل الوجود بالمعنى (1948 فما بعد 2023): قراءة استراتيجية سيميائية في تحولات الحرب والعزلة والتحالف
بعنوان: حروب اختبار معنى وجود الاحتلال (2023 فما بعد)




