الشهودالعمران المعنويمن اختيارناموقعنا

واجبات الأمة بعد طوفان الأقصى

فقه ما بعد الحالة الحسينية

5/5

سلسلة: من كربلاء إلى الطوفان: فقه التدافع وواجبات الأمة بعد اللحظة الحسينية

المقدمة:

تواجه الأمم، في لحظات التحول الكبرى، سؤالًا يتكرر في كل عصر، وإن اختلفت صوره، وهو: ما الذي ينبغي فعله الآن؟

غير أن التاريخ يكشف أن الإجابة عن هذا السؤال لم تكن دائمًا رهينة صدق المقاصد، ولا وفرة الإمكانات، ولا حتى عظمة التضحيات؛ بل كثيرًا ما كانت رهينة القدرة على تشخيص نوع التكليف الذي تفرضه اللحظة التاريخية.

فقد تمتلك الأمة من الإيمان ما يكفي، ومن الشجاعة ما يكفي، ومن الموارد ما يكفي، ثم تخفق، لأنها استدعت مقصدًا صحيحًا في غير موضعه، أو تمسكت بنموذج نجح في مرحلة سابقة، بينما كانت السنن قد نقلتها إلى مرحلة أخرى. وكما أن لكل مرحلة من مراحل العمر الإنساني وظائفها التي لا يصلح تقديم بعضها على بعض، أو تأخيرها عنها، فإن لحركة الأمم أيضًا صيرورة تحكمها مقاصد متعاقبة، لا يتحقق النجاح فيها إلا بحسن الانتقال بينها.

وانطلاقًا من هذا التصور، يقترح هذا البحث قراءة جديدة لمسار الأمة، تقوم على أن المشروع الحضاري يمر بأربع وظائف تاريخية كبرى: حفظ الوجود حين يكون الخطر وجوديًا، وحفظ المعنى حين تصبح البوصلة نفسها مهددة، وبناء القدرة حين تستقر المرجعية ويصبح البناء هو فرض الوقت، ثم توجيه القدرة حين تكتمل شروط الانتقال إلى مرحلة التمكين. هذه الوظائف ليست نماذج متنافسة، ولا خيارات مفتوحة أمام الفاعل الحضاري، وإنما حلقات متعاقبة في صيرورة واحدة، يتحدد الانتقال بينها انطلاقا من قانون يحكم العلاقة بين مستوى الخطر ومستوى القدرة.

ومن هنا، فإن هذا البحث لا ينظر إلى الحديبية، والحسينية، والعمران، والفتح، بوصفها أحداثًا تاريخية معزولة، ولا بوصفها مدارس متقابلة، وإنما بوصفها تجليات مختلفة لقانون حضاري واحد: فالحديبية ليست نقيض الفتح، ولا الحسينية نقيض العمران، وإنما لكل منها وظيفة تؤديها في لحظة مخصوصة، ويصبح استدعاؤها خارج شروطها السننية سببًا في اختلال حركة الأمة. ومن هذا المنطلق، يعيد البحث تفسير كثير من النجاحات والإخفاقات التاريخية، باعتبارها إما نتائج لحسن تشخيص التكليف، أو لسوء تشخيصه.

ويتخذ البحث من طوفان الأقصى حالةً تطبيقية لاختبار هذه الفرضية، لا بوصفه حدثًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، وإنما بوصفه لحظة تاريخية، أعادت طرح سؤال التكليف على الأمة كلها: فبدل الاقتصار على الجدل حول نتائج الحدث أو تقويم مآلاته، يسعى البحث إلى الإجابة عن سؤال أعمق، وهو: أيُّ نموذجٍ تاريخي تستدعيه هذه اللحظة؟ وهل يبقى التكليف ثابتًا بعد أن تؤدي هذه المرحلة وظيفتها، أم أنه ينتقل إلى مقصد جديد؟

ولتحقيق ذلك، لا يكتفي البحث بإعادة قراءة النماذج الأربعة، وإنما يقترح إطارًا نظريًا جديدًا، يمكن من خلاله تشخيص واجبات الأمم في مختلف مراحلها، كما يقدم مفهوم فقه ما بعد الحالة الحسينية، بوصفه الفقه الذي يعالج الانتقال من حفظ المعنى إلى بناء القدرة، ومن بناء القدرة إلى توجيهها، حتى لا تتحول اللحظات الاستثنائية إلى حالات دائمة، ولا تتحول التضحيات إلى ذاكرة مجردة، بل إلى منطلق لمشروع حضاري متجدد.

ومن ثم، فإن السؤال الذي يحكم هذا البحث لم يعد هو: أي النماذج أعظم؟ ولا: أيها أصلح على الإطلاق؟، فليس هناك نموذج مستدام الصلاحية، وإنما أصبح السؤال: كيف تُشخِّص الأمة موضعها من الصيرورة التاريخية، حتى تعرف في أيَّ النماذج يكمن التكليف الذي تفرضه اللحظة؟. ذلك أن الأمم لا تنهض لأنها تملك نموذجًا صحيحًا، وإنما لأنها تستدعي النموذج الصحيح في الزمن الصحيح.

ولهذا، فإن هذه الدراسة لا تطمح إلى تقديم قراءة جديدة لطوفان الأقصى فحسب، بل إلى المساهمة في تأسيس فقه التكليف التاريخي، ضمن نموذج تناظر الصيرورة؛ بحيث يغدو التاريخ مصدرًا لاستخراج السنن، وتصبح السنن منهجًا لتشخيص الواقع، ويتحول تشخيص الواقع إلى دليل يرشد الأمة إلى واجبها الحضاري في كل مرحلة من مراحل صيرورتها.

أولا: كيف أعادت فلسطين توجيه البوصلة؟ أو فضل غزة على الأمة:

لا يمكن فهم أثر طوفان الأقصى في الأمة من غير البدء بالثمن الذي دُفع في غزة؛ لأن المعنى الذي عاد إلى الوعي لم يَعُد بخطاب نظري، وإنما عاد عبر دماء ودمار وصمود وتحمل ناءت بحمله الجبال الواسي..غير أن هذا الثمن، على فداحته، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مأساة مجردة، بل بوصفه المدخل إلى سؤال أعمق: ماذا غيّر هذا الثمن في وعي الأمة؟ فقد أعادت فلسطين ترتيب الأولويات، وردّت القضية إلى مركز الوجدان، وكشفت أن البوصلة التي كادت تضيع ما تزال قادرة على جمع الأمة حول معناها المركزي. ومن هنا، فإن الطوفان لا يضع على الأمة واجب التعاطف فحسب، بل ينشئ في ذمتها دَينًا حضاريًا؛ لأن من حفظ للأمة بوصلتها، أنشأ عليها واجب تحويل هذا المعنى المحفوظ إلى مشروع بناء ونهضة.

1.    الثمن الذي دفعه الطوفان:

حين يكتمل اليوم الألف منذ السابع من أكتوبر 2023، لا يكون الزمن وحده قد مضى، وإنما تكون واحدة من أعظم الملاحم في التاريخ الفلسطيني الحديث، قد كشفت عن حجم الثمن الذي يمكن أن تدفعه أمة صغيرة، وهي تؤدي وظيفة تاريخية، تتجاوز حدودها الجغرافية: فخلال هذه الأيام الألف، لم تكن غزة ساحة حرب فحسب، بل كانت ميدانًا تجسد فيه، مرة أخرى، قانون الحالة الحسينية؛ حيث يصبح حفظ المعنى مقدمًا على كل اعتبار آخر، ويغدو الثبات على البوصلة أغلى من كل المكاسب الآنية.

وقد كان ثمن ذلك باهظًا، على نحو غير مسبوق: فقد تجاوز عدد الشهداء ثلاثة وسبعين ألفًا، وبلغ عدد الجرحى أكثر من مائتي ألف بين جريح ومصاب، ونزح نحو مليون وسبعمائة ألف إنسان، أي ما يقارب أربعة أخماس سكان قطاع غزة، فيما تضرر ما يقارب سبعة وثمانين في المائة من الأراضي الزراعية، فضلًا عن عشرات الآلاف من الأيتام والأرامل، ونحو ثلاثة وسبعين ألف طفل فُصلوا عن ذويهم بفعل الحرب. ولم تقتصر الخسارة على البشر والعمران، بل امتدت إلى المدارس، والجامعات، والمستشفيات، ودور العبادة، والمباني الأثرية، والبنية الاقتصادية والاجتماعية التي قامت عليها حياة القطاع لعقود.

غير أن هذه الأرقام، على فداحتها، لا تمثل جوهر الحالة الحسينية، وإنما تمثل ثمنها. فالحالة الحسينية لا تُقاس بعدد الضحايا الذين سقطوا، ولا بحجم الدمار الذي خلفته، كما لا تُقاس بميزان الربح والخسارة العسكرية وحده. ذلك أن وظيفتها التاريخية ليست تحقيق نصر ميداني عاجل، وإنما حماية البوصلة، حين تصبح هي نفسها مهددة؛ وصيانة المرجعية، حين يصبح المعروف والمنكر عرضة لإعادة التعريف.

ومن هنا، فإن قراءة طوفان الأقصى بمنطق النتائج العسكرية وحدها، تمثل اختزالًا لطبيعة الحالة الحسينية، لأنها تنقلها من ميزان السنن إلى ميزان الوقائع الجزئية. أما منهج القياس الذي يقترحه هذا البحث، فهو يقتضي تجاوز السؤال الأول عن  كم ربحت هذه المعركة مكاسب؟، ليصل إلى سؤال: ماذا حمت هذه التضحيات من معنى؟. فإذا كانت قد حفظت للأمة بوصلتها، وأعادت تعريف قضيتها المركزية، وأيقظت وعيها بعد عقود من التراجع، فإنها تكون قد أدت وظيفتها التاريخية، حتى وإن بقيت نتائج الصراع الميداني مفتوحة على احتمالات متعددة.

ولذلك، فإن اليوم الألف لا يمثل مجرد محطة زمنية في ملحمة مريرة، وإنما يمثل شاهدًا على الثمن الذي دُفع في سبيل حفظ المعنى.

وهذا هو المدخل الصحيح لفهم واجب الأمة فيما بعد الحالة الحسينية؛ لأنه لا يتوقف عن حجم التعاطف مع غزة، وإنما ينبغي أن يرتقي إلى استثمار المعنى الذي استودعته غزة بدمائها وأرواحها؟ فهناك يبدأ التكليف الجديد، وهناك يبدأ فقه ما بعد الحالة الحسينية.

2.    ماذا غيَّر الطوفان في الأمة؟

إذا كان أهل الطوفان قد دفعوا ثمنًا باهظًا في سبيل حفظ المعنى، فعلينا أن نتساءل عن حقيقة ما حفظه هذا الثمن؟ إذ التضحيات العظيمة لا تكتسب قيمتها من ذاتها، وإنما من التحول التاريخي الذي تحدثه في ضمير الأمة ومسارها.

ولعل أول هذه التحولات هو إعادة فلسطين إلى مركز الوعي الإسلامي والإنساني، بعد عقود طويلة حاولت فيها مشاريع متعددة أن تحولها إلى ملف سياسي قابل للتفاوض، أو أزمة إنسانية قابلة للإدارة، أو قضية محلية تخص أهلها وحدهم.. فجاء الطوفان ليعيدها إلى موقعها الطبيعي، بوصفها القضية التي تختبر بها الأمة صدق بوصلتها، قبل أن تختبر بها موازين قوتها.

كما أسهم الطوفان في إعادة تعريف طبيعة الصراع؛ إذ لم يعد السؤال يدور حول حدود جغرافية أو ترتيبات أمنية أو نزاع سياسي محدود، بل عاد النقاش إلى جذوره الأولى والمتعلقة بالاحتلال والهوية والعدالة والحق التاريخي.. وبهذا المعنى، لم يُعِد الطوفان تعريف فلسطين فحسب، بل أعاد تعريف العدو أيضًا، بعد أن تراكمت، خلال العقود الماضية، سرديات حاولت إعادة تشكيل صورته في الوعي العربي والإسلامي.

ومن التحولات العميقة التي أحدثها كذلك، تآكل كثير من أوهام التسوية التي قامت على فرضية أن الزمن كفيل بتجاوز القضية، أو أن إدارة الصراع يمكن أن تغني عن حله، أو أن التطبيع السياسي قادر على تجاوز الرفض الشعبي.. فقد أعاد الحدث التأكيد على أن القضايا الوجودية لا تُمحى بتقادم الزمن، وأن المعنى الذي تعجز السياسة عن إلغائه، قد يعود في سابع ما، من أكتوبر ما، ليعيد تشكيل التاريخ برمته.

كما فضح الطوفان، بصورة غير مسبوقة، طبيعة النظام الدولي وحدود الخطاب الحقوقي العالمي، وتناقضات الشعار الدولي الأخلاقي.. فقد بدا التفاوت واضحًا بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، واتسعت الفجوة بين الشعارات الكونية وبين آليات تطبيقها.. الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت تصورها للعدالة الدولية، ولطبيعة المؤسسات التي تدير النظام العالمي. وبدأ الشاب الغربي، ولأول مرة، ينظر في المرآة ليسأل نفسه: من أكون؟

لكن الأثر الأعمق، في تقدير هذا البحث، لم يكن سياسيًا ولا إعلاميًا، وإنما حضاريًا أيضا: فقد أعاد الطوفان بناء جزء مهم من الوعي الجمعي للأمة، وأعاد ترتيب سلم أولوياتها، وأخرج فلسطين من هامش الاهتمام إلى مركزه، ومن ملف تتناوله النخب، إلى قضية تستحضرها الأجيال الجديدة، بوصفها معيارًا أخلاقيًا وحضاريًا. وهكذا، لم يحفظ الطوفان أرضًا فحسب، بل حفظ بوصلةً كانت الأمة في أمسِّ الحاجة إلى استعادتها.

ومن هنا، فإن فضل الحالة الحسينية لا يُقاس بما أحدثته في موازين القوة المباشرة، وإنما بما أحدثته في موازين الوعي. وإذا كانت غزة قد دفعت ثمن إعادة هذه البوصلة إلى الأمة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: هل تغيَّرت الأمة؟ وإنما: هل ستترجم هذا التحول في الوعي إلى مشروع تاريخي جديد؟ وهنا يبدأ، بحق، فقه ما بعد الحالة الحسينية.

3.    لماذا أصبح الطوفان دَينًا حضاريًا في رقبة الأمة؟

إذا كان الطوفان قد أعاد للأمة بوصلتها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ماذا يترتب على من استُعيدت له بوصلته؟

ذلك أن الحالة الحسينية لا تقتصر وظيفتها على حفظ المعنى، بل تُنشئ، بمجرد نجاحها في ذلك، تكليفًا جديدًا يقع على عاتق الأمة كلها. ومن هنا، فإن العلاقة بين الأمة وفلسطين بعد الطوفان لا ينبغي أن ينظر إليها بنفس المنظار، ولا أن تُفهم بمنطق التضامن الإحسان.. وإنما بمنطق الواجب الحضاري الذي تفرضه السنن.

فليس ما تؤديه الأمة تجاه فلسطين منّة وفضلًا منها عليها، لأن الحالة الحسينية بغزة لم تحفظ فلسطين وحدها، وإنما حفظت للأمة كيانها ومرجعيتها، وأعادت إليها مركزية قضيتها، وصانت بوصلتها من الضياع. وبذلك، لم تعد غزة مجرد ساحة قدمت تضحيات جسيمة، بل أصبحت ـ وفق فرضية هذا البحث ـ طرفًا أدى عن الأمة وظيفة تاريخية، كانت تتجاوز حدودها الجغرافية وإمكاناتها الذاتية.

ومن هنا، فإن الشهادة لا تنشئ على الأمة مجرد وفاء عاطفي، وإنما تنشئ واجبًا حضاريًا: فحين تحفظ دماءُ الشهداء معنى الأمة، يصبح التفريط في تحويل هذا المعنى إلى مشروع حضاري تفريطًا في الثمرة التي دفعت تلك الدماء ثمنها. ولذلك، فإن أعظم صور الوفاء للحالة الحسينية الغزاوية ليست الاكتفاء بتمجيد تضحياتها، ولا البقاء في استحضار مأساتها، وإنما الانتقال إلى التكليف الذي فتحته، حتى تتحول البوصلة التي حفظتها إلى قدرة تُبنى، ثم إلى مشروع يُنجز.

وبهذا المعنى، يصبح الطوفان دَينًا حضاريًا في رقبة الأمة؛ لا لأنه يطالبها برد الجميل، فالدماء لا تُجازى، وإنما لأنه نقلها إلى مرحلة جديدة من الصيرورة التاريخية والحضارية: فقد أنجزت الحالة الحسينية وظيفتها في حفظ المعنى، وأصبح على الأمة أن تنجز وظيفتها، في بناء القدرة التي تصون هذا المعنى، وتؤهله لأن يتحول، في أوانه، إلى تمكين حضاري. ومن هنا، فإن التقاعس عن هذا الانتقال لا يكون تقصيرًا في حق فلسطين وحدها، بل يكون إخفاقًا في أداء التكليف الذي أنشأته الحالة الحسينية نفسها.

وهكذا، فإن السؤال الذي يواجه الأمة اليوم، ليس هو ذلك السؤال المتسهلك الذي يطرح عند كل كربة فلسطينية، وهو: كيف نُعبّر عن تضامننا مع غزة؟، وإنما السؤال الحق اليوم هو: كيف نحوّل ما حفظته غزة من معنى إلى مشروع نهضة بالأمة كلها؟

هناك فقط، يبدأ، بحق، واجب ردّ الدَّين، وينقدح فقه ما بعد الحالة الحسينية؛ لأنه الفقه الذي لا يكتفي بحفظ البوصلة، وإنما يجعل منها نقطة الانطلاق نحو بناء القدرة، ثم نحو التمكين.

إن كل حالة حسينية تنجح في حفظ المعنى، تُنشئ، تلقائيًا، تكليفًا جديدًا على من حُفظ لهم ذلك المعنى؛ ولكن ليس بالضرورة أن يقوم من حفظ له المعنى باستثماره كي لا يضيع، فقد يفرغ الحالة الحسينية نفسها من وظيفتها التاريخية.. ويا ما سجل لنا التاريخ من عار، في جبين أمم فرّطت، في دماء حُسَينيّيها. ولا يعني ذلك دعوة مفتوحة لاستنساخ حالة الطوفان واستدامته، بل على العكس تماما من ذلك. إنها دعوة للانتقال من الحالة الحسينية إلى المشروع الحضاري. وبذلك يتم تقدير دماء أهل الطوفان، وأداء الدين الذي هو في الرقبة.

ثانيا: فقه الانتقال من الحالة الحسينية إلى المشروع الحضاري:

إذا كان الطوفان قد نجح في حفظ المعنى وإعادة البوصلة إلى الأمة، فإن السؤال لم يعد يتعلق بتقويم الحالة الحسينية، بل بكيفية الانتقال منها إلى المرحلة التي فتحتها: فالحالة الحسينية ليست نهاية الصيرورة، وإنما نقطة تحول فيها؛ إذ إن استمرار الأمة في استدعاء منطقها بعد أداء وظيفتها لا يقل خطرًا عن التقاعس عن استدعائها حين تكون هي فرض الوقت. ومن هنا، فإن هذا المبحث يدرس ضوابط هذا الانتقال، بدءًا ببيان لماذا لا يجوز أن تتحول الحالة الحسينية إلى إقامة دائمة، ثم كيف تُشخِّص الأمة التكليف الذي تفرضه المرحلة الجديدة، وصولًا إلى بيان أن بناء القدرة لم يعد خيارًا تنمويًا، بل أصبح فرض الوقت الذي أنشأته الحالة الحسينية نفسها.

4.    لماذا لا يجوز البقاء في الحالة الحسينية؟

إذا كانت الحالة الحسينية قد شُرعت لحفظ المعنى عند تعرضه لخطر وجودي، فإن نجاحها في أداء هذه الوظيفة لا يعني أن تتحول إلى المقصد النهائي للمشروع الحضاري: ذلك أن السنن التي تحكم حركة الأمم لا تعرف التوقف عند مرحلة واحدة، وإنما تقوم على الانتقال المتدرج بين المقاصد، بحسب ما تفرضه طبيعة اللحظة التاريخية. ومن هنا، فإن بقاء الأمة في الحالة الحسينية بعد أن تؤدي وظيفتها، لا يقل خطرًا عن انتقالها إليها، قبل اكتمال شروطها؛ لأن كلا الأمرين يمثل خروجًا عن مقتضى الواجب التاريخي.

والسبب في ذلك أن الحسينية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وظيفة تاريخية استثنائية، تستدعيها لحظة، يكون فيها حفظ المعنى مقدمًا على سائر المقاصد. فإذا أُنجز هذا المقصد، وقد تم؛ وأُعيدت للأمة بوصلتها، وقد كان؛ انتقل التكليف بطبيعته إلى المرحلة التالية. أما الإقامة الدائمة في الحالة الحسينية، فإنها تحوّل الاستثناء إلى أصل، والمرحلة إلى غاية، والوسيلة إلى مقصد قائم بذاته، فتتعطّل حركة الأمة عند اللحظة التي كان يفترض أن تكون نقطة انطلاقها نحو البناء.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمم، بعد نجاح الحالة الحسينية، هو أن تختزل الوفاء لها في إعادة إنتاجها، أو في استدامة خطابها، أو في جعل التضحية قيمة مستقلة عن المشروع الذي جاءت لحمايته. فالشهادة لم تُشرع لتتكرر لذاتها، وإنما لتفتح الطريق أمام حياة الأمة، كما أن حفظ المعنى لم يُقصد به أن يبقى معنى مجردًا، وإنما أن يتحول إلى قدرة تبني، وإلى مشروع ينهض، وإلى حضارة تحمل الرسالة التي حُفظت.

ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لأهل الطوفان لا يكون بالمكوث عن ما أنجزوه، وإنما بحسن الانتقال منه إلى ما يقتضيه: فكما لم يكن الوفاء بالحديبية في استمرار سياسة الصبر، بعد أن أصبح الفتح ممكنًا، فكذلك لا يكون الوفاء بالحسينية في استدامة لحظة التضحية، بعد أن يصبح بناء القدرة هو فرض الوقت. إن أعظم تكريم للشهداء ليس الإقامة عند ذكراهم، وإنما أن تتحول التضحيات التي حفظت البوصلة إلى مشروع يعيد للأمة أسباب القوة والنهضة.

وبهذا المعنى، لا يدعو فقه ما بعد الحالة الحسينية إلى تجاوز الحسينية، وإنما إلى تحقيق غايتها. فالغاية ليست أن تبقى الأمة في لحظة حفظ المعنى، وإنما أن تنطلق من المعنى الذي حُفظ إلى بناء القدرة التي تحمله، ثم إلى توجيه هذه القدرة نحو مشروع التحرير والنهضة. فهناك وحده تبلغ الحالة الحسينية تمام رسالتها، وهناك فقط يتحقق الوفاء الحقيقي لها.

5.    كيف نُشخِّص التكليف التالي؟

إذا كان أعظم ما أنجزته الحالة الحسينية هو حفظ المعنى، وإعادة البوصلة إلى الأمة، فإن السؤال الذي يواجهها بعد ذلك هو: ما الذي تفرضه علينا اللحظة التاريخية في هذه المرحلة؟ ذلك أن الانتقال من مقصد إلى مقصد لا تحكمه الرغبات، ولا حجم التضحيات، ولا شدة الحماسة، وإنما تحكمه طبيعة العلاقة بين مستوى الخطر ومستوى القدرة، في كل لحظة تاريخية.

وقد انتهى هذا البحث، في أجزائه السابقة، إلى أن هذه العلاقة هي المعيار الذي يحدد نوع التكليف: فحين يبلغ الخطر حدًّا يهدد وجود الأمة، يكون حفظ الوجود هو فرض الوقت. وحين يتهدد الخطر مرجعيتها وبوصلتها، يصبح حفظ المعنى هو التكليف المتعين. فإذا استقرت البوصلة، وتراجع الخطر الوجودي أو المرجعي إلى الحد الذي يسمح بالانتقال، أصبح بناء القدرة هو الواجب الذي تفرضه المرحلة، لأن الأمة لا تستطيع أن تبقى في لحظة الدفاع عن المعنى إلى ما لا نهاية.

ومن هنا، فإن الانتقال من الحالة الحسينية إلى المشروع الحضاري لا يكون بقرار غريزي، ولا بمجرد الرغبة في تجاوز مرحلة الألم، وإنما بقيام مؤشرات تدل على أن وظيفة حفظ المعنى قد أدت غايتها، وأن استمرار الأمة في استدعاء الخطاب الحسيني لن يضيف إلى المعنى حفظًا جديدًا، بينما سيؤخر بناء القدرة التي أصبح المشروع في أمسِّ الحاجة إليها.

وتتمثل أهم هذه المؤشرات في استقرار البوصلة داخل الأمة، وعودة القضية إلى مركز وعيها الجمعي، واتساع الإدراك بطبيعة الصراع وأولوياته، بحيث لا يعود الخطر الأكبر هو ضياع المعنى، وإنما العجز عن تحويل هذا المعنى إلى قوة علمية، واقتصادية وتقنية ومؤسسية وسياسية.. قادرة على حمل المشروع إلى مرحلته التالية. وعندئذٍ لا يصبح البناء خيارًا من بين خيارات متعددة، بل يغدو فرض الوقت الذي يقتضيه منطق الصيرورة نفسه.

وبهذا المعنى، فإن فقه ما بعد الحالة الحسينية لا يدعو إلى تجاوز حفظ المعنى، وإنما إلى استثماره. فالمعنى الذي لا يتحوّل إلى قدرة، يبقى معرضًا لأن يُهدر من جديد؛ كما أن القدرة التي لا تُبنى في وقتها، تجعل الأمة مضطرة إلى استدعاء حالات حسينية متكررة، تدفع في كل مرة ثمنًا جديدًا لحفظ البوصلة التي كان ينبغي أن تكون قد تحوّلت إلى مشروع نهضة.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم قرار الأمة هو: هل أصبح بناء القدرة هو فرض الوقت؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن كل جهد لا يسهم في هذا البناء، مهما حسنت نيته، يبقى دون مستوى التكليف الذي تفرضه المرحلة.

6.    بناء القدرة: التكليف الذي أنشأته الحالة الحسينية:

إذا كان أهل الطوفان قد نجحوا، وفق فرضية هذا البحث، في أداء الوظيفة الحسينية المتمثلة في حفظ المعنى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك ليس: كيف نستثمر تلك الحالة الحسينية؟، ذلك أن حفظ المعنى لا يمثل الغاية النهائية للمشروع الحضاري، وإنما الشرط الذي يجعل الانتقال إلى المرحلة التالية انتقالًا صحيحًا. فالمعنى الذي لا يتحول إلى قدرة يبقى معرضًا لأن يواجه، في كل جيل، التهديد نفسه الذي استدعى الحالة الحسينية أول مرة.

ومن هنا، يصبح بناء القدرة هو التكليف الذي أنشأته الحالة الحسينية نفسها. ولذلك، فإن أعظم وفاء لتلك التضحيات يكون في تحويلها إلى طاقة بناء، وإلى مشروع نهضة، وإلى إرادة جماعية تعيد للأمة أسباب القوة في مختلف ميادينها.

غير أن هذا الانتقال لا يتحقق بمجرد الشعارات، وإنما يبدأ بتحويل الوعي الذي استعادته الأمة، إلى طوفان وعي: إلى برامج ومؤسسات ومسارات عمل.. فالوعي الذي لا ينتج علمًا، ولا يبني إنسانًا، ولا يعزز للأمة وحدة، ولا يطوّر اقتصادًا، ولا يرسخ استقلالًا تقنيًا.. يبقى وعيًا معلقًا في دائرة الانفعال، دون أن يتحول إلى قوة تغير موازين التاريخ.

ولهذا، فإن بناء القدرة، في هذه المرحلة، لا يمثل خيارًا تنمويًا من بين خيارات متعددة، بل يمثل فرض الوقت الذي تقتضيه السنن: فالأمة التي استعادت بوصلتها، ولم تبادر إلى بناء أسباب قوتها، تكون قد عطلت الثمرة التي جاءت الحالة الحسينية لحفظها، وأبقت نفسها معرضة لتكرار المأساة كلما تبدلت الظروف.

وبهذا المعنى، لا تنتهي الحالة الحسينية عند لحظة الشهادة، وإنما تكتمل عند لحظة العمران. فالشهادة تحفظ الرسالة، والعمران يحملها، والقدرة تحميها، والتمكين يحقق مقاصدها. وهكذا، لا يكون الانتقال من حفظ المعنى إلى بناء القدرة انتقالًا من مرحلة إلى أخرى فحسب، بل انتقالًا من الدفاع عن المشروع إلى صناعته، ومن حماية البوصلة إلى بناء الحضارة التي تسير على هديها.

ومن هنا، فإن فقه ما بعد الحالة الحسينية لا يدعو الأمة إلى تجاوز الذاكرة، وإنما إلى تحويلها إلى أفق؛ لأن الدماء التي حفظت المعنى لا تطلب من الأمة أن تكررها، بل أن تبني عليها. وهناك يبدأ المشروع الحضاري الحقيقي.

ثالثا: فقه ما بعد الحسينية: واجبات الأمة في المرحلة الجديدة:

إذا كان الانتقال من الحالة الحسينية إلى المشروع الحضاري قد أصبح هو مقتضى السنن، فإن هذا الانتقال لا يكتمل بمجرد الوعي به، وإنما يحتاج إلى ترجمة عملية تُعيد تشكيل أولويات الأمة. فكل مرحلة تاريخية تنشئ واجباتها الخاصة، ومرحلة ما بعد الحالة الحسينية تفرض على الأمة أن تنتقل من استحضار التضحيات إلى صناعة القوة، ومن بناء القوة إلى حسن توجيهها، حتى يتحول حفظ المعنى إلى تحريرٍ ونهضة، لا إلى ذاكرة تستعاد عند كل أزمة. ولذلك، يتناول هذا المبحث الواجبات التي تفرضها المرحلة الجديدة، ابتداءً ببناء القدرة بوصفه فرض الوقت، ثم بيان ضوابط توجيه هذه القدرة نحو مشروع التحرير والنهضة، وانتهاءً بتأسيس فقه حضاري دائم يجعل من فلسطين بوصلةً لمشروع الأمة، لا مجرد قضية من قضاياها.

7.    بناء القدرة بوصفه فرض المرحلة:

إذا كان فقه ما بعد الحالة الحسينية قد انتهى إلى أن بناء القدرة هو التكليف الذي تفرضه المرحلة الجديدة، فإن المقصود بهذا البناء لا يقتصر على تنمية بعض الموارد أو تطوير بعض المؤسسات، وإنما يعني الانتقال بالأمة من حالة الوعي إلى حالة الإنجاز، ومن استعادة البوصلة إلى امتلاك الوسائل التي تجعلها قادرة على حمل مشروعها الحضاري. فالحضارات لا تنهض بما تملكه من مشاعر، وإنما بما تنجح في تحويله من وعي إلى قوة، ومن قوة إلى أثر تاريخي.

ويبدأ هذا البناء بالإنسان؛ لأنه الأصل الذي تُبنى عليه سائر القدرات: فلا نهضة بلا إنسان يمتلك الإيمان برسالته، والوعي بواقعه، والكفاءة في أداء وظيفته، والانضباط الذي يحول المعرفة إلى عمل. ومن هنا، فإن بناء الإنسان ليس قطاعًا من قطاعات النهضة، بل هو الشرط الذي تقوم عليه جميع القطاعات الأخرى.

ثم يأتي بناء المعرفة: لأن الأمة التي استعادت بوصلتها لا تستطيع أن تحافظ عليها ما لم تتحول إلى أمة منتجة للعلم والبحث والفكر والابتكار.. لا مجرد مستهلكة لما ينتجه الآخرون. فالعلم ليس ترفًا حضاريًا، وإنما هو أحد أهم صور بناء القدرة في العصر الحديث.

ويتسع البناء بعد ذلك ليشمل القدرة الاقتصادية والتقنية: لأن الاستقلال في القرار لا يتحقق مع الارتهان في الإنتاج، كما لا تُصان الإرادة الحضارية بغير اقتصاد قوي، وتقنية متقدمة، وقاعدة إنتاجية تجعل الأمة قادرة على تحويل رؤيتها إلى واقع.

كما يشمل بناء المؤسسات: إذ لا يكفي أن تمتلك الأمة أفرادًا صالحين أو أفكارًا صحيحة، ما لم تُترجم هذه الطاقات إلى مؤسسات مستقرة تحفظ الإنجاز، وتراكم الخبرة، وتضمن استمرار المشروع عبر الأجيال. فالمؤسسات هي الوعاء الذي تتحول فيه الإرادة الفردية إلى قوة حضارية مستدامة.

ويبلغ هذا البناء تمامه بـ بناء الوحدة الحضارية للأمة: لا بمعنى إلغاء تنوعها، وإنما بتوحيد بوصلتها، وتكامل قدراتها، وربط جهودها في إطار مشروع جامع.

إن الحالة الحسينية قد أعادت للأمة مركزية القضية، أما فقه ما بعدها فيقتضي أن تتحول هذه المركزية إلى مركزية في البناء، حتى تتكامل الطاقات بدل أن تتفرق، وتتراكم الإنجازات بدل أن تتبدد.

ومن هنا، فإن بناء القدرة لم يعد خيارًا تنمويًا، ولا برنامجًا إصلاحيًا، بل أصبح فرض المرحلة: فكل جهد يُسهم في بناء الإنسان، أو إنتاج المعرفة، أو تعزيز الاقتصاد، أو تطوير التقنية، أو ترسيخ المؤسسات، أو توحيد الأمة، لا يمثل عملًا منفصلًا عن قضية فلسطين، بل هو جزء من التكليف الذي أنشأته الحالة الحسينية نفسها. ذلك أن الأمة لا تفي لدماء الشهداء بمجرد استذكارها، وإنما بأن تجعلها نقطة الانطلاق نحو بناء القوة التي تمنع تكرار المأساة، وتفتح الطريق إلى التحرير والنهضة.

8.    توجيه القدرة: حين تصبح النهضة طريقًا إلى التحرير:

إذا كان بناء القدرة هو فرض المرحلة بعد الحالة الحسينية، فإن هذه القدرة لا تُبنى لذاتها، كما لا يُقصد منها مجرد تحقيق التقدم المادي أو تحسين مؤشرات التنمية، وإنما تُبنى لتصبح قادرة على حمل رسالة الأمة وتحقيق مقاصدها التاريخية: فالعمران، في التصور الذي يقترحه هذا البحث، ليس خاتمة الصيرورة الحضارية للأمة، بل هو الجسر الذي تعبر عليه الأمة نحو مرحلة توجيه القدرة، حيث تتحول القوة المتراكمة إلى أثر حضاري واستراتيجي في الواقع.

غير أن هذا الانتقال لا يخضع للرغبات، ولا لضغط المشاعر، ولا لثقل الذاكرة.. وإنما تحكمه السنن نفسها التي حكمت الانتقال إلى الحالة الحسينية: فكما كان الخطأ في استدعاء الحسم قبل اكتمال شروطه، فإن الخطأ لا يقل خطرًا في تأخيره بعد اكتمالها. ولذلك، فإن توجيه القدرة لا يكون مشروعًا إلا إذا استقرت البوصلة، واكتملت مقومات القوة، وأصبح ميزان القدرة يسمح بالانتقال من البناء إلى الفعل دون استعجال أو مجازفة.

ومن هنا، فإن هدف تحرير فلسطين، في حد ذاته، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مشروعًا منفصلًا عن نهضة الأمة، أو حتى ثمرة من ثمارها، وإنما بوصفه جوهر محفزاتها: فالأمة لا تتحرر لأنها تريد التحرير مجردًا، وإنما لأنها بنت الإنسان القادر، والعلم المنتج، والاقتصاد المستقل، والتقنية المتقدمة، والمؤسسات الراسخة، والوحدة الحضارية التي تجعل توجيه القدرة فعلًا مستدامًا، لا اندفاعة عابرة.

وبذلك، فإن العلاقة بين النهضة والتحرير ليست علاقة تعاقب زمني فحسب، ولا حتى علاقة سببية، تدفعها من طبقة حضارية إلى طبقة حضارية أخرى، وإنما هي علاقة علية، تحوّل كينونتها من تكوين حضاري إلى تكوين حضاري جديد؛ إذ كلما اقتربت الأمة من امتلاك عناصر النهضة، اقتربت من امتلاك شروط التحرير. ولذلك، فإن كل جهد يُبذل في بناء القوة العلمية، أو الاقتصادية، أو التقنية، أو المؤسسية، هو، في حقيقته، إسهام مباشر في مشروع تحرير فلسطين، وإن لم يكن في ظاهره عملًا ميدانيًا.

وهنا تتجلى غاية فقه ما بعد الحالة الحسينية؛ فهو لا يدعو إلى استبدال المقاومة بالعمران، ولا إلى استبدال العمران بالمقاومة، وإنما يعيد ترتيب العلاقة بينهما وفق السنن. إذ تحفظ الحالة الحسينية البوصلة، والعمران يبني القدرة، ويفتح توجيه القدرة الطريقَ نحو التحرير.. وهكذا، لا يصبح التحرير مشروعًا معزولًا عن نهضة الأمة، بل يصبح هو التعبير الأعلى عن اكتمالها الحضاري.

ومن ثم، فإن الطريق إلى تحرير فلسطين لا يبدأ من ساحة المعركة، وإنما يبدأ من بناء الأمة التي تصبح قادرة، في أوانها، على خوض تلك المعركة والانتصار فيها. بكل جدارة.

9.    نحو فقه حضاري دائم:

إذا كانت الحالة الحسينية قد حفظت للأمة بوصلتها، وإذا كان فقه ما بعدها قد دلها على كيفية تحويل هذا المعنى إلى قدرة، فإن القيمة الحقيقية لهذا الفقه لا تقف عند حدود الحالة الفلسطينية، ولا عند ظرف تاريخي بعينه، وإنما تتجاوز ذلك إلى بناء منهج حضاري دائم، تستطيع الأمة أن تسترشد به كلما واجهت تحولات كبرى في مسيرتها.

ومن هنا، فإن فلسطين، في هذا التصور، ليست هي نهاية المشروع الحضاري، وإنما هي بوصلة الاتجاه: فهي ليست الغاية التي تنتهي عندها حركة الأمة، بل هي المنطلق الذي يعيد لها منصة الشهود على العالم من جديد، وهي المعيار الذي يعيد ترتيب أولوياتها، ويصحح اتجاهها، ويمنعها من أن تفقد المعنى وهي تبني القوة، أو أن تفقد القوة وهي تحافظ على المعنى. ولذلك، فإن مكانة فلسطين لا تنبع من بعدها الجغرافي وحده، وإنما من وظيفتها الحضارية في إعادة توجيه الأمة نحو رسالتها التاريخية.

وبهذا المعنى، لا يمثل فقه ما بعد الحالة الحسينية معالجة ظرفية لمرحلة معينة، وإنما يقدم منهجًا متجددًا لكل أمة تنجح، في لحظة من تاريخها، في استعادة بوصلتها بعد أن كادت تضيع. فكل مشروع حضاري يمر بلحظات تهدد وجوده، وأخرى تهدد مرجعيته، ثم تأتي لحظة يصبح فيها البناء هو فرض الوقت، قبل أن يحين أوان توجيه القدرة نحو تحقيق مقاصده الكبرى. ومن ثم، فإن الانتقال الصحيح بين هذه المراحل هو الذي يصنع استمرارية الحضارات، ويجنبها الوقوع في آفات التأجيل، أو الاستعجال، أو المجازفة، أو الانشغال.

وهكذا، لا يعود الحدث التاريخي غاية في ذاته، وإنما يصبح نافذة لاكتشاف السنن التي تحكم حركة الأمم. فإذا فُهمت السنن، أمكن تجاوز حدود الواقعة إلى بناء المنهج؛ وإذا تحول المنهج إلى وعي جمعي، أصبح قادرًا على صناعة الحضارة. ومن هنا، فإن القيمة الكبرى للحالة الحسينية لا تكمن في كونها لحظة استثنائية في التاريخ، وإنما في كونها تكشف قانونًا يمكن أن يهدي الأمة في كل مرحلة من مراحل صيرورتها.

وبذلك، ومن خلال كل ما سبق، ينتقل هذا البحث من قراءة حدث تاريخي، إلى اقتراح إطار نظري لفهم حركة الأمم، ومن تفسير الطوفان إلى بناء منهج لتشخيص التكليف الحضاري، ومن استحضار الماضي إلى استشراف المستقبل. فغاية فقه ما بعد الحالة الحسينية ليست أن يبقى أسير الذاكرة، وإنما أن يجعل من الذاكرة طاقة دافعة لصناعة التاريخ.

ليست الحديبية، ولا الحسينية، ولا العمران، ولا الفتح، محطات متفرقة في التاريخ، وإنما حلقات متكاملة في صيرورة واحدة. وكلما أحسنت الأمة تشخيص موضعها من هذه اللحظة التاريخية، أحسنت تشخيص تكليفها، وكلما أحسنت أداء تكليفها، اقتربت من تحقيق رسالتها الحضارية.

الخاتمة:

لقد انطلق هذا البحث من سؤال بدا، في ظاهره، مرتبطًا بمجرد حدث معاصر، وهو طوفان الأقصى، لكنه قاد كما رأينا إلى إشكال حضاري أعمق، تجلى في محاولة الجواب عن كيف تُشخِّص الأمم التكليف الذي تفرضه عليها لحظتها التاريخية؟ وهل يكفي أن تمتلك نموذجًا صحيحًا حتى تحسن الاستجابة للواقع، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في معرفة متى يصبح كل نموذج هو التكليف الصحيح؟

وقد انتهى البحث إلى أن حركة الأمم لا تُدار بمنطق الوصفات الجاهزة، ولا باستدعاء النماذج التاريخية خارج شروطها، وإنما تحكمها صيرورة سننية تنتقل فيها الأمة بين أربعة مقاصد كبرى: حفظ الوجود، وحفظ المعنى، وبناء القدرة، وتوجيه القدرة. وهذه المقاصد ليست مراحل متنافسة، بل حلقات متكاملة في مشروع حضاري واحد، يحدد الانتقال بينها ميزان دقيق يقوم على تشخيص العلاقة بين مستوى الخطر ومستوى القدرة.

ومن هنا، لم يعد الخطأ الأكبر كامن في اختيار نموذج غير صحيح، بل أيضا استدعاء النموذج الصحيح في الزمن الخطأ. فكم من أمة تأخرت حين كان الواجب أن تبادر، وكم من حركة استعجلت حين كان الواجب أن تبني، وكم من مشروع امتلك القدرة فضيعها بسوء توجيهها، وكم من نهضة انشغلت بالبناء بينما كانت لحظة التاريخ تستدعي حماية وجودها أو حفظ معناها.

وفي ضوء هذا الإطار، اقترح البحث مفهوم فقه ما بعد الحالة الحسينية، بوصفه الامتداد الطبيعي للحالة الحسينية، لا القطيعة معها: فإذا كانت الحالة الحسينية، في معركة الطوفان، قد نهضت بوظيفة حفظ المعنى، حين تعرضت بوصلة الأمة لخطر وجودي، فإن نجاحها في أداء هذه الوظيفة لا يعني أن تبقى الأمة مقيمة في تلك اللحظة، وإنما أن تنتقل إلى التكليف الذي أنشأته. فالحسينية لا تبلغ غايتها بتكرارها، وإنما بإثمارها.

ومن هذا المنطلق، لم تعد غزة، في هذا البحث، مجرد ساحة مقاومة أو رمز للصمود، بل أصبحت شاهدًا على قانون حضاري أوسع: فحين دفعت، بدماء شهدائها وصبر أهلها، ثمن حفظ البوصلة، انتقل التكليف إلى الأمة كلها. ولم يعد السؤال: ماذا قدمت غزة؟، لأن التاريخ قد أجاب، وإنما أصبح: ماذا ستبني الأمة على ما قدمته غزة؟ وهنا يتحول الوفاء من خطاب انفعالي غريزي إلى مشروع حضاري، ومن التعاطف إلى مسؤولية، ومن استذكار التضحيات إلى بناء القوة التي تمنع ضياع ثمرتها.

وبذلك، فإن أعظم وفاء للحالة الحسينية في غزة، ليس أن تتكرر معركة الطوفان، وإنما أن تفتح الطريق إلى العمران، وأن يتحول العمران، في أوانه، إلى قدرة راشدة، ثم إلى فتح يحقق مقاصد الأمة في التحرير والنهضة. فالشهادة تحفظ البوصلة، والعمران يبني القوة، والتمكين يحقق الرسالة؛ وبهذا وحده تكتمل الصيرورة الحضارية للأمة.

وإذا كان هذا البحث قد انطلق من قراءة طوفان الأقصى، فإنه ينتهي الآن إلى ما هو أوسع من ذلك؛ إذ يقترح فقهًا للتكليف التاريخي، يجعل من التاريخ مصدرًا لاستخراج السنن، ومن السنن منهجًا لتشخيص الواقع، ومن تشخيص الواقع دليلًا لتحديد واجبات الأمة في كل مرحلة من مراحلها. وعندئذٍ لا يعود التاريخ مجرد سجل للأحداث، بل يصبح مدرسةً لصناعة المستقبل.

فالأمم لا تنهض لأنها تحفظ تاريخها، ولا لأنها تعظم رموزها، ولا لأنها تكثر من تضحياتها.. وإنما تنهض لأنها تحسن قراءة سنن الله في حركة التاريخ، فتؤدي، في كل مرحلة، التكليف الذي تفرضه اللحظة، حتى تبلغ رسالتها الحضارية منتهاها.

ماهر الملاخ

الدكتور ماهر الملاخ- أكاديمي متدرّج في مجالات اللسانيات والتأويل والسيميائيات وسيميولوجيا الصورة، امتد من التكوين اللغوي والتربوي إلى البحث السيميائي المتقدم. تُوّج بإنجاز أطروحة دكتوراة حول بناء نموذج تحليلي جديد للعلامة، يقوم على التوازن بين "الصيرورة" و"التناظر"، تحت اسم: "نموذج تناظر الصيرورة". كاتب وباحث في قضايا السيميائيات والفكر الحضاري والتاريخي والإعلام والصورة. فاعل مهني في مجالات التكوين والإعلام السمعي-البصري. شغل مناصب قيادية واستشارية ومؤسِّسة في مؤسسات إعلامية وطنية ودولية. مخرج ومنتج ومشرف وثائقي لأكثر من 90 فيلمًا ووثائقيًا وسلسلة وبرامج تلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى