العمران المعنوي- دراسات قرآنيةالفلسفة والتاريخمن اختيارناموقعنا

تجديد النظر إلى فواتح سورة الإسراء

في ظل أحداث الطوفان وما بعد الطوفان

لم يكن الاتجاه نحو تجديد النظر إلى فواتح سورة الإسراء، قصدا مسبقا لكاتب المقال، وإنما نتج تلقائيا من توالي الاحداث النوعية التي شهدتها الامة بعد السابع من أكتوبر، وإدراك قصور القراءة التقليدية لفواتح سورة الإسراء، عن أن تكون مفتاحا لفهم كل ما حصل ويحصل الآن، وأن تضعه في موقعه التاريخي الذي نحياه، ونستشرف ما سيأتي.

ومع تفاوت المفسرين في التعاطي مع فواتح السورة، لا تجد واحدا منهم قد قدم قراءة متماسكة لتاريخ ومستقبل بني إسرائيل، ناهيك عن ان يقدم تأطيرا تفسيريا لما يحدث اليوم.

ومن هنا جاءت ضرورة العودة إلى التاريخ السابق، وربطه بالواقع الجيوسياسي، مستندا إلى الأساس اللغوي، في إطار الاستعمال القرآني، لنقدم قراءة بنيوية لهذا السرد القرآني للقصة، من خلال إعادة النظر في العلاقة بين: الإفساد والعلو والجوس والكرة والتتبير. وعلى أساس ذلك نعالج أربع زوايا:

  • الفصل بين الإفسادين والعلو
  • الجوس حدثا لاحقا بالعلو
  • رد الكرة حدثا لاحقا بالجوس
  • حلول التتبير بعد العلو

أولا: تمهيد منهجي: الفرق بين التفسير والإسقاط السنني:

تنطلق هذه القراءة من التمييز بين مستويين مختلفين في التعامل مع النص القرآني: مستوى “التفسير” الذي يبحث في المعنى المباشر للآية، ضمن سياقها اللغوي والتاريخي، ومستوى “الإسقاط السنني” الذي يحاول استكشاف قابلية البنية القرآنية للتجدد والانطباق على دورات تاريخية لاحقة تتشابه في منطقها البنيوي، وإن اختلفت في تفاصيلها الزمنية والسياسية.

فالتفسير، بمعناه الاصطلاحي، ينصرف أساسًا إلى بيان مراد الآية في سياق نزولها واستعمالها العربي الأول، اعتمادًا على اللغة وأسباب النزول وأقوال السلف والسياق القرآني العام. أما الإسقاط السنني فلا يدّعي بالضرورة أن الآية نزلت ابتداءً في شأن الحدث المعاصر، بل ينطلق من أن القرآن، بوصفه كتاب سنن وهداية، لا يقتصر على تسجيل وقائع ماضية، وإنما يكشف كذلك عن أنماط متكررة في حركة التاريخ وصعود الأمم وسقوطها. ولذلك فإن الفرق بين الأمرين هو الفرق بين “تحديد المعنى الأول” و”استكشاف الامتداد البنيوي للمعنى”.

ومن هنا فإن هذه القراءة لا تزعم أن فواتح سورة الإسراء نزلت ابتداءً لتتحدث عن أحداث القرن الحادي والعشرين بوصفها وقائع معزولة، وإنما ترى أن البنية السردية للآيات تحمل من الخصائص اللغوية والسننية ما يجعلها قابلة للانطباق على دورة تاريخية ممتدة، تتكرر فيها أنماط الإفساد والعلو والجوس ورد الكرة والتتبير. وبذلك فإن المقصود، ليس إلغاء التفسير التاريخي السابق، بل إعادة النظر في مدى استيعابه الكامل للحركة الداخلية للنص، خاصة حين يظهر أن بعض الألفاظ القرآنية، مثل “العلو الكبير”، و”الجوس خلال الديار”، و”رد الكرة”، و”التتبير”، تملك حمولة دلالية أوسع من أن تُختزل في وقائع قديمة انتهى أثرها التاريخي.

كما أن القراءة السننية تختلف عن الإسقاط الاعتباطي في أنها لا تنطلق من تشابه عاطفي أو سياسي سطحي، بين حدث معاصر وآية قرآنية، بل من محاولة بناء تماسك داخلي بين: البنية اللغوية للنص، والاستعمال القرآني للمفاهيم، والتسلسل السردي للآيات، ثم الواقع الجيوسياسي الذي يبدو أقرب إلى تجسيد تلك البنية.

وعليه، فإن هذه القراءة لا تقدم نفسها بوصفها “تفسيرًا نهائيًا” لفواتح سورة الإسراء، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة فتح النظر في إمكانات النص السننية، انطلاقًا من فرضية مفادها أن القرآن لا يكتفي بسرد الماضي، بل يكشف كذلك عن قوانين تاريخية قد تتجدد بصيغ مختلفة كلما تشابهت البنى الحضارية المنتجة لها.

ثانيا: فرق ما بين الإفسادين والعلو من انفصال:

يقوم كثير من الفهم السابق لفواتح سورة الإسراء على دمج “الإفساد” و”العلو” داخل حدث واحد، أو اعتبار العلو مجرد وصف ملازم للإفسادين المذكورين في الآية. غير أن التأمل الدقيق في البنية اللغوية للنص يكشف أن القرآن يتعامل مع المفهومين باعتبارهما مستويين مختلفين من الحركة التاريخية، لا باعتبارهما مترادفين أو متطابقين.

فالآية تقول: ﴿لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾، والتركيب هنا شديد الدقة؛ إذ جاء التعبير بالفعلين مستقلين: ﴿لتفسدن﴾ و﴿ولتعلن﴾، مع الفصل بينهما بحرف العطف “الواو”، الذي يقتضي أصل المغايرة في الاستعمال العربي، أي الانتقال من معنى إلى معنى آخر، ومن حال إلى حال أخرى. ولذلك فإن النص لم يقل: “لتفسدن في الأرض مرتين علوًا كبيرًا”، حتى يكون العلو وصفًا مباشرًا للإفساد، وإنما جعل الإفساد شيئًا، والعلو شيئًا آخر، مترتبًا عليه أو منفصلًا عنه في البنية التاريخية.

وهذا التفريق تؤكده الاستعمالات القرآنية نفسها؛ فالإفساد في القرآن يرتبط غالبًا بالانحراف القيمي أو الديني أو الاجتماعي، في مثل قوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ـ وقوله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾.

فالفساد هنا فعل انحرافي يمس النظام الأخلاقي أو الديني أو العمراني للمجتمع. أما “العلو” فدلالته القرآنية تتجاوز مجرد الانحراف، لتشير إلى ذروة التمكين والاستكبار والسيطرة. ولذلك وصف القرآن فرعون بقوله: ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾. وفرعون لم يكن مجرد مفسد، بل صاحب مشروع قوة وهيمنة وهيكل سلطة ممتد. ومن هنا فإن “العلو” في الاستعمال القرآني أقرب إلى ذروة التمكين السياسي والحضاري، لا إلى أصل الانحراف نفسه.

وبناء على ذلك، فإن حمل “العلو الكبير”، في سورة الإسراء، على مجرد قتل الأنبياء أو الانحراف الديني القديم، يوقع السرد في إشكال تاريخي ولغوي معًا؛ لأن تاريخ بني إسرائيل، بعد انهيار مملكتهم القديمة وتدمير الهيكلين، كان في معظمه تاريخ تشتت وتبعية واضطهاد، لا تاريخ علو وهيمنة عالمية. فمنذ تدمير الهيكل الثاني سنة 70م وحتى قيام دولة إسرائيل الحديثة سنة 1948، امتدت قرابة تسعة عشر قرنًا، لم يمتلك فيها اليهود سيادة سياسية مستقلة، ولا مشروع قوة جامعًا يمكن وصفه بأنه “علو كبير”.

أما مع المشروع الصهيوني الحديث، فقد ظهر لأول مرة طور تاريخي تتجسد فيه دلالة “العلو” بمعناها القرآني المركب: تمكين عسكري، ونفوذ سياسي، وسيطرة اقتصادية، وحضور إعلامي وثقافي واسع، وتحالف دولي غير مسبوق. وهنا يصبح الفصل بين “الإفساد” و”العلو” أكثر انسجامًا مع البنية السردية للنص؛ إذ يكون الإفساد أصل الانحراف التاريخي، بينما يمثل العلو ذروة التمكين الحضاري، الناتج عنه بعد مسار طويل من التحولات.

وعليه، فإن التمييز بين المفهومين ليس تفصيلًا لغويًا ثانويًا، بل مفتاحًا لإعادة بناء التسلسل السردي للآيات كلها؛ لأن فهم “العلو الكبير” باعتباره مرحلة مستقلة، لا مجرد وصف للإفساد، هو الذي يسمح بفهم ما بعده من الجوس ورد الكرة والتتبير.. ضمن دورة تاريخية متماسكة، لا ضمن حوادث قديمة منفصلة انتهى أثرها بانتهاء زمنها.

ثالثا: محور سردي: من الجوس إلى الكرّة الأولى:

إذا كان الفصل بين “الإفساد” و”العلو” يمثل المدخل اللغوي لإعادة قراءة فواتح سورة الإسراء، فإن فهم العلاقة بين “الجوس” و”رد الكرة” يمثل قلبها السردي والحركي؛ لأن الآيات لا تعرض مجرد أحداث متجاورة، بل تبني دورة صراع متدرجة تتحرك من ذروة التمكين إلى لحظة الاختراق، ثم إلى استعادة المبادرة من جديد.

فالآية تقول: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار﴾. والتعبير هنا بالغ الخصوصية؛ لأن القرآن لم يستخدم ألفاظًا عامة من قبيل: “قاتلوكم” أو “غلبوكم” أو “دمروا مدنكم”، بل اختار فعلًا حركيًا دقيقًا هو: ﴿فجاسوا﴾. والجوس في اللغة لا يعني مجرد الحرب، بل يدل على التخلل والنفاذ داخل العمق الداخلي. تقول العرب: “جاس القوم خلال الديار” إذا دخلوا بين البيوت، وتحركوا في الأزقة والدروب، واخترقوا أسوار القرية والمدينة. ولذلك فإن الجوس ليس مجرد مواجهة حدودية، بل حالة اختراق مباشر للبنية الأمنية والمكانية للخصم.

وهذا ما يجعل التعبير القرآني: ﴿خلال الديار﴾ جزءًا أساسيًا من الصورة، لأن المقصود ليس مجرد وقوع هجوم، وإنما انتقال المهاجم من الأطراف إلى الداخل، ومن خطوط التماس إلى المجال الحيوي للخصم نفسه. ومن هنا تكتسب القراءة المعاصرة لهذا الوصف تماسكًا لافتًا مع ما جرى في 7 أكتوبر 2023، حيث لم يكن الحدث مجرد اشتباك عسكري تقليدي، بل اختراقًا واسعًا للحدود والتحصينات، ودخولًا إلى المستوطنات والمواقع العسكرية والبيوت، بما يجسد معنى “الجوس خلال الديار” بصورة غير مسبوقة في تاريخ الصراع الحديث.

غير أن السرد القرآني لا يجعل “الجوس” خاتمة الدورة، بل ينقله مباشرة إلى طور جديد، بقوله تعالى: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾.

وهنا تظهر أهمية “الكرّة” بوصفها مفهومًا حركيًا، لا مجرد تفوّق عسكري عابر. فالكرّة في أصلها اللغوي تدل على الرجوع والاستعادة والتداول؛ أي انتقال الغلبة من طرف إلى آخر، بعد لحظة انكسار أو اختراق. ولذلك فإن “رد الكرة” لا يعني نفي أثر الجوس، بل يعني أن الطرف الذي تعرّض للاختراق استطاع استعادة توازنه، ثم استرجاع زمام المبادرة.

ولا يقدح في هذا البناء السردي ما قد يُفهم من حرف “ثم” في قوله تعالى: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾، بدعوى أن “ثم” تقتضي تراخيًا زمنيًا طويلًا؛ لأن “ثم” في الاستعمال العربي والقرآني لا تدل دائمًا على الامتداد الزمني البعيد، بل إن دلالتها الأصلية هي الترتيب، أما التراخي فهو معنى متفرع عن هذا الترتيب، وقد يكون انتقالًا مرحليًا أو تحوليًا داخل السياق نفسه، لا انقطاعًا تاريخيًا لقرون. ولذلك يستخدم القرآن “ثم” كثيرًا للانتقال من طور إلى طور أو من حالة إلى أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى﴾.

ومن هنا يصبح قوله: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ متسقًا مع فهم “رد الكرة” باعتباره مرحلة تالية مباشرة نسبيًا لمرحلة الجوس؛ أي انتقالًا من لحظة الاختراق والانكشاف إلى مرحلة استعادة المبادرة والإمداد وإعادة التمكين.

وتزداد هذه القراءة تماسكًا حين نقرأ بقية الآية: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾. لأنها تصف بدقة حالة التعبئة والاستنفار الواسع التي تعقب لحظة الخطر الوجودي:

فالإمداد بالأموال يشير إلى تدفق الدعم الاقتصادي والعسكري، والإمداد بالبنين يشير إلى إعادة التعبئة البشرية والديموغرافية، بينما يعكس “النفير” حالة الحشد والاستنفار الشامل. وهذا ما يجعل السرد القرآني هنا أقرب إلى وصف دورة صراع متصلة: اختراق، فاستعادة، فإمداد، فتصعيد جديد.

وبذلك لا تبدو الآيات وكأنها تتحدث عن حادثتين منفصلتين انتهتا في الماضي، بل عن حركة حضارية متدرجة، تبدأ بالعلو، ثم تبلغ لحظة الجوس، ثم تنتقل إلى طور رد الكرة والإمداد، قبل أن تصل لاحقًا إلى المرحلة الأخيرة من الدورة، أي مرحلة التتبير النهائي.

رابعا: محور جيوسياسي: علوّ 1948 – 2023 ما بعدها:

إذا كانت فواتح سورة الإسراء قد ربطت بين “العلو” و”الجوس” و”رد الكرة” ضمن بنية سردية واحدة، فإن قراءة التحولات الجيوسياسية الحديثة تكشف عن تدرج تاريخي لافت يكاد يعيد إنتاج هذه البنية على أرض الواقع. فقيام دولة إسرائيل سنة 1948 لم يكن مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ المنطقة، بل لحظة انتقال نوعي من حالة الشتات التاريخي الطويل إلى طور “العلو” بمعناه الحضاري المركب: سيادة سياسية، وتفوق عسكري، ودعم اقتصادي، واحتضان دولي، ثم تحول تدريجي إلى مركز نفوذ متشابك داخل النظام العالمي الحديث.

ومنذ تلك اللحظة، دخل المشروع الصهيوني طورًا تصاعديًا مستمرًا؛ إذ لم يعد مجرد كيان يبحث عن البقاء، بل تحول إلى منظومة قوة ممتدة تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية إلى التأثير في البنية السياسية والإعلامية والاقتصادية الغربية نفسها. وهو ما يجعل وصف: ﴿ولتعلن علوا كبيرا﴾ أقرب، من حيث الحمولة الجيوسياسية، إلى هذه المرحلة الحديثة من تاريخ بني إسرائيل، لا إلى الفترات القديمة التي اتسمت في معظمها بالتبعية والشتات وفقدان السيادة.

غير أن هذا العلو بدأ يتعرض لأول اهتزاز استراتيجي عميق مع حرب غزة سنة 2023، التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة انكشاف أخلاقي وإعلامي عالمي غير مسبوقة. فمنذ الأسابيع الأولى للحرب بدأت إسرائيل تفقد، بصورة متسارعة، قدرتها على الحفاظ على صورتها التقليدية داخل الرأي العام العالمي، خاصة مع الانتشار الكثيف لمشاهد الدمار والقتل والحصار، واتساع موجات التضامن الشعبي مع غزة في الجامعات والشوارع ووسائل الإعلام الغربية نفسها. وبذلك دخل المشروع الصهيوني لأول مرة طور “العزلة الشعبية العالمية”، أي الانفصال التدريجي بين إسرائيل وبين المزاج الأخلاقي للرأي العام الدولي، حتى داخل المجتمعات الغربية الحليفة تاريخيًا لها.

وفي خضم هذا التحول جاءت أحداث 7 أكتوبر بوصفها لحظة “الجوس خلال الديار”، حيث لم يكن الحدث مجرد اشتباك عسكري محدود، بل اختراقًا واسعًا للحدود والتحصينات، ودخولًا إلى المستوطنات والمواقع العسكرية والعمق الإسرائيلي، بما هز صورة “العلو الآمن” التي تأسس عليها المشروع الصهيوني لعقود طويلة.

غير أن السرد القرآني لا يقف عند لحظة الجوس، بل ينتقل مباشرة إلى طور: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ وهو ما تجسد في مرحلة ما بعد 2023، حيث شهدت إسرائيل حالة تعبئة غير مسبوقة: دعمًا عسكريًا وماليًا غربيًا هائلًا، وتدفقًا للسلاح والغطاء السياسي، واستنفارًا بشريًا واسعًا، وإعادة بناء للمبادرة العسكرية على أكثر من جبهة.

كما بدأت تتشكل تدريجيًا حالة “النفير” الإقليمي، عبر توسيع نطاق الصراع إلى غزة ولبنان وسوريا وإيران ومحيطها، بما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا﴾.

غير أن التحول المتصاعد، سيتفاقم أكثر مع حرب إيران سنة 2026، التي كشفت لأول مرة عن تصدع عميق بين الموقف الأمريكي-الإسرائيلي وبين قطاعات واسعة من المجتمع الدولي. فإذا كانت حرب غزة قد عزلت إسرائيل عن الرأي العام العالمي، فإن حرب إيران دفعت باتجاه عزل المحور الأمريكي-الإسرائيلي نفسه عن جزء معتبر من النظام الدولي، عبر اتساع رقعة التحفظات الدولية، وتصاعد الانتقادات داخل مؤسسات عالمية وإقليمية، وظهور تباينات غير مسبوقة حتى داخل المعسكر الغربي ذاته حول حدود الدعم المفتوح لإسرائيل ومسار التصعيد الإقليمي.

وبذلك بدأت تتشكل معادلة جديدة: إسرائيل ما تزال تمتلك فائض قوة عسكريًا وتقنيًا، لكنها بدأت تخسر تدريجيًا شرعية “المركز الأخلاقي” داخل العالم، ثم أخذت تخسر تدريجيًا صورة “الإجماع الدولي” التي لازمتها لعقود.

وهنا يكتسب مفهوم “رد الكرة” دلالته الأعمق؛ لأنه لا يعني فقط استعادة التفوق العسكري بعد الجوس، بل أيضًا دخول المشروع الصهيوني طور التعبئة القصوى ومحاولة إعادة فرض الهيمنة بالقوة، في لحظة بدأت فيها البيئة الدولية المحيطة به تفقد انسجامها القديم.

ومن هنا تبدو المرحلة الراهنة مرحلة شديدة الحساسية؛ لأن السرد القرآني لا يوحي بانهيار مباشر يعقب الجوس، بل بمرحلة تصعيد إضافية يبلغ فيها المشروع ذروة جديدة من العلو والتمكين قبل أن يدخل تدريجيًا طور التفكك الداخلي. فالتاريخ كثيرًا ما يُظهر أن الكيانات الإمبراطورية تبلغ أقصى درجات التوسع في اللحظة التي تبدأ فيها، من الداخل، بفقدان قدرتها على الحفاظ على توازنها البنيوي.

وبذلك تصبح السنوات الممتدة من 1948 إلى 2023 ثم إلى ما بعدها، في هذه القراءة، ليست مجرد تسلسل أحداث سياسية منفصلة، بل دورة حضارية متكاملة: بدأت بالعلو، ثم دخلت طور الجوس، ثم انتقلت إلى رد الكرة والإمداد والنفير، بينما بدأت في الوقت نفسه تفقد تدريجيًا الغطاء الأخلاقي والسياسي العالمي الذي شكّل أحد أهم شروط استمرار علوها منذ منتصف القرن العشرين.

خامسا: فصل استشرافي: من العزلة إلى التتبير:

إذا كان “العلو” يمثل ذروة التمكين، و”الجوس” يمثل لحظة الاختراق، و”رد الكرة” يمثل طور استعادة المبادرة والإمداد، فإن “التتبير” في البنية السردية لفواتح سورة الإسراء لا يبدو مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل مرحلة تفكيك شامل للبنية التي بلغت ذروة العلو. ولذلك جاء التعبير القرآني بالغ القوة: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾، فالتتبير في اللغة لا يعني مجرد الإضعاف أو الخسارة، بل يدل على التكسير والتفتيت والإهلاك الذي يصيب البنية من داخلها حتى تفقد قدرتها على الاستمرار. ولهذا جاء المصدر المؤكد: ﴿تتبيرا﴾ للدلالة على أن المقصود ليس ضربة جزئية، بل عملية انهيار عميقة تطال ما بُني عليه العلو نفسه.

ومن اللافت أن الآية لم تقل: “وليتبروكم” بل قالت: ﴿وليتبروا ما علوا﴾، أي أن التتبير متعلق أولًا بمنظومة العلو ذاتها؛ بالبنية التي أنتجت الهيمنة والتفوق والاستكبار. وهذا يفتح الباب لفهم التتبير باعتباره تفككًا حضاريًا وسياسيًا وأخلاقيًا داخليًا، لا مجرد هزيمة عسكرية من الخارج.

وفي ضوء ذلك، فإن المرحلة التي تلي “رد الكرة” لا تبدو — وفق هذا التصور — مرحلة استقرار طويل للمشروع الصهيوني، بل مرحلة تضخم إضافي للعلو نفسه. فالمشاريع التي تشعر بأن وجودها مهدد بعد اختراق كبير تميل عادة إلى: مزيد من العسكرة، ومزيد من التوسع، ومزيد من التشدد العقائدي، ومحاولة فرض وقائع نهائية قبل فقدان القدرة على التحكم.

ومن هنا يمكن فهم كيف قد تتحول مرحلة ما بعد “رد الكرة” إلى مرحلة اندفاع غير مسبوق نحو إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا ودينيًا، في محاولة لتثبيت ذروة المشروع قبل بداية التراجع الداخلي. فالتاريخ كثيرًا ما يُظهر أن الكيانات الإمبراطورية تبلغ أقصى درجات التوسع قبيل دخولها طور التفكك.

غير أن أخطر ما في التتبير، في هذه القراءة، أنه لا يبدأ من الخارج بل من الداخل؛ لأن البنية التي تبلغ ذروة العلو تتحول تدريجيًا إلى بنية مثقلة بالتناقضات: تضخم أمني دائم، واستنزاف اقتصادي وعسكري، وانقسامات اجتماعية وهوياتية، وصراع بين المكونات العقائدية والعلمانية، واهتزاز الثقة بالمستقبل، وتزايد الشعور الوجودي بالخطر رغم فائض القوة.

وبذلك يصبح العلو نفسه حاملًا لبذور انهياره؛ لأن التوسع المستمر يرفع منسوب التوتر الداخلي والخارجي إلى مستوى يصعب استدامته. ومن هنا فإن “التتبير” لا يظهر بوصفه لحظة مفاجئة، بل بوصفه نتيجة مسار طويل يبدأ من تضخم القوة ذاتها.

ولهذا فإن أخطر خطأ تحليلي هو تصور أن لحظة “الجوس” تعني مباشرة سقوط المشروع الصهيوني؛ لأن السرد القرآني نفسه يشير إلى طور تالٍ من استعادة القوة والإمداد والنفير. أما التتبير فيبدو مرحلة متأخرة تأتي بعد استنفاد دورة العلو إلى أقصاها، أي حين تتحول محاولة تثبيت الهيمنة إلى عامل تفكيك داخلي للبنية التي صنعتها.

غير أن هذه القراءة، من الناحية المنهجية، لا تزعم القدرة على الجزم بالأشكال التفصيلية التي ستتخذها الأحداث المقبلة، ولا تدّعي امتلاك معرفة قطعية بمساراتها الجزئية؛ وإنما تحاول تلمّس اتجاهاتها الكبرى من داخل البنية السننية التي ترسمها الآيات. ولذلك، فإن كل ذكر لشكل محتمل من أشكال الحدث — كبناء الهيكل الثالث، أو اندلاع حرب إقليمية واسعة — لا يُورد بوصفه حتمية مؤكدة، بل بوصفه احتمالًا من احتمالات تحقق اتجاه أعمّ يبدو أكثر ثباتًا، وهو انتقال المشروع الصهيوني من طور العلو وردّ الكرة إلى طور العزلة المركبة، ثم إلى التتبير.

ومن هذا المنظور، قد تكون المرحلة القادمة مرشحة لأن تُدشَّن بحدث رمزي-عقائدي بالغ الخطورة، كالسعي إلى بناء الهيكل الثالث، أو باندفاع عسكري مغامر قد يتخذ شكل مواجهة إقليمية واسعة، ربما على الأرض السورية أو في محيطها، بما يفتح باب الصدام مع قوى كبرى في المنطقة، ومنها تركيا. وليس المقصود هنا الجزم بهذا الشكل بعينه، بل الإشارة إلى أن منطق التصعيد بعد “رد الكرة” قد يدفع الكيان إلى محاولة تثبيت علوّه عبر مغامرة كبرى، تجمع بين البعد العقائدي والبعد العسكري، لكنها في الوقت نفسه قد تكون بداية انفصاله النهائي عن شروط الحماية التي أبقته قائمًا.

فإذا كانت حرب غزة سنة 2023 قد عزلت إسرائيل عن الرأي العام العالمي، وإذا كانت حرب إيران سنة 2026 قد دفعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى موقع أكثر انفصالًا عن المجتمع الدولي، فإن الطور الأخطر قد يكون انتقال العزلة إلى داخل علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة نفسها. وهذه هي العزلة الحاسمة؛ لأن المشروع الصهيوني الحديث لم يقم فقط على تفوقه الداخلي، بل على اندماجه العميق في شبكة الحماية الأمريكية والغربية. فإذا تصدعت هذه الشبكة، أو وجدت الولايات المتحدة أن كلفة حماية إسرائيل أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال، فإن العلو نفسه يبدأ بالتحول إلى عبء استراتيجي.

وعند هذه اللحظة، لا يكون التتبير مجرد هزيمة خارجية، بل تفككًا داخليًا متدرجًا: انقسام سياسي حاد، صراع بين التيارات الدينية والعلمانية، اهتزاز الثقة بالمستقبل، تصاعد الهجرة العكسية، وانكشاف البنية الأمنية التي كانت تمثل جوهر القوة الإسرائيلية. وحين ينهار الكيان من داخله، لا تعود القدس بحاجة إلى اقتحام عسكري بالمعنى التقليدي، بل قد تُفتح سلمًا بفعل سقوط البنية التي كانت تمنع الوصول إليها.

وهنا يصبح معنى: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾ أقرب إلى خاتمة دورة تاريخية كاملة: علو بلغ ذروته، فجوس كشف هشاشته، فردّ كرة ضاعف اندفاعه، فعزلة نهائية أفقدته شرط بقائه، ثم تتبير لا يطال الأفراد بقدر ما يطال “ما علوا”؛ أي منظومة العلو نفسها.

وبهذا يكتمل المسار السردي لفواتح سورة الإسراء بوصفه دورة حضارية متدرجة: إفساد، فعلو، فجوس، فرد كرة، فإمداد ونفير، فعزلة، فتتبير. وهي دورة لا تُقرأ، في هذا التصور، باعتبارها حكاية ماضية مغلقة، بل باعتبارها سننًا تاريخية تتجدد كلما أعادت الأمم إنتاج البنى نفسها التي تولّد العلو ثم تحمل في داخلها بذور سقوطه.

 

ماهر الملاخ

الدكتور ماهر الملاخ- أكاديمي متدرّج في مجالات اللسانيات والتأويل والسيميائيات وسيميولوجيا الصورة، امتد من التكوين اللغوي والتربوي إلى البحث السيميائي المتقدم. تُوّج بإنجاز أطروحة دكتوراة حول بناء نموذج تحليلي جديد للعلامة، يقوم على التوازن بين "الصيرورة" و"التناظر"، تحت اسم: "نموذج تناظر الصيرورة". كاتب وباحث في قضايا السيميائيات والفكر الحضاري والتاريخي والإعلام والصورة. فاعل مهني في مجالات التكوين والإعلام السمعي-البصري. شغل مناصب قيادية واستشارية ومؤسِّسة في مؤسسات إعلامية وطنية ودولية. مخرج ومنتج ومشرف وثائقي لأكثر من 90 فيلمًا ووثائقيًا وسلسلة وبرامج تلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى