نحو تأطير الحالة الحسينية
ضمن حالات التدافع بين الحق والباطل
1/4
من كربلاء إلى الطوفان: فقه التدافع وواجبات الأمة بعد اللحظة الحسينية

مقدمة
زهد كثير من أهل السنة في الاحتفاء بالحسين، خشية أن يفتح ذلك أبواب الغلو التي وقع فيها بعض الشيعة. وغالى بعض الشيعة في الحسين، حتى كاد الرمز يحجب الرسالة، وتكاد العاطفة تطغى على الدرس.
وبين زهد هؤلاء وغلو هؤلاء ضاع شيء ثمين: ضاع الحسين بوصفه نموذجًا تاريخيًا. لا شخصيةً يُختلف حولها، ولا مناسبةً تُستعاد كل عام، ولا قضيةً مذهبية تتجدد فصولها مع كل جيل. بل بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم كيف تتحرك الأمم حين تصل إلى لحظاتها الفاصلة.
ولعل من مفارقات التاريخ أن الأمة التي حفظت تفاصيل كربلاء، أكثر من أي حدث آخر في تاريخها، لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل كربلاء إلى أداة لفهم التاريخ. فانشغل بعضهم بالسؤال: من كان على حق؟ وانشغل آخرون بالسؤال: من يتحمل المسؤولية؟ وانشغل فريق ثالث بتفاصيل الوقائع والأسماء والمواقف.
بينما ظل سؤال آخر أقل حضورًا: ما الذي تكشفه كربلاء عن قوانين التدافع التاريخي نفسها؟
وما الذي يجعل لحظة معينة تتحول إلى لحظة لا يجوز فيها التأجيل؟ وما الذي يجعل التضحية في ظرف ما ضرورة تاريخية، بينما تصبح في ظرف آخر استنزافًا غير مبرر؟
إن المشكلة لا تكمن في كربلاء وحدها، بل في الطريقة التي نقرأ بها التاريخ كله. فكثيرًا ما نتعامل مع النماذج الكبرى بوصفها وقائع محفوظة أكثر مما نتعامل معها بوصفها مفاتيح للفهم. وكثيرًا ما ننشغل بالأبطال، أكثر من انشغالنا بالشروط التي صنعت بطولتهم. وكثيرًا ما نختلف حول الأشخاص، بينما يفلت منا المنطق التاريخي الذي حكم أفعالهم.
ولهذا فإن الحسين ليس مدخل هذه المقالة فحسب، بل إن فقه التاريخ نفسه هو المدخل؛ لأن فهم الحسين، يمر أولًا عبر فهم نوع اللحظة التي كان يواجهها؛ وفهم تلك اللحظة، يمر عبر بناء فقه أوسع للحظات التدافع التي تمر بها الأمم.
فليست جميع اللحظات سواء، وليست جميع التحديات من طبيعة واحدة، وليست جميع الاستجابات متساوية في كل ظرف: فهناك لحظات يكون فيها الصبر فضيلة، وأخرى يصبح فيها التأجيل خطيئة. وهناك مراحل يكون فيها البناء أعظم أشكال الجهاد التاريخي، وأخرى يصبح فيها الدفاع عن البوصلة مقدمًا على كل شيء. كما أن هناك أوقاتأ يكون فيها الحسم واجبًا، وأوقاتا أخرى يتحول فيها الحسم نفسه إلى مغامرة مدمرة.
ومن هنا لا يمكن فهم كربلاء إلا داخل خريطة أوسع للتدافع التاريخي، تضع كل نموذج في موضعه، وتكشف شروط ظهوره، وتبين حدود صلاحيته.
وعلى هذا الأساس تنقسم هذه المقالة إلى جزءين متكاملين:
يحاول الجزء الأول بناء ما يمكن تسميته بفقه التدافع التاريخي، من خلال التمييز بين أنماط اللحظات الكبرى التي تواجهها الأمم، وبيان الاستجابة المناسبة لكل منها، والعواقب التي تنشأ حين يُستدعى نموذج في غير موضعه.
أما القسم الثاني فينتقل من فقه اللحظات إلى فقه الحالة الحسينية نفسها، لا بوصفها حادثة من الماضي، بل بوصفها نموذجًا تاريخيًا قائمًا على ثلاثية مخصوصة: إدراك اللحظة الحاسمة، واستنفاد الوسع في مواجهتها، والرهان على المستقبل أكثر من الرهان على اللحظة.
ثم يحاول اختبار هذه الثلاثية في ضوء معركة الطوفان، قبل أن ينتهي إلى السؤال الذي يبدو اليوم أكثر إلحاحًا من كل ما سبقه: إذا كانت اللحظة الحسينية الطوفانية قد أدت وظيفتها، فما الذي ينتظر الأمة بعدها؟
لأن الأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على اكتشاف لحظاتها الكبرى، ولا بقدرتها على التضحية فيها، بل بقدرتها على تحويل تلك اللحظات إلى مسار تاريخي جديد. وهناك تحديدًا يبدأ السؤال الذي لم يعد سؤال الحسين وحده، ولا سؤال الطوفان وحده، بل سؤال الأمة ومستقبلها.
أولا: نحو تأطير النموذج الحسيني ضمن حالات بين الحق والباطل:
من النادر أن تختلف الأمم، حول قيمة الشجاعة أو قيمة الحكمة أو قيمة الصبر أو قيمة البناء، لكن خلافها العميق يبدأ حين يتعلق الأمر بالسؤال الأصعب: متى تكون الشجاعة واجبًا؟ ومتى تكون الحكمة أولى من الشجاعة؟ ومتى يكون الصبر فضيلة؟ ومتى يتحول إلى تفريط؟ ومتى يصبح البناء أولوية؟ ومتى يغدو الانشغال به غفلة عن خطر يقترب؟
إن التاريخ لا يوزع فضائله بالتساوي على جميع اللحظات: فما يكون حكمة في زمن قد يصبح عجزًا في زمن آخر؛ وما يكون بطولة في ظرف معين، قد يتحول إلى استنزاف في ظرف مختلف. ولذلك لا تكمن المعضلة الكبرى في معرفة القيم، بل في معرفة اللحظة التي تستدعي كل قيمة.
ومن هنا وقع كثير من الاضطراب في قراءة التاريخ الإسلامي: فثمة من تعامل مع نماذجه الكبرى بوصفها وصفات أبدية صالحة لكل زمان ومكان؛ فحوّل “صلح الحديبية” إلى منهج دائم، أو جعل من “معركة كربلاء” النموذج الذي يجب أن يُستدعى في كل مواجهة، أو رأى في “فتح مكة” الجواب المناسب لكل تحدٍّ، أو اعتبر انخراط العثمانيين في العمران غايةً تتقدم على كل ما سواها.
وثمة من ذهب إلى الطرف المقابل، فتعامل مع تلك النماذج باعتبارها وقائع استثنائية مغلقة على أصحابها وظروفها، لا تحمل للأجيال اللاحقة سوى قيمة التذكر والتمجيد، وفي الحالتين يضيع جوهر المسألة.
فالنماذج الكبرى ليست وصفات جاهزة، كما أنها ليست حوادث معزولة. إنها استجابات مختلفة لشروط تاريخية مختلفة. وما يمنحها قيمتها ليس تكرار صورها، بل فهم المنطق الذي أوجدها.
فالحديبية لم تكن فضيلة لأنها حديبية، بل لأن اللحظة كانت تقتضيها. وفتح مكة لم يكن ضرورة لأنه فتح، بل لأن شروط الحسم كانت قد نضجت. وكربلاء لم تصبح رمزًا لأنها تضحية، بل لأنها جاءت في لحظة أصبح فيها تأجيل المواجهة أخطر من المواجهة نفسها.
ولذلك سنتحدث في هذا الجزء الأول عن موضوعين: حالات التدافع وشروطها، والاخطاء المرتكبة حين استدعاء الحالة دون شروطها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل قراءة للتاريخ ليس: من كان على حق؟؛ بل: ما طبيعة اللحظة التي كان يواجهها؟
لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد ما إذا كانت الحكمة في الصبر أو في الحسم، في البناء أو في المواجهة، في الانتظار أو في التضحية.
وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى التاريخ الإسلامي، بوصفه مجالًا لتدافع، تحكمه أربعة أنماط كبرى من اللحظات التاريخية، لكل واحد منها شروطه الخاصة، واستحقاقاته الخاصة، وعواقبه الخاصة. ومن دون إدراك هذا الفقه يصبح من السهل أن تُستدعى كربلاء حيث تكون الأمة في حاجة إلى الحديبية، أو تُستدعى الحديبية حيث يكون التاريخ نفسه قد دخل لحظة حسينية لا تقبل التأجيل.
ونحن بصدد الحديث عن الحالة الحسينية، كموضوع للتحليل، لا نعتبرها إلا حالة من ضمن أربع حالات، كل منها لها شروطها واستحقاقاتها واحتمالات مآلاتها. إذ يمكن النظر إلى التدافع التاريخي بوصفه محكومًا بعاملين رئيسيين:
الأول: طبيعة اللحظة التاريخية: حيث نطرح سؤال: هل نحن أمام لحظة حاسمة لا يحتمل فيها التأجيل؟ أم أمام لحظة ما يزال الزمن يسمح فيها بالتدرج والتراكم؟
والثاني: ميزان القدرة: هل تملك الأمة من عناصر القوة ما يسمح لها بالتأثير المباشر؟ أم أنها تتحرك في ظل اختلال واضح في موازين القوى؟ ومن تفاعل هذين العاملين تتولد أربعة أنماط كبرى من التدافع التاريخي.
– الحالة الأولى: لحظة غير حاسمة مع ضعف القدرة:
ففي التجربة الإسلامية مثّل صلح الحديبية لم تكن موازين القوة تسمح بمواجهة حاسمة، كما لم تكن الدعوة الإسلامية قد استكملت بعدُ شروط الانتقال إلى مرحلة الحسم. ولهذا كان القبول بالصلح وتقديم بعض التنازلات من أجل إعادة ترتيب للطريق المؤدي إلى الأهداف الكبرى، ولم يكن تراجعًا عن تلك الأهداف كما فهم بعض الصحابة. غير أن السنوات القليلة اللاحقة أثبتت أنه كان استثمارًا استراتيجيًا في الزمن، مكّن المسلمين من توسيع دائرة الدعوة، وبناء التحالفات، وتعزيز القوة، حتى انتهى المسار إلى فتح مكة نفسه.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار تجربة الحزب الشيوعي الصيني، خلال مرحلة «المسيرة الكبرى» (1934-1935): وبغض النظر عن القيم الحاكمة لكل تجربة، إلا أن السياق بينهما هو نفسه، وبالتالي فالمنطق التاريخي يكاد يكون واحدًا: فقد أدركت القيادة الصينية آنذاك أن الدخول في مواجهة حاسمة مع القوى المتفوقة عسكريًا قد يقود إلى القضاء على المشروع بأكمله، فاختارت الانسحاب الاستراتيجي، وإعادة بناء قوتها بدل استنزافها في معركة غير ناضجة الشروط. وقد بدا ذلك لكثيرين هزيمة أو تراجعًا، لكنه تحول لاحقًا إلى أحد الأسس التي مكنت الحركة من إعادة تنظيم صفوفها وتغيير ميزان القوى تدريجيًا لصالحها.
وفي الحالتين، لم يكن الإنجاز الحقيقي هو كسب معركة آنية، بل كسب الزمن نفسه، ما دام الكيان محفوظا. فبعض اللحظات التاريخية لا يكون الانتصار فيها في التغلب على الخصم مباشرة، وإنما في منع الخصم من فرض توقيت المعركة، وفي بناء الشروط التي تجعل الحسم ممكنًا في المستقبل. وهنا تحديدًا تتجلى الحكمة الحديبية: أن تعرف متى يكون تأجيل المواجهة جزءًا من النصر لا هروبًا منه، ومتى يكون الصبر الاستراتيجي أكثر فاعلية من البطولة المتعجلة.
فكيف إذن تعامل الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة مع الحالة الحديبية؟
لا ينظر الفقه الإسلامي إلى الصبر الاستراتيجي، في لحظات الضعف، بوصفه تنازلًا عن المبادئ، ولا بوصفه تراجعًا عن الغايات، وإنما ينظر إليه بوصفه اجتهادًا في ترتيب الأولويات وفق منطق المقاصد والمآلات: فالشريعة لا تطالب الأمة بأن تخوض كل معركة، وإنما تطالبها بأن تخوض المعركة التي آن أوانها، وبالوسائل التي تحقق مقصودها، لا التي تستنزفها قبل أن تبلغ غايتها
ولهذا احتل فقه المآلات مكانة مركزية في النظر المقاصدي؛ إذ قرر الأصوليون، وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي، أن “من شروط صحة الاجتهاد النظر في ما تؤول إليه الأفعال قبل الإقدام عليها”، لأن العمل الذي يكون مشروعًا في ذاته، قد يصبح غير مشروع، إذا ما أدى إلى مفسدة أعظم، كما أن التأجيل الذي يبدو في ظاهره تراجعًا، قد يكون في حقيقته أقصر الطرق إلى تحقيق المقصود.
ومن هنا جاءت القواعد الكبرى التي تحكم هذا النوع من اللحظات، مثل: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، و”يُرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما”، و”المشقة تجلب التيسير”، و”الضرورات تُقدَّر بقدرها”.
وعليه، فإن المقصد الأعلى الذي تحكمه هذه الحالة ليس مجرد تجنب الخسارة، بل حفظ المشروع الحضاري للأمة حتى لا يُستنزف قبل أن يشتد عوده. فحماية المستقبل قد تقتضي أحيانًا تأجيل المواجهة، لأن الشريعة لا تقيس النجاح بما يقع في اللحظة، وإنما بما يحقق مقاصدها في المآل.
– الحالة الثانية: لحظة حاسمة مع توفر القدرة:
تمثل معركة بدر وفتح مكة وحطين أبرز تجليات هذا النموذج في التجربة التاريخية الإسلامية:
ففي بدر لم يكن المسلمون قد بلغوا مرحلة التفوق العددي، لكنهم كانوا قد تجاوزوا مرحلة الاستضعاف، وامتلكوا من التنظيم والإرادة والقدرة، ما سمح لهم بفرض حضورهم في معادلة الصراع.
أما فتح مكة فقد جاء بعد سنوات من التراكم التنظيمي السياسي والعسكري والدعوي.. ما جعل شروط الحسم المرحلي مكتملة. وكذلك كانت معركة حطين ثمرة مشروع طويل، من إعادة البناء السياسي والعسكري والعلمي.. قاده نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، حتى أصبحت لحظة التحرير ممكنة. ففي جميع هذه النماذج لم يكن التردد حكمة، لأن الزمن كان قد أنجز وظيفته، وأصبح المطلوب هو استثمار ما تراكم من قوة في إحداث التحول التاريخي المنشود.
يشابه ذلك، قرار الحلفاء، في الحرب العالمية الثانية، فتح الجبهة الغربية، بإنزال النورماندي سنة 1944، وهو الذي قلب معايير الحرب برمتها: فلم تكن سنوات الحرب السابقة مجرد انتظار، بل كانت مرحلة استنزاف لقدرات ألمانيا، وبناء متدرج للقوة العسكرية والصناعية واللوجستية للحلفاء. وحين اكتملت الشروط لم يعد التأجيل مكسبًا، بل أصبح خطرًا يهدد بإطالة أمد الحرب وإهدار ما تحقق من تفوق. ولذلك تحول الإنزال إلى لحظة حاسمة نقلت الصراع من مرحلة التمهيد الطويل، إلى مرحلة تغيير الواقع مباشرة.
وفي الحالتين لم يكن الإنجاز الحقيقي في مجرد امتلاك القوة، بل في معرفة اللحظة التي ينبغي الانتقال فيها من التراكم إلى الفعل. فهناك أوقات يكون فيها الصبر فضيلة، لكن الاستمرار فيه بعد اكتمال الشروط يتحول إلى تردد. وهناك مراحل يكون فيها الانتظار ضرورة، لكن الإصرار عليه بعد نضج الفرصة يتحول إلى إهدار للتاريخ. وهنا تتجلى الحكمة الفتحية؛ إذ لا يكون الواجب كسب الزمن، بل استثماره، ولا يكون المطلوب بناء القوة فحسب، بل توظيفها في إحداث التحول الذي جرى إعداد شروطه عبر سنوات طويلة من التراكم والصبر والبناء.
وهنا أيضا نطرح السؤال التالي: كيف تعامل الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة مع الحالة الفتحية؟
إذا كانت الحالة الحديبية ترشد الأمة إلى كيفية بناء القوة، فإن الحالة الفتحية تجيب عن السؤال الثاني: متى يصبح استعمال القوة واجبًا لا خيارًا؟
فالفقه الإسلامي لا يجعل المبادرة إلى الحسم أصلًا دائمًا، كما لا يجعل التردد فضيلة مطلقة، وإنما يربط كلا الأمرين بتحقق مناطهما: فإذا بلغت الأحداث نقطة فاصلة، واكتملت شروط القدرة، وأصبح بقاء المانع أخطر من إزالته، انتقلت الشريعة من فقه التدرج إلى فقه الحسم، ومن منطق الإعداد إلى منطق الإنجاز.
ولهذا جاءت نصوص الشريعة وأحكامها مؤسسة على قاعدة جوهرية، وهي أن “القدرة مناط التكليف”. فلا يُكلف الله أمة بما تعجز عنه، كما لا يعذرها في ترك ما أصبحت قادرة عليه.
على أن كاتب هذه السطور، يرى أن تنزيل قاعدة “القدرة مناط التكليف” على المجال الحضاري، يحتاج إلى استكمال بمعيار آخر، يتجاوز ثنائية “القدرة والعجز”، هو “طبيعة الخطر” الذي يواجه الأمة، والذي يستحضر ثنائية “الوجود والعدم”، وهو ما سيأتي بيانه عند الحديث عن الحالة الرابعة.
ومن هنا قرر الفقهاء أن الأحكام تتغير بتغير القدرة والعجز، وأن الواجب قد يتأخر لغياب الاستطاعة، لكنه يتعين متى اكتملت شروطها. ولذلك كانت القاعدة الأصولية: إذا تعين الواجب وجب، تعبيرًا عن هذه اللحظة التي يصبح فيها التردد نفسه إخلالًا بالمسؤولية.
وتلتقي هذه الرؤية مع مقاصد الشريعة في حفظ الدين والأنفس والأوطان والحقوق، لأن إزالة العدوان والظلم ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لتمكين الناس من العدل والحرية وإقامة الحق. ولهذا لم يكن الجهاد في التصور الإسلامي مقصودًا لذاته، بل كان وسيلة لرفع الموانع التي تحول دون قيام الرسالة، وإزالة القوى التي تمنع الإنسان من الاختيار الحر وتفرض عليه الظلم والاستبداد.
وكما ينظر الفقه الإسلامي إلى التعجل قبل نضج القدرة بوصفه مغامرة محرمة بالمآل، فإنه يقر أن الإحجام بعد اكتمال القدرة يكتسي نفس الحكم الشرعي.
وعليه، فإن المقصد الأعلى الذي يحكم هذه الحالة هو إزالة الموانع التي تحول دون قيام الحق وتمكين العدل. فالشريعة لا تطلب من الأمة أن تبقى في مرحلة الإعداد إلى ما لا نهاية، كما لا تطلب منها أن تجعل الحسم غاية دائمة، وإنما تطلب منها أن تحسن الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فتستثمر القوة حين تنضج شروطها، وتحقق بها تحولًا تاريخيًا يفتح الطريق أمام دورة جديدة من البناء والعمران.
– الحالة الثالثة: لحظة غير حاسمة مع توفر القدرة:
هذه الحالة هي أيسر حالات الأمة: وقد تجلت في لحظات عديدة خلال التجربة الإسلامية: منها في عصر عمر بن الخطاب، ثم في المراحل اللاحقة التي شهدت توسع الدولة الإسلامية، واستقرارها النسبي: فبعد أن تجاوزت الأمة مراحل التأسيس والبقاء، لم يعد التحدي الرئيس هو خوض معركة جديدة، بل بناء ما يجعل الانتصارات قابلة للاستمرار. ولهذا اتجه الجهد إلى تأسيس الدواوين، وتنظيم القضاء، وتطوير الإدارة، وإنشاء الأمصار، وتأمين طرق التجارة، وترسيخ منظومة الحكم. لم يكن ذلك أقل أهمية من الفتوحات نفسها، بل كان هو الذي حوّل الانتصار العسكري إلى مشروع حضاري ممتد. فالقوة التي لا تتحول إلى مؤسسات سرعان ما تتبدد، والنصر الذي لا يتحول إلى عمران يبقى حدثًا عابرًا في التاريخ.
وهو ذات ما شهدناه في العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية: فبعد أن وضعت الحرب أوزارها، لم يكن التحدي الأكبر أمام الدول الأوروبية هو خوض معركة جديدة، بل استثمار ما توفر لديها من إمكانات بشرية وعلمية واقتصادية في إعادة البناء. ومن هنا انطلقت مشاريع الإعمار الكبرى، وتوسعت الجامعات ومراكز البحث، وتطورت البنية الصناعية والتقنية، وتدرجت القارة نحو أشكال متقدمة من التعاون الاقتصادي والسياسي. لقد أدرك الأوروبيون حينها أن المحافظة على القوة لا تكون بإدامة التعبئة العسكرية، بل بتحويل الموارد المتاحة إلى معرفة ومؤسسات وإنتاج.
وفي الحالتين لم يكن الإنجاز التاريخي الأبرز هو الانتصار على خصم، بل الانتصار على الهدر: فثمة لحظات لا يكون فيها السؤال: كيف ننتصر؟ بل: ماذا سنفعل بالنصر الذي تحقق؟ وهنا تتجلى الحكمة العمرانية؛ إذ يصبح البناء أعظم أشكال الفعل التاريخي، وتغدو المدرسة والجامعة والمؤسسة والمدينة أكثر أثرًا في مستقبل الأمم من ساحة المعركة نفسها. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون الواجب هو استنفاد القوة، بل استثمارها، ولا يكون التحدي هو تغيير ميزان الصراع، بل تحويل القوة المتاحة إلى حضارة قادرة على البقاء والتجدد.
فكيف تعامل الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة مع الحالة العمرانية؟
إذا كانت الحالة الحديبية تنطلق من سؤال: كيف نحفظ المشروع حتى يشتد عوده؟ وتطرح الحالة الفتحية سؤال: كيف يحسم المشروع وجوده؟ فإن الحالة العمرانية تنطلق من سؤال ثالث لا يقل أهمية: ماذا نصنع بالمشروع بعد أن يشتد عوده؟
وهنا تنتقل الشريعة من منطق حماية الوجود إلى منطق تحقيق الرسالة، ومن فقه البقاء إلى فقه الاستخلاف: فليست الغاية من القوة أن تبقى قوة، وإنما أن تتحول إلى عمران، وليست الغاية من الاستقرار أن يدوم في ذاته، وإنما أن يصبح بيئة لإنتاج العلم والعدل والمؤسسات والقيم.
ولهذا جاءت المقاصد الكلية للشريعة لتتجاوز مجرد حفظ الضرورات الخمس إلى إيجاد الشروط التي تزدهر فيها تلك الضرورات. فحفظ الدين لا يكون بإقامة الشعائر وحدها، بل ببناء المؤسسات التي تنقل العلم وتنتجه. وحفظ العقل لا يتحقق بمنع ما يفسده فحسب، بل بإقامة المدارس والجامعات وحلقات البحث. وحفظ المال لا يقتصر على تحريم السرقة والربا، بل يشمل بناء اقتصاد منتج يحقق الكفاية والكرامة. وبذلك تتحول المقاصد من مجرد أدوات للحماية إلى مشروع متكامل للعمران الإنساني.
ومن هنا توسع الفقه الإسلامي في إعمال جملة من الأدوات الاجتهادية التي تخدم هذا المقصد، وفي مقدمتها المصالح المرسلة، والاستصلاح، والاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، إلى جانب القاعدة الكلية: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.. فإذا كان حفظ الدين والعقل والنفس والمال والنسل واجبًا، فإن كل ما يتوقف عليه تحقيق هذا الحفظ من تعليم وإدارة وصناعة وزراعة وتقنية وبحث علمي وتنظيم مؤسسي.. يصبح هو الآخر داخلًا في دائرة الواجب الشرعي، لا بوصفه وسيلة دنيوية محضة، بل بوصفه جزءًا من تحقيق مقاصد الشريعة نفسها.
ولهذا لم يكن العمران في التصور الإسلامي ترفًا حضاريًا، ولا مرحلة مؤقتة بين حربين، بل كان أحد أعظم صور التعبد لله في الأرض. فالقرآن يربط بين الإيمان والاستخلاف، وبين الاستخلاف وعمارة الأرض، وبين عمارة الأرض وإقامة العدل، حتى يصبح البناء نفسه وظيفة شرعية، لا تقل أهمية عن حماية البناء عند تعرضه للخطر.
وعليه، فإن المقصد الأعلى الذي يحكم هذه الحالة هو تحقيق الاستخلاف والعمران؛ لأن الشريعة لا تريد من الأمة أن تنتصر فحسب، بل تريدها أن تصبح شاهدة على الناس بإنتاج نموذج حضاري تتجسد فيه قيم الحق والعدل والرحمة. فالحضارة، في هذا السياق، ليست ثمرة جانبية للقوة، بل هي الغاية التي من أجلها تُبنى القوة أصلًا.
الحالة الرابعة: لحظة حاسمة مع ضعف القدرة:
إذا كانت الحالات الثلاث السابقة، تتفاوت فيها مستوى القدرة ومستوى الخطر الجودي.. فإنه في هذه الحالة يصبح المثال التاريخي أكثر حساسية؛ لأن النموذج الحسيني ليس مجرد حالة ضعف في مواجهة قوة متفوقة، وإلا لاندرجت تحته آلاف الثورات والانتفاضات الفاشلة، أو استفادت من حكم رفع التكليف من أصله.. إن فرادته تكمن في أن الخطر حينها لم يكن يهدد وجود الجماعة، بقدر ما هدد المعنى الذي كان يوجه وجودها.. ولهذا كان السؤال الذي واجهه الحسين أعمق من سؤال البقاء؛ إذ لم يكن يتجلى في: هل ستبقى الأمة؟ بل: أي أمة ستبقى إذا أصبح الانحراف هو القاعدة، وأصبح الصمت شريكًا في إعادة إنتاجه؟
لذلك، لم يتحرك الحسين لأنه امتلك فرصة واقعية للحسم العسكري، ولا كان جاهلا، وهو يتحرك، باختلال موازين القوى، فقد عرض عليه الاستسلام حتى ينجو، لكن تلك اللحظة التي تحرك فيها كانت قد بلغت، في تقديره ونظره، درجة لم يعد معها السكوت خيارًا محايدًا. لقد بدا له أن الخطر لا يتعلق بشخص الحاكم أو بطبيعة الصراع السياسي الآني، بل بالمسار الذي تتجه إليه الأمة نفسها. ولهذا لم يكن رهانه على موازين القوة القائمة، بل على قدرة الموقف على حماية البوصلة الأخلاقية والحضارية للأمة من أن تضيع داخل منطق الأمر الواقع.
وبناء عليه، فمن يرد أن يحاكم التجربة الكربلائية للحسين، فعليه أن يستحضر، بكل موضوعية، اتجاه بوصلة الأمة قبل كربلاء واتجاهها بعد كربلاء.
لم يكن الحسين بدعا من التاريخ، فقد تحققت نماذج غيره في سياقات تاريخية مختلفة، ومنها حالة الزعيم الأمريكي من أصل إفريقي مارتن لوثر كينغ، ولا سيما خلال حملة ممفيس سنة 1968: فقد كان يدرك أن ميزان القوة السياسية والاجتماعية والثقافية ما يزال مختلًا بشدة، وأن ما يطالب به يتجاوز الحقوق الإجرائية إلى إعادة تعريف مكانة الإنسان الأسود داخل الضمير الأمريكي نفسه. لم يكن الصراع في جوهره حول مكسب سياسي محدود، بل حول الاتجاه الأخلاقي الذي ستسلكه الأمة الأمريكية. ولذلك استمر في موقفه رغم تصاعد التهديدات وضيق فرص التغيير السريع، إلى أن دفع حياته ثمنًا لذلك.
وكما في الحالة الحسينية، لم يكن الرهان الحقيقي على اللحظة، بل على الأثر البعيد الذي سيتركه الموقف في إعادة تشكيل الوعي الجماعي للأجيال اللاحقة.
وفي الحالتين لم تكن القيمة التاريخية للموقف في قدرته على تغيير الواقع فورًا، بل في منعه الواقع القائم من أن يتحول إلى حقيقة أخلاقية نهائية. فثمة لحظات يصبح فيها الصمت نوعًا من الاعتراف، ويصبح مجرد إعلان الموقف فعلًا تاريخيًا بحد ذاته. ففي مثل هذه اللحظات لا يُقاس النجاح بحجم ما يتغير في الحاضر، وإنما بحجم ما يُحفظ للمستقبل من قدرة على تصحيح مسار التاريخ.
وهنا نصل إلى السؤال الذي قد يحمل بعض الحساسية، وهو: كيف تعامل الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة مع الحالة الحسينية؟
فإذا كانت الحالة الحديبية تُعنى بحفظ المشروع، والحالة العمرانية بتحقيق الاستخلاف، والحالة الفتحية بتمكين الحق، فإن الحالة الحسينية تطرح سؤالًا ظل، في تقدير كاتب هذه السطور، خارج دائرة التأصيل الكافي في الفقه السياسي الإسلامي:
ماذا لو أصبح الخطر الذي يواجه الأمة موجهًا إلى بوصلتها الحضارية، بينما بقي ميزان القوة عاجزًا عن تغييره؟
لقد غلب على الفقه السني، في معالجته لقضايا التدافع السياسي، جعل القدرة مناطًا رئيسًا للتكليف؛ فبُني جانب كبير من فقهه السياسي على مراعاة الاستطاعة، وفقه المآلات، ودرء المفاسد، وتجنب الفتن، حتى أصبحت قاعدة “القدرة مناط التكليف“ الإطار الغالب في تقدير كثير من المواقف التاريخية. وفي المقابل، منح الفقه الشيعي للحالة الحسينية مركزيةً استثنائية، لكنه ركز أساسًا على بعدها العقدي والرمزي والوجداني، أكثر من تركيزه على تحويلها إلى نظرية عامة تحدد متى تكون كربلاء هي النموذج الواجب الاستحضار، ومتى لا تكون كذلك.
وهكذا، وعلى اختلاف المدرستين، بقي سؤال جوهري دون جواب مكتمل: هل تكفي القدرة وحدها لتحديد طبيعة التكليف التاريخي؟
لذا، يرى كاتب هذه السطور أن الجواب المباشرهو: لا.
فالقدرة تحدد ما تستطيع الأمة أن تفعله، لكنها لا تحدد وحدها ما يجب عليها أن تفعله. إذ لا يقل عنها أهمية معيار آخر، هو طبيعة الخطر. فليس كل خطر سواء، كما ليس كل ضعف سواء. فقد يكون الخطر واقعًا على بعض مصالح الأمة، مع بقاء مرجعيتها وهويتها محفوظتين، فتكون الحكمة في الصبر، وبناء القوة، وتأجيل المواجهة. وقد يبلغ الخطر حدًّا يهدد المرجعية نفسها، ويعيد تعريف الحق والباطل، والشرعية والانحراف، بحيث يصبح الصمت مساهمةً في إعادة إنتاج الانحراف، ولو بقي ميزان القوة على حاله.
ومن هنا، فإن الحالة الحسينية لا تنشأ لأن الأمة ضعيفة، فالضعف وحده لا يصنع كربلاء، وإنما تنشأ لأن طبيعة الخطر تغيرت. فالعجز هو العجز، لكن الخطر لم يعد يهدد بعض المصالح، بل أصبح يهدد المعيار الذي تُوزن به المصالح كلها. وعند هذه النقطة ينتقل التكليف من فقه حفظ القوة إلى فقه حفظ البوصلة.
وفي مثل هذه اللحظات لا يكون المقصد الأول إزالة الانحراف، لأن القدرة لا تسمح بذلك، ولا يكون المقصد مجرد حفظ الأنفس أو تقليل الخسائر، لأن ثمن ضياع البوصلة قد يصبح أعظم من ثمن التضحية. وإنما يصبح المقصد الأعلى هو حماية المرجعية التي تهتدي بها الأمة، حتى وإن عجزت عن فرضها في الواقع.
ومن هنا تنتظم جملة من الأصول الشرعية التي تبدو متفرقة في كتب الفقه: فإذا نُظر إليها من زاوية هذه الحالة انكشف انتظامها في مقصد واحد؛ ك”وجوب إقامة الحجة“، و”تحريم كتمان الحق“، و”وجوب البيان عند تعين البيان“، و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر“، و”وجوب الجهر بكلمة الحق عند السلطان الجائر“، و”الشهادة لله بالقسط ولو على النفس والأقربين“.. فهذه الأحكام لا تستهدف دائمًا تغيير الواقع المباشر، وإنما تستهدف حماية المعيار الذي يُحاكم به الواقع، حتى لا تتحول الغلبة إلى مصدر للشرعية، ولا القوة إلى مقياس للحقيقة.
ومن هذه الزاوية، يمثل النموذج الحسيني أرقى تجليات فقه الشهادة؛ لا الشهادة بوصفها نهايةً للفعل، بل بوصفها حفظًا للمعيار الذي سيقود الفعل في المستقبل: فالحسين لم يكن يراهن على موازين القوة القائمة، بل على موازين التاريخ. ولم يكن يتحرك لأن النصر العسكري كان ممكنًا، بل لأن الهزيمة الأخلاقية أصبحت أخطر من الهزيمة العسكرية. لقد أدرك أن الأمة قد تستعيد أرضًا، أو تبني دولة، أو تعيد إنتاج قوتها، لكنها إذا فقدت القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الشرعية والغلبة، فإنها تكون قد فقدت البوصلة التي تهديها إلى كل استعادة لاحقة.
وعليه، فإن المقصد الأعلى الذي يحكم هذه الحالة ليس مجرد حفظ الدين بمعناه الفردي، بل حفظ الاتجاه الحضاري للأمة؛ أي حماية المرجعية الأخلاقية التي تنتظم حولها المقاصد كلها، وتحول دون أن يصبح الواقع مصدرًا لتعريف الحق، أو تتحول القوة إلى معيار للشرعية. ومن هنا يقترح هذا البحث أن التكليف التاريخي لا يتحدد بالقدرة وحدها، كما استقر عليه غالب الفقه السياسي السني، ولا بمجرد استحضار النموذج الحسيني، كما غلب على الوعي الفقهي الشيعي، وإنما يتحدد بتفاعل القدرة مع طبيعة الخطر. ومن هذا التفاعل وحده يمكن فهم متى تكون الحديبية هي الفقه، ومتى يكون الفتح، ومتى يكون العمران، ومتى تصبح كربلاء هي التكليف.




