الأركان الثلاثة لمنطق الحالة الحسينية
من رمزية الحسين إلى فقه الحسين
2/4
سلسلة: من كربلاء إلى الطوفان: فقه التدافع وواجبات الأمة بعد اللحظة الحسينية

إذا كان الجزء الأول، من مقالة: “من كربلاء إلى الطوفان: فقه التدافع وواجبات الأمة بعد اللحظة الحسينية“، قد سعى إلى تأطير الحالة الحسينية، داخل خريطة أوسع، لفقه التدافع التاريخي، باعتبارها واحدة من أربع حالات كبرى تتحدد من خلال تفاعل معيارين: مستوى القدرة وطبيعة الخطر، فإن هذا التأطير، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم سر فرادة اللحظة الكربلائية.
لقد انتهينا إلى أن الحالة الحسينية لا تنشأ لمجرد اختلال موازين القوة، فالتاريخ مليء بأمم وجماعات واجهت خصومًا يفوقونها قوة. كما أنها لا تنشأ لمجرد عدالة القضية، ولا لمجرد عظمة التضحية، وإلا لتحولت آلاف الوقائع عبر التاريخ إلى كربلاء أخرى. وإنما تنشأ حين يلتقي اختلال القدرة مع وصول الخطر إلى مستوى يهدد بوصلة الأمة الحضارية؛ فتغدو المحافظة على المعيار مقدمة على المحافظة على المكسب، ويصبح الصمت أخطر من التضحية.
غير أن هذا التأطير يجيب عن سؤال واحد فقط: متى تصبح كربلاء ضرورة تاريخية؟، أما السؤال الأعمق، والذي يمثل جوهر هذا الجزء، فهو: كيف تتكون الحالة الحسينية أصلًا؟ وما المنطق الداخلي الذي يحكمها؟
لقد اعتادت قراءات كثيرة أن تجعل جوهر كربلاء في الشهادة، وأخرى في المظلومية، وثالثة في الثورة على الظلم. غير أن هذه القراءات، على اختلافها، تتعامل في الغالب مع مظاهر الحالة الحسينية أكثر من تعاملها مع البنية التي أنتجتها. فهي تصف ما وقع، لكنها لا تكشف المنطق الذي جعل الحسين يتحرك على ذلك النحو، وفي تلك اللحظة، وبتلك الكيفية.
إن الحسين لم يتحرك لأن التضحية قيمة مطلقة، ولم يتحرك لأنه كان يطلب مواجهةً مجردة، ولم يتحرك لأنه كان يراهن على انتصار عسكري قريب. لقد كان يتحرك وفق منطق تاريخي متكامل، يبدأ بإدراك أن الأمة بلغت لحظة لم يعُد يجوز فيها تأجيل المواجهة، ثم ينتقل إلى استنفاد أقصى ما تسمح به القدرة في مقاومة الانحراف، ثم يتجاوز حدود اللحظة كلها، ليراهن على المستقبل أكثر من رهانه على الحاضر.
وهكذا لا تبدو كربلاء مجرد معركة، بل تتحول إلى بنية تاريخية يمكن تحليلها وإعادة اكتشاف قوانينها، والاهم من كل ذلك، البناء عليها لتحقيق ما حققته الحالة الحسينية من تعديل لانحراف البوصلة..
ومن هنا يمكن ردّ النموذج الحسيني كله إلى ثلاثة أركان متكاملة، لا يكتمل أحدها إلا بالآخر، وهي: إدراك اللحظة الحاسمة، واستنفاد الوسع في مواجهتها، والرهان على المستقبل بوصفه الميدان الحقيقي للانتصار.
ولعل أهمية هذه الثلاثية لا تكمن في أنها تفسر كربلاء وحدها، بل في أنها تمنحنا معيارًا لقراءة كل لحظة حسينية تتكرر في التاريخ. ولذلك سنحاول، بعد استقراء هذه الأركان الثلاثة، اختبارها في ضوء معركة الطوفان، قبل أن ننتقل إلى السؤال الذي يفرض نفسه على الأمة اليوم: ماذا بعد اكتمال اللحظة الحسينية؟ وما الواجب الذي يبدأ عندما تنتهي مهمة الحسين؟
الركن الأول: إدراك اللحظة التاريخية الحاسمة:
لا تبدأ النماذج التاريخية الكبرى بالفعل، بل بالرؤية: فكم من أمة امتلكت الرجال والعدة، لكنها أخطأت تشخيص اللحظة، فضاع جهدها في غير موضعه. وكم من مصلح امتلك الشجاعة، لكنه استعجل المواجهة أو تأخر عنها، فكانت كلفة الخطأ في التوقيت أفدح من كلفة ضعف القوة. ومن هنا كان أول أركان النموذج الحسيني هو امتلاك البصيرة التي تكشف العتبة التي لا يعود بعدها الصمت خيارًا مشروعًا.
- المشهد الحسيني… حين أدرك أن الصمت لم يعد حيادًا:
لم تكن سنة إحدى وستين للهجرة أول مرة يظهر فيها الظلم في تاريخ المسلمين، ولم يكن يزيد هو الحاكم المنحرف الجائر الوحيد الذي عرفته الأمة. فقد سبقت ثم تكررت مظالم وفتن وصراعات كثيرة، ومع ذلك لم يتحول كل انحراف إلى كربلاء، ولم يتحول كل ظلم إلى واجب يستدعي استنفاد الأمة لأقصى طاقتها في مقاومته.
غير أن الحسين، أو هكذا يكشف لنا نموذجه، أدرك أن الأمة لم تعد تواجه مجرد فساد في السلوك السياسي، بل أصبحت تقف على عتبة أخطر بكثير؛ عتبةٍ لم يعد فيها الانحراف مجرد مخالفة للقيم، بل مشروعًا لإعادة تعريف القيم نفسها.
ولذلك لم يكن جوهر اعتراضه على يزيد شخصه وحده، وإنما ما يمثله من انتقال نوعي في مسار الأمة. وقد عبّر عن ذلك بأبلغ عبارة حين قال: “ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًّا.”. فهو لم يقل: ألا ترون أن الظلم قد وقع؟ وإنما قال: إن الحق نفسه لم يعد مرجعية للعمل، وإن الباطل لم يعد مستقبحا.
وفي موطن آخر أعلن غاية خروجه بقوله: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.
فالإصلاح هنا ليس إصلاح خطأ إداري أو نزاع سياسي، وإنما إصلاح الاتجاه الذي بدأت تنحرف إليه الأمة.
ومن هنا نفهم أيضًا مغزى خروجه من مكة إلى كربلاء. فلم يغادر مثابة الإيمان بحثًا عن معركة عسكرية، بل انتقل إلى منصة الشهادة على التاريخ، بعدما أدرك أن بقاءه صامتًا سيكون أبلغ خدمة للانحراف من أي بيان ينطقه بلسانه.
- قراءة المشهد في ضوء فقه التدافع ومقاصد الشريعة:
يكشف هذا المشهد عن أول أركان النموذج الحسيني، وهو القدرة على تشخيص اللحظة التاريخية الحاسمة.
فالسؤال الحسيني لم يكن حول ما إذا كان الفساد موجودا أم لا، لأن الفساد ظاهرة ملازمة للتاريخ البشري، وإنما كان حول العتبة التي بلغها الفساد، عما إذا كان ذلك الانحراف لا يزال محتوى داخل المنظومة القيمية للأمة، فيمكن إصلاحه، أو أنه قد بدأ هو نفسه يحتوي تلك المنظومة ليشكل بنية ضرارا لها، فتصبح لها سلطة إعادة تعريف المعروف والمنكر، والعدل والظلم، والشرعية والانحراف..
وهنا يظهر، في تقديرنا، النقص الذي ظل يلازم كثيرًا من المعالجات الفقهية والسياسية: فقد انشغل جانب كبير من الفقه السني بالخصوص، بالسؤال عن القدرة، وجعلها مناطًا رئيسًا للتكليف، بينما انشغل جانب كبير من الفقه الشيعي بتعظيم النموذج الحسيني، دون أن يبلور بصورة كافية الضابط الذي يجعل استدعاءه واجبًا في لحظة دون أخرى.
في حين، استطاع النموذج الحسيني أن يكشف أن التكليف التاريخي لا يتحدد بالقدرة وحدها، بل بتفاعلها مع طبيعة الخطر. فحين يكون الخطر واقعًا على بعض المصالح، قد يكون الصبر هو الفقه، أما حين يصبح الخطر موجهًا إلى البوصلة نفسها، فإن الصمت يتحول من خيار تكتيكي إلى تنازل استراتيجي عن المعنى.
وهذا هو أصعب سؤال في فقه التدافع كله؛ لأن الخطأ فيه مكلف في الاتجاهين. فالتعجل في إعلان اللحظة الحسينية قد يقود إلى استنزاف الأمة في معارك لم تنضج شروطها، بينما يؤدي التأخر في إدراكها إلى أن يتحول الانحراف من استثناء إلى قاعدة، ومن واقع مفروض إلى مرجعية تُقاس بها الأجيال.
- حين يتكرر القانون في تاريخ الإنسانية:
لم يكن هذا الإدراك حكرًا على الحسين، بل هو قانون تكرر في تجارب إنسانية كبرى:
فعندما أدرك عمر المختار مثلا، أن الاحتلال الإيطالي لم يظل مجرد احتلال لأرض، بل مشروعًا لاقتلاع هوية ليبيا ودينها وذاكرتها، حينها لم يعد ينظر إلى المقاومة باعتبارها مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وجودية. ولذلك استمرت مقاومته أكثر من عشرين عامًا (1911-1931)، رغم اختلال ميزان القوة بصورة ساحقة، ثم انتصر نهجه بعد استشهاده بعشرين سنة أخرى (1951). فهو قد فجر اللحظة الحسينية بأريعين سنة، قبل أن تؤتي ثمارها استقلالا.
وكذلك يوسف العظمة، حين خرج إلى ميسلون سنة 1920م، لم يكن يجهل أن الجيش الفرنسي أقدر منه عدةً وتنظيمًا، لكنه أدرك أن دخول دمشق بلا مقاومة سيحوّل الاحتلال من غلبة عسكرية إلى شرعية تاريخية، فاختار أن يُعيب شرعيته بالمقاومة الصفرية،، ليثبت في ذاكرة الأمة أن العجز عن الانتصار لا يبرر التخلي عن الشهادة على الحق، ليتحقق ثمار ذلك الموقف بعد واحد وعشريين سنة (1941).
إن الجامع بين هذه النماذج ليس حجم التضحيات، وإنما القدرة على إدراك اللحظة التي يصبح فيها السكوت مشاركة في صناعة الهزيمة المعنوية قبل الهزيمة العسكرية.
يخطئ من يظن أن أول أركان الحالة الحسينية هو الشجاعة، أو حتى الاستعداد للتضحية، وإنما هو الوعي التاريخي؛ أي القدرة على تشخيص اللحظة التي ينتقل فيها الصراع من خلاف على المصالح إلى مناجزة على المعايير، ومن نزاع على السلطة إلى نزاع على بوصلة الأمة نفسها.
فمجرد التضحية لا تصنع كربلاء، وإنما يصنعها أولًا إدراك اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على المعيار أغلى من الحفاظ على المكسب، ويصبح فيها تأجيل الموقف أخطر من كلفة اتخاذه.
الركن الثاني: استنفاد الوسع الأخلاقي والتاريخي:
غير أن إدراك اللحظة، على أهميته، لا يمنح وحده شرعية الفعل: فبين لحظة الوعي ولحظة المواجهة مسار طويل من المسؤولية، لا يكتمل إلا باستنفاد كل الوسائل المشروعة التي تحول دون الوصول إلى الصدام. فالنموذج الحسيني لا يعلمنا فقط كيف نستنفد الجهد حين يرتفع مستوى الخطر، بل يعلمنا قبل ذلك كيف نجعل القتال آخر الخيارات، بعد أن تستنفد الكلمة والحجة والإصلاح كل ما في وسعها.
– المشهد الحسيني… حين أصبح السيف آخر الحجج لا أولها:
إذا كان الركن الأول قد كشف أن عبقرية الحسين بدأت بقدرته على تشخيص اللحظة التي لم يعد يجوز فيها الصمت، فإن الركن الثاني يكشف أنه، رغم هذا الإدراك، لم يجعل السيف خياره الأول، ولا حتى الثاني، وإنما آخر ما بقي من الوسائل المشروعة.
لقد كان بإمكانه أن يختزل الطريق كله في المواجهة، لكنه لم يفعل. فمنذ أن طُلبت منه البيعة ليزيد، بدأ رحلة طويلة من استنفاد كل أبواب الإصلاح الممكنة؛ تريثه الطويلة بعد استشهاد أخيه الحسن، ثم رفضه البيعة ليزيد، فمغادرته المدينة حتى لا تتحول إلى ساحة اقتتال، واتجه إلى مكة، ثم خاطب الأمة برسائله وخطبه، واستجاب لكتب أهل الكوفة، وأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، ليتحقق من صدق دعوتهم، وحاور من اعترض طريقه، وأقام الحجة على من لقيه في مسيره، حتى إذا أحاطت به الجيوش في كربلاء لم يعتبر أن باب البيان قد أُغلق، بل عاد يخاطبهم مرة بعد أخرى، يذكرهم بالله، وبرسول الله ﷺ، وبأنفسهم، وبمصيرهم.
وكان من أبلغ ما قاله في تلك اللحظات: “فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًّا؛ فإني لا أرى الموت إلا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برمًا..”
ثم أعلن: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر..”
وحين اشتد عليه الحصار، وهو في اثنين وسبعين مقاتلا، وحين اندفع بعض القوم نحو خيام النساء والأطفال ليحرقوها عليهم، لم يخاطبهم بمنطق الثأر، بل استنهض فيهم آخر ما بقي من إنسانيتهم قائلاً: “إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم”. وكأن الحسين، حتى في اللحظة التي أحاط به فيها الموت من كل جانب، لم يتوقف عن إقامة الحجة، ولم يتخل عن محاولة إيقاظ ما تبقى من ضمير لدى محاربيه.
– قراءة المشهد في ضوء فقه التدافع ومقاصد الشريعة:
وهنا تتجلى إحدى أعمق خصائص النموذج الحسيني؛ فهو لا يقوم على استنفاد القوة، وإنما على استنفاد المشروعية.
فالحسين لم ينتقل من مرحلة إلى أخرى إلا بعد أن استنفد مقتضيات المرحلة السابقة. فلم يحمل السيف قبل أن يستنفد البيان، ولم يجعل المواجهة أول الخيارات، بل آخرها، ولم يتحول إلى القتال إلا حين لم يبق في دائرة الإصلاح سبيل مشروع لم يسلكه.
ومن هنا فإن استنفاد الوسع لا يعني مجرد بذل أكبر قدر من الجهد، بل يعني استنفاد كل الوسائل المشروعة التي يمكن أن تمنع الوصول إلى المواجهة، ثم استنفاد كل مقتضيات المسؤولية الأخلاقية بعد وقوعها. ولذلك ظل الحسين يقيم الحجة حتى وهو في قلب المعركة، لأن المعركة عنده لم تكن صراعًا على الغلبة، وإنما كانت صراعًا على الحقيقة.
وهذا ما يمنح النموذج الحسيني شرعيته الأخلاقية والتاريخية؛ إذ لم يترك لخصومه أن يقولوا: لم نُنبَّه، أو لم نُمهل، أو لم نجد من يذكرنا. لقد أغلق كل أبواب الاعتذار قبل أن يفتح باب القتال.
ومن هنا، فإن الشريعة لا تكتفي بأن يكون الهدف مشروعًا، بل تشترط أن تكون مراحل الوصول إليه مشروعة أيضًا. فلا يجوز القفز إلى الوسيلة الأخيرة ما دامت الوسائل التي قبلها لا تزال ممكنة، كما لا يجوز التوقف عند الوسائل الأولى إذا أصبحت عاجزة عن دفع الانحراف. وهكذا تتدرج المسؤولية بتدرج الواقع، حتى يصبح الانتقال من مرحلة إلى أخرى نفسه جزءًا من فقه التدافع.
- حين يتكرر القانون في تاريخ الأمم:
وهذا القانون لم يكن خاصًا بالحسين، بل تكرر في تجارب تاريخية كبرى.
فقد أمضى الأمير عبد القادر الجزائري سنوات في بناء الدولة، وعقد المعاهدات، والالتزام بها، والسعي إلى تنظيم علاقة تحفظ للجزائر كرامتها واستقرارها. ولم يحمل السلاح إلا بعدما استنفد إمكانات التفاهم، وتأكد أن الطرف الآخر لا يتعامل مع الاتفاقات إلا بوصفها هدنة مؤقتة لاستكمال مشروع الاحتلال. وحتى في الحرب بقي ملتزمًا بأخلاقها، حتى شهد له خصومه قبل أن يشهد له أنصاره.
وكذلك عمر المختار، الذي لم يجعل المقاومة غاية في ذاتها، بل اضطر إليها بعدما استنفد كل إمكانات التفاهم، ثم ظل طوال سنوات جهاده يقبل الهدنة إذا كانت تحفظ للناس دينهم وكرامتهم، ويعود إلى القتال حين يثبت أن الهدنة أصبحت وسيلة لتوسيع مشروع الإبادة والاستيطان. فلم يكن يقاتل لأن الحرب خياره، بل لأن كل الخيارات الأخرى أُغلقت.
ولم يختلف الأمر كثيرًا عند عبد الكريم الخطابي؛ فقد بدأ بمحاولات تنظيم العلاقة مع الوجود الإسباني، ولم يتجه إلى المواجهة الشاملة إلا بعدما اتضح أن المشروع الاستعماري لا يريد شراكة ولا إصلاحًا، وإنما إخضاعًا كاملًا. وبعد اندلاع الحرب لم يكتف بالقتال، بل استنفد كل ما تسمح به القدرة من تنظيم، وإدارة، وقضاء، ودبلوماسية، وإعلام، حتى أصبحت المقاومة مشروعًا حضاريًا لا مجرد فعل عسكري.
إن الجامع بين هذه النماذج ليس أنها حملت السلاح، بل أنها لم تحمله إلا بعد أن استنفدت كل ما يمنح حمله مشروعيته.
وهكذا، فإن الركن الثاني للحالة الحسينية لا يتمثل في كثرة التضحية، ولا في شدة القتال، وإنما في استنفاد المشروعية قبل استنفاد القوة. فالحسين لم يجعل الدم أول الحجج، بل آخرها، ولم يجعل السيف بداية الإصلاح، بل خاتمته. ولذلك لم يكن همه أن يربح المعركة بأي وسيلة، وإنما أن يلقى الله والتاريخ وقد استنفد كل وسيلة مشروعة كان يمكن أن تمنع سفك الدماء، ثم استنفد، بعد ذلك، كل ما تقتضيه الأمانة من ثبات وتضحية.
ومن هنا لا يقاس النموذج الحسيني بعدد من قاتلوا معه، ولا بنتيجة يوم عاشوراء، وإنما يقاس بحقيقة أنه لم يبق في دائرة الإمكان سبيل مشروع كان ينبغي أن يُسلك ولم يُسلك، ولا حجة كان ينبغي أن تُقام ولم تُقم. وهنا يتحول الفعل من مجرد مقاومة إلى شهادة، ومن مجرد تضحية إلى حجة باقية على التاريخ.
الركن الثالث: الرهان على سنن التاريخ لا على وقائع اللحظة:
وإذا كان إدراك اللحظة هو شرط صحة البداية، واستنفاد المشروعية هو شرط صحة المسار، فإن الركن الثالث يكشف معيار النجاح نفسه: فليست كل المعارك تُقاس بنتائجها المباشرة، ولا كل الهزائم هزائم في ميزان التاريخ. ذلك أن هناك رجالًا يتحركون لربح لحظتهم، وآخرين يتحركون لصناعة مستقبل أمتهم. وهنا تتجلى خصوصية الحسين؛ إذ لم يكن يراهن على انتصار يوم، بل على انتصار معيار يبقى حيًا في ضمير الأجيال.
– المشهد الحسيني… حين لم يعد النصر هو معيار الفعل:
إذا كان الحسين قد أدرك اللحظة التي لم يعد يجوز فيها الصمت، ثم استنفد كل ما تتيحه المشروعية من وسائل الإصلاح قبل أن يحمل السيف، فإن الركن الثالث يكشف عن أعمق أسرار النموذج الحسيني؛ إذ يجيب عن سؤال ظل يتردد منذ عاشوراء محرم 61 إلى اليوم: كيف يقدم إنسان “عاقل” على معركة يعلم أن موازينها العسكرية لا تمنحه أملًا في الانتصار القريب؟
غير أن هذا السؤال نفسه يقوم على افتراض يحتاج إلى مراجعة؛ إذ يفترض أن الحسين كان يخوض معركةً من أجل ربح اللحظة، بينما تكشف كربلاء أنه كان يخوض معركةً من أجل حماية المستقبل.
فلم يكن يطلب سلطة، ولا ينازع على مُلك، ولا يخطط لانتصار عسكري سريع، بل كان يرى أن أخطر ما يمكن أن تخسره الأمة ليس معركةً الحاضر، بل الاستجابة لتحدي المستقبل. ولذلك لم يكن همه أن يربح يوم عاشوراء، بل أن يمنع يوم عاشوراء من أن يتحول إلى مرجعية لشرعية الباطل، أو إلى لحظة يُعاد فيها تعريف الشرعية بقوة السيف.
ومن هنا لم يكن يقاتل من أجل الحاضر وحده، وإنما من أجل الجيل الذي سيولد بعد عشرات السنين، فيجد أمامه معيارًا يهتدي به إذا التبس عليه الحق بالباطل، والشرعية بالغلبة. لقد كان يعلم أن المعركة العسكرية قد تُحسم في ساعات، أما معركة الوعي فقد تمتد قرونًا، وأن الانتصار فيها هو الذي يحدد اتجاه التاريخ، وكذلك كان.
إذ لم يتأخر التاريخ كثيرًا حتى بدأ يكشف صدق هذا الرهان. فبعد سنوات قليلة فقط من استشهاده، توالت الثورات والانتفاضات التي هزت أركان الدولة الأموية؛ من وقعة الحرة، إلى دولة عبد الله بن الزبير، إلى ثورة التوابين التي أعلنت أن ذنبها الأكبر لم يكن ضعفها، بل تخلفها عن نصرة الحسين، ثم ثورة المختار الثقفي التي جعلت دم كربلاء قضية أمة لا قضية بيت. ولم تكن هذه الحركات متطابقة في أهدافها ولا في نتائجها، لكنها كانت جميعًا دليلًا على أن عاشوراء لم تُنهِ قضية، بل بدأت مرحلة جديدة في الوعي الإسلامي.
ثم بدأ أثر كربلاء يتجاوز ميادين الثورة، إلى داخل بنية السلطة نفسها: فقد نُقل عن معاوية بن يزيد أنه عزف عن الاستمرار في الخلافة، رغم اختلاف روايات المؤرخين حول تفاصيلها، لكنها عكست حجم الأزمة الأخلاقية التي أصبحت تحيط بالحكم بعد كربلاء. وبعد عقود منها، جاء عمر بن عبد العزيز ليوقف سبَّ علي بن أبي طالب على المنابر، بعد أن ظل سياسة رسمية للدولة الأموية زمنًا طويلًا، وليعيد الاعتبار إلى جملة من قيم العدل والإنصاف.
بل حتى نجاح الدعوة العباسية في إسقاط الدولة الأموية، بعد 71 سنة من استشهاد الحسين، لم يكن منفصلًا عن التحول العميق الذي أحدثته كربلاء في مفهوم الشرعية داخل الأمة.
وليس المقصود القول إن كل هذه التحولات كانت حرفيا نتيجة مباشرة لاستشهاد الحسين، فالتاريخ لا تصنعه علة واحدة، وإنما المقصود أن كربلاء كانت لحظة مفصلية في تاريخ الأمة، إذ ساهمت في إعادة تشكيل الضمير السياسي لها، حتى أصبح كثير مما كان يُمارس باسم السلطة موضع مساءلة أخلاقية لم تكن مطروحة بالحدة نفسها من قبل.
وهنا تتجلى الحكمة الحسينية: فهو لم يسقط الدولة الأموية يوم عاشوراء، لكنه نجح في أن يسلبها، على المدى البعيد، احتكارها للشرعية الأخلاقية. إذ بقيت الدولة قائمة عقودًا، لكنها لم تستطع أن تمنع الأمة من أن تسأل، جيلاً بعد جيل عن علاقة الشوكة والغلبة بالشرعية، وعلاقة الحاكم بتحديد قاموس القيم.
وهكذا لم يكن الحسين يراهن على المستقبل لأنه خسر الحاضر، بل كان مستعدًا للتضحية بالحاضر منذ البداية إذا كان ذلك هو الثمن اللازم لحماية مستقبل الأمة. لقد أدرك أن الدول قد تقوم وتسقط، وأن الجيوش قد تنتصر وتنهزم، أما إذا بقي معيار الحق حيًا في ضمير الأمة، فإن التاريخ سيجد دائمًا من يستأنف المسير من النقطة التي توقف عندها الشهداء.
– قراءة المشهد في ضوء فقه التدافع وسنن التاريخ:
وهنا يبلغ النموذج الحسيني ذروة نضجه: ففي الوقت الذي يقيس فيه كثير من الفاعلين السياسيين مقدار نجاحهم بما تحقق خلال فترة حياتهم، أو خلال مدة سلطانهم، أو بما تكشفه نتائج معاركهم.. فإن الحسين قد خرج من هذا الأفق الضيق إلى أفق مدى التاريخ، وأعمار الأجيال. وذلك انسجاما مع منطق القرآن الذي لا يصور التاريخ سلسلةً من الوقائع المنعزلة، وإنما يجعله ميدانًا تتفاعل فيه ثلاثة مستويات متكاملة:
أولها التدافع البشري؛ حيث يبذل الإنسان أقصى ما يستطيع من وعي، وإرادة، وعمل.
وثانيها السنن الإلهية الجارية في التاريخ؛ وهي القوانين التي تجعل الجهد الصادق لا يضيع، وإن تأخر أثره، وتجعل البذور الصالحة تنمو في الزمن الذي يقدره الله، لا في الزمن الذي يستعجله البشر.
أما المستوى الثالث فهو الإرادة الإلهية التي تملك وحدها توقيت الثمار، وكيفية ظهورها، ومداها.
ومن هنا، فإن الحسين لم يكن يراهن على نتيجة لحظية، وإنما كان يراهن على اشتغال السنن. لقد أدى ما يدخل في دائرة التكليف، وترك ما يخرج عنها لخالق السنن.
وهذا هو الفارق بين من يعمل داخل التاريخ، ومن يعمل وفق قوانين التاريخ.
– حين يتكرر القانون في تاريخ الأمم:
لم يكن هذا القانون خاصًا بالحسين، بل تكرر كلما ظهر رجال تجاوزوا أعمارهم، وعملوا لمستقبل لن يعيشوه.
فعندما أُعدم عمر المختار سنة 1931، لم يكن يظن أن ليبيا ستتحرر بعد أشهر، لكنه كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يورثه للأجيال ليس نصرًا عسكريًا مؤقتًا، بل يقينًا بأن الاحتلال لا يصبح شرعيًا مهما طال بقاؤه. ولذلك مات الرجل، بينما بقيت الرواية التي كتبها بدمه أقوى من المشانق التي قتلته.
ولعل تشي غيفارا يقدم نموذجًا آخر لهذا القانون، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مرجعيته الفكرية. فقد خرج من كوبا وهو يدرك أن مشروعه قد ينتهي إلى موته، لكنه كان يراهن على أن الفكرة التي تحملها التضحية قد تعيش أطول من صاحبها. ولذلك بقي رمزًا عالميًا، بينما اختفى كثير من القادة الذين كانوا أقوى منه سلطانًا في زمانهم.
إن الجامع بين هذه النماذج ليس أنها ربحت معاركها، بل أنها رفضت أن تجعل نتائج اللحظة هي المقياس الوحيد لقيمة الفعل.
وهكذا، فإن الركن الثالث للحالة الحسينية لا يتمثل في التفاؤل بالمستقبل، ولا في الصبر على تأخر النصر، وإنما في التحرر من أسر اللحظة التاريخية: فالحسين لم يكن يراهن على المستقبل، لأنه خسر الحاضر، بل كان مستعدًا للتضحية بحاضره منذ البداية، إذا كان ذلك هو الثمن اللازم لحماية مستقبل الأمة.
ومن هنا يمكن اختزال النموذج الحسيني كله في ثلاثية متماسكة:
بصيرة تكشف لحظة الانعطاف التاريخي.
وإرادة تستنفد كل درجات المشروعية قبل استنفاد القوة.
ورؤية تتحرر من أسر اللحظة، وتراهن على اشتغال السنن في صناعة المستقبل.
ولعل هذا هو السر الحقيقي في خلود كربلاء ودثور قاتليه؛ فلم يبق الحسين لأن دمه كان فقط أزكى من دماء غيره، ولا لأن شجاعته كانت أندر من شجاعة غيره، ولا لأن خصومه كانوا أشد ظلمًا من غيرهم.. بل لأنه نجح في أن يحول تضحية لحظة واحدة إلى معيار أخلاقي يحاكم به التاريخ نفسه. وهنا تتحول كربلاء من واقعة إلى قانون، ومن ذكرى إلى سنّة، ومن قصة تُروى إلى نموذج يُهتدى به كلما وقفت الأمم أمام لحظة لا يجوز فيها أن تضيع بوصلتها.




